الجدل في القرآن الكريم والسنة النبوية
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. الجدل في القرآن الكريم والسنة النبوية
الجدل في القرآن الكريم والسنة النبوية

الجدل في القرآن الكريم والسنة النبوية

تاريخ النشر: 27 شوال 1428 (2007-11-08)

كل مسلم رضي بالله - عز وجل - رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ? نبياً مكلف بالدعوة إلى الإسلام، والدفاع عنه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذه رسالة كل مسلم في حياته.

وانطلاقاً من هذا المبدأ الذي حث القرآن الكريم عليه نهض المسلمون بواجبهم في الدعوة والدفاع، ولما كان الداعي والمدافع لابد وأن يلتقي بكل أصناف الناس ويصطدم بمختلف التيارات والثقافات والاتجاهات، فلا بد له من إتقان أساليب الدعوة والدفاع المتمثلة في الحوار، والجدل بالحسنى، وأصول الدعوة والمناظرة، ونجد أمثلة كثيرة من القرآن الكريم في مجادلة اليهود والنصارى والمشركين والوثنية، ومنكري النبوات وغيرهم.

وقد كان الجدل في القرآن الكريم نوعان: محمود، ومذموم، وأن المذموم ما كان بقصد الغلبة والرياء والجدل للباطل، أو بغير علم، أو في مكان غير مناسب، أو لقصد الجدل فقط، كما قال - عز وجل -: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَل هُم قَومٌ خَصِمُونَ }. فالقصد هنا الجدل للجدل.

وقال: {مَا يُجَـادِلُ فِي ءَايَـاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَـرُوا فَلا يَغـرُركَ تَقَلٌّبُهُـم فِي البِلادِ }. الجدل هنا مكابرة لأنها مجادلة في أمور بديهية.

وقال: { وَجَادَلُوا بِالبَاطِلِ لِيُدحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذتُهُم فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ } الجدل هنا غايته نصرة الباطل، ومدافعة الحق عن علم وقصد.

وقـال: {وَمِـنَ النَّـاسِ مَن يُجَـادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلـمٍ, وَلا هُـدًى وَلا كِتَابٍ, مُنِيرٍ, }  وقـال - عز وجل – :{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلمٍ, وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ, مَرِيدٍ, }. الجدل هنا بغير علم وهو ما نراه اليوم كثيراً في مجتمعنا، وخصوصاً فيما يتعلق بأمور الدين، فقد أصبح الدين كما يقول الدكتور البوطي أشبه ما يكون بالكلأ المباح، يقتحمه كل الناس بعلمٍ, وبغير علم، ودون أن يُراعى فيه أي تخصص، بخلاف العلوم الأخرى فإن لها أسيجة من الحصانة والحماية.

وأما الجدل المحمود فهو ما كان بقصد الوصول إلى الحق، ودفع الباطل، والدعوة بالحسنى ولذلك قرنه الله - عز وجل - بالدعوة فقال: { ادعُ إِلَى سَبِيـلِ رَبِّكَ بِالحِكمَـةِ وَالموعِظَـةِ الحَسَنَـةِ وَجَادِلهـم بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ}.

وقـال - عز وجل -: {وَلا تُجَـادِلُوا أَهلَ الكِتَـابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحسَـنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُم } . لأن مجادلة الظالمين غير مجدية وإنما يجدي معهم السلاح والقوة. ودعا القرآن الكريم إلى إحضار الدليل أو البرهان فقال:

{ قُل هَاتُوا بُرهَانَكُم إِن كُنتُم صَادِقِينَ }. وقال - عز وجل -:

{ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سبحانه  هُوَ الغَنِيٌّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ إِن عِندَكُم مِن سُلطَانٍ, بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعلَمُونَ}.

وقد جادل الأنبياء أقوامهم كثيراً ولم يملوا من ذلك حتى قال الباري - عز وجل - حكاية عن قوم نوح: { قَالُوا يَا نُوحُ قَد جَادَلتَنَا فَأَكثَرتَ جِدَالَنَا }.

وجادل إبراهيم - عليه السلام - أباه وقومه فقال - عز وجل - يحكي عنه:

{ إِذ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعبُدُ مَا لا يَسمَعُ وَلا يُبصِرُ وَلا يُغنِي عَنكَ شَيئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَد جَاءَنِي مِنَ العِلمِ مَا لَم يَأتِكَ فَاتَّبِعنِي أَهدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَن ءَالِهَتِي يَا إِبرَاهِيمُ لَئِن لَم تَنتَهِ لأَرجُمَنَّكَ وَاهجُرنِي مَلِياً  قَالَ سَلامٌ عَلَيكَ سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعتَـزِلُكُم وَمَـا تَدعُـونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدعُـو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} .

وقال - عز وجل -: { أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَن ءَاتَاهُ اللَّهُ المُلكَ إِذ قَالَ إِبرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأتِي بِالشَّمسِ مِنَ المَشرِقِ فَأتِ بِهَا مِنَ المَغرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهدِي القَومَ الظَّالِمِينَ }.

كما جادل القرآن الكريم أهل الملل المختلفة وقد استغرق الحديث عن اليهود صفحات كثيرة من سورة البقرة وآل عمران وسورة المائدة وذلك لكشف خبثهم ودناءتهم ومكائدهم وعداوتهم لله - عز وجل - ولرسوله  قال-عز وجل- : { لَقَد سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحنُ أَغنِيَاءُ سَنَكتُبُ مَا قَالُوا وَقَتلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ, وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيكُم وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلامٍ, لِلعَبِيدِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَينَا أَلا نُؤمِنَ لِرَسُولٍ, حَتَّى يَأتِيَنَا بِقُربَانٍ, تَأكُلُهُ النَّارُ قُل قَد جَاءَكُم رُسُلٌ مِن قَبلِي بِالبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلتُم فَلِمَ قَتَلتُمُوهُم إِن كُنتُم صَادِقِينَ }.

ومع النصارى يقول - عز وجل -: { لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابنُ مَريَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَابَنِي إِسرَائِيلَ اعبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُم إِنَّهُ مَن يُشرِك بِاللَّهِ فَقَد حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ وَمَأوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ, لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثلاثَةٍ, وَمَا مِن إِلَهٍ, إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَم يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَستَغفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  مَا المَسِيحُ ابنُ مَريَمَ إِلا رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرٌّسُلُ وَأُمٌّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأكُلانِ الطَّعَامَ انظُر كَيفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُر أَنَّى يُؤفَكُونَ قُل أَتَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَملِكُ لَكُم ضَرًّا وَلا نَفعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ  قُل يَا أَهلَ الكِتَابِ لا تَغلُوا فِي دِينِكُم غَيرَ الحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهوَاءَ قَومٍ, قَد ضَلٌّوا مِن قَبلُ وَأَضَلٌّوا كَثِيرًا وَضَلٌّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ }.

ومع الثنوية والمشركين يقول - عز وجل -: { وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَينِ اثنَينِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارهَبُونِ وَلَهُ مَا فِي السَّمَـوَاتِ وَالأَرضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًـا أَفَغَـيرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ}.

ويقول: {لَو كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَرشِ عَمَّا يَصِفُونَ }. { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ, وَمَا كَانَ مَعَهُ مِن إِلَهٍ, إِذًا لَذَهَبَ كُلٌّ إِلَهٍ, بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ, سُبحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِـمِ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَاـلَى عَمَّا يُشرِكُونَ }.

ويخاطب - عز وجل - الملحدين والمشركين فيقول: {قُل أَرأَيتُم إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ اللَّيلَ سَرمَدًا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ مَن إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأتِيكُم بِضِيَاءٍ, أَفَلا تَسمَعُونَ قُل أَرَأَيتُم إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ النَّهَـارَ سَرمَدًا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ مَن إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأتِيكُم بِلَيلٍ, تَسكُنُـونَ فِيهِ أَفَلا تُبصِرُونَ  وَمِن رَحمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسكُنُوا فِيهِ وَلِتَبتَغُوا مِن فَضلِهِ وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ }.

ويقول: { قُلِ الحَمدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصطَفَى آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشرِكُونَ أَمَّن خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهجَةٍ, مَا كَانَ لَكُم أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَئلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَل هُم قَومٌ يَعدِلُـونَ أَمَّن جَعَلَ الأَرضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَينَ البَحرَينِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَل أَكثَرُهُم لا يَعلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكشِفُ السٌّوءَ وَيَجعَلُكُم خُلَفَاءَ الأَرضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهدِيكُم فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحرِ وَمَن يُرسِلُ الرِّيَاحَ بُشرًا بَينَ يَدَي رَحمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ - تعالى - اللَّهُ عَمَّا يُشرِكُونَ أَمَّن يَبدَأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُل هَاتُوا بُرهَانَكُم إِن كُنتُم صَادِقِينَ }.

ويقول جل شأنه: { إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤفَكُونَ فَالِقُ الإِصبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَنًا وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ حُسبَانًا ذَلِكَ تَقدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النٌّجُومَ لِتَهتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحرِ قَد فَصَّلنَا الآيَاتِ لِقَومٍ, يَعلَمُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِن نَفسٍ, وَاحِدَةٍ, فَمُستَقَرُّ وَمُستَودَعٌ قَد فَصَّلنَا الآيَاتِ لِقَومٍ, يَفقَهُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخرَجنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيءٍ, فَأَخرَجنَا مِنهُ خَضِرًا نُخرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخلِ مِن طَلعِهَا قِنوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ, مِن أَعنَابٍ, وَالزَّيتُونَ وَالرٌّمَّانَ مُشتَبِهًا وَغَيرَ مُتَشَابِهٍ, انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثمَرَ وَيَنعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُم لآيَاتٍ, لِقَومٍ, يُؤمِنُونَ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُـم وَخَرَقُـوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ, بِغَيرِ عِلمٍ, - سبحانه وتعالى - عَمَّا يَصِفُونَ } [سورةالأنعام95 102]

ومع منكري النبوة يقول - عز وجل -: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤمِنُوا إِذ جَاءَهُمُ الهُدَى إِلا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا قُل لَو كَانَ فِي الأَرضِ مَلائِكَةٌ يَمشُونَ مُطمَئِنِّينَ لَنَزَّلنَا عَلَيهِم مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا } .

ويقول - عز وجل -: {وَلَو نَزَّلنَا عَلَيكَ كِتَابًا فِي قِرطَاسٍ, فَلَمَسُوهُ بِأَيدِيهِم لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن هَذَا إِلا سِحرٌ مُبِينٌ وَقَالُوا لَولا أُنزِلَ عَلَيهِ مَلَكٌ وَلَو أَنزَلنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمـرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ وَلَو جَعَلنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسنَا عَلَيهِم مَا يَلبِسُونَ } .

هذا الحوار والجدل القرآني مع أصحاب الملل المختلفة يدفع كل مسلم صادق في إيمانه إلى أن يسلك سبيل القرآن في الدعوة بكل الوسائل الخطابية والجدلية والبرهانية، وهي المعاني التي يشير إليها بعض العلماء  عند استعراضهم للآية القرآنية: { ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُم بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ } .

هذا فيما يتعلق بالقرآن الكريم ونفس الأمر نجده في سنة المصطفى  إذ في سيرته نجد نماذج تدفع المسلم لأن يتأسى ويقتدي به  في الدعوة ومجادلة الآخرين قال - عز وجل - في كتابه المنزل:  {لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرجُو اللَّهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } .

فمن ذلك ما يروى أن النصارى أتوا إلى رسول الله  فخاصموه في عيسى ابن مريم: وقالوا له من أبوه؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان، فقال لهم النبي ? ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا بلى: قال ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا بلى: قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟ قالوا: لا. قال أفلستم تعلمون أن الله - عز وجل - لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما علم؟ قالوا: لا: قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء فهل تعلمون ذلك؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يتغذى الصبي؟ ثم كان يطعم الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث، فكيف يكون هذا كما زعمتم؟  قال الراوي: فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً، فأنزل الله - تعالى -:{ الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الحَيٌّ القَيٌّومُ } .

واضح من خلال هذه الرواية كيف يستخدم معهم النبي الكريم ? الأدلة البرهانية والبديهية التي لا يجحدها إلا مكابر أو معاند, فالإله لا يمكن أن يدخل في بطن امرأة، ولا يمكن أن يأكل الطعام، ولا يحدث الحدث لأن هذه صفات نقص لا تليق بالكمال الإلهي، وقد خلت المناظرة كما نلاحظ من التعقيدات والتقسيمات الجدلية، وهذه عادة القرآن الكريم وعادة النبي ? أن الاستدلال يكون واضحاً جلياً بديهياً يقنع الأمي الجاهل كما يقنع العالم المتبحر.

وهذا الاستدلال النبوي الشريف، ومثله الاستدلال القرآني: { إِنَّ مَثَـلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ, ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} , وقوله - عز وجل -: { مَا المَسِيحُ ابنُ مَريَمَ إِلا رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرٌّسُلُ وَأُمٌّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأكُلانِ الطَّعَامَ }.

لقد كان هذان الاستدلالان القرآني والنبوي أسوة حسنة لكل المجادلين المسلمين تقريباً فلا نجد مجادلاً إلا ويرفض دعوى ألوهية المسيح مستنداً إلى عوارض البشرية، ومظاهر الإنسانية التي كان عيسى متلبساً بها، والتي عبرت عنها نصوص الأناجيل بكل صراحة ووضوح.

ومن الأمثلة التي أفحم النبي – صلى الله عليه وسلم - فيها أهل الكتاب ما جاء أنه أتي برجل وامرأة من اليهود قد زنيا فقال لليهود ما تصنعون بهما؟ قالوا: نسخِّم  وجوههما ونخزيهما قال : فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاؤوا فقال لرجل ممن يرضون: يا أعور إقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليها، قال: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيه آية الرجم تلوح، فقال: يا محمد: إن عليهما الرجم ولكنا نكاتمه، فأمر بهما فرجما، فرأيته يجانئ عليها بالحجارة ).لقد ألزمهم النبي ? بالتحريف، وكتمان الحق فلم يجد أعورهم مناصاً من الاعتراف بذلك.

ونكتفي بهذه الأمثلة القرآنية الكريمة، والنبوية الشريفة التي تدل دلالة واضحة على أن القرآن الكريم والسنة النبوية كانا دافعاً قوياً، وحافزاً كافياً لاستثارة كل مسلم صادق في إسلامه للدفاع عن الإسلام والدعوة إليه.

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات