أخطاء في التعامل مع الحديث النبوي الشريف


  بسم الله الرحمن الرحيم

يلاحظ انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتابات بعض المعاصرين، ولاسيما في الدوريات والمؤلفات والصحف والمجلات، وما درى هؤلاء الكتاب أن عملهم هذا يتنافى مع مكانة السنة العظيمة من وجوه متعددة، وكذلك يتنافى مع المنهجية الحديثية العلمية، وقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الكذب عليه، ووردت أحاديث نبوية شريفة في ذلك منها:

1- حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - \" لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فليلج النار \" [1].

 

2- حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: \" ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار \" [2]. وكذلك ما يترتب على ذلك من أخطاء في الأحكام الشرعية والفقهية والعقدية، و الأصولية المترتبة على ذلك.

وبعد إمعان النظر يمكن أن نلخص أسباب انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة في الكتابات المعاصرة فيما يلي:

أولاً: الاعتماد على الذاكرة في الاستشهاد بالأحاديث الخاصة بالمقالات والبحوث، وهذا الخطأ من أبشع الأخطاء. وهو مخالف لمكانة السنة العظيمة، وللمنهجية العلمية الحديثية. وهذا الصنف من الكتاب والباحثين موجود. فإذا شرع يكتب في موضوع من الموضوعات استحضر ما بذاكرته مما يعتقده أحاديث نبوية صحيحة. وصحة أو ضعف أو وضع ما ذكره مترتب على ما اختزنته الذاكرة من أحاديث، وليس للعلم ولا للمنهجية دور في ذلك.

وخلاصة القول أنه لا ينبغي مطلقًا الاعتماد على الذاكرة حين الاستشهاد بالأحاديث النبوية الشريفةº بل يجب الرجوع إلى دواوين السنة المباركة، ونقل الأحاديث الصحيحة منها للاستشهاد بها.

 

ثانيًا: الاعتماد على كتب التاريخ والأدب والوعظ والرقائق و..و..وغيرها في النقل منها، واعتبارها من المصادر التي ينقل منها الحديث النبوي الشريف وهذه الكتب لم تتخصص في الحديث النبوي الشريف، ولم توله اهتماماً. بل تذكر الأحاديث كيفما اتفق وفيها كثير من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة. وهي ليست بحال من مصادر الأحاديث النبوية الصحيحة.

ثالثًا: الاعتماد على كتب المنحرفين عقديًا ككتب الصوفية والشيعة والمعتزلة و.. و... فهؤلاء المنحرفون عقديًا قد كذبوا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتوا بأحاديث موضوعة مكذوبة تدعم موقفهم وتثبت صحة ما هم عليه. والأدلة على ذلك كثيرة جدًا، فلا يجوز بحال من الأحوال أن ينقل الكاتب من كتب الصوفية والشيعة والمعتزلة والخوارج و... و.. وغيرهمº لأن ذلك يساهم في نشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وكذلك ينشر عقائدهم الضالة المنحرفة.

 

رابعًا: الاعتماد على كتب الأحاديث التي يغلب عليها الوضع والضعف، وهي كتب معروفة عند المحدثين.

فعلى الكاتب الباحث التأكد قبل النقل من هذه الكتب إذا كانت قد ألفت كمصدر من مصادر الأحاديث الصحيحة أو كمصدر من مصادر الاحاديث الموضوعة. والعزو لهذه الكتب والأخذ منها فيه تدليس على القارئ غير المتخصص أو غير المتعمق حيث يظن صحة الحديث طالما عزاه الكاتب أو الباحث لكتاب من كتب الحديث، ولذا يجب التفطن لهذا الأمر جيدًا.

 

خامسًا: عدم تحقيق الأحاديث الواردة في غير الصحيحين، وهي نقطة في غاية الأهمية لا يتلفت إليها كثير من الكتاب والباحثين، فمما هو معلوم أن أحاديث الصحيحين صحيحة لاشك فيهاº ولكن باقي الكتب على مالها من قيمة عظيمة علمية وحديثية ومنهجية، فيها بعض الأحاديث الضعيفة. وبعض هذه الكتب قد يشتمل على بعض الأحاديث الموضوعةº لذا فإن مجرد التخريج والعزو إليها ليس كافيًاº إذ لابد من ذكر أقوال العلماء في صحته أو ضعفه.

 

سادسًا: رد أحاديث صحيحة بزعم مخالفتها للعقل، وهذا مشهور عند من لهم تأثر بمنهج المعتزلة والمتكلمين كرد (حديث الذبابة) [3] وهو عند البخاري، وحديث (فقأ موسى - عليه السلام - لعين ملك الموت) [4]، وحديث (إن الصلاة يقطعها المرأة والحمار والكلب الأسود) [5] وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي ردها ولم يأخذ بها المتأثرون بمنهج المعتزلة وأهل الكلام بزعم مخالفتها للعقل.

 

والمسلم كاتبًا أو باحثًا لا يحاكم الشرع إلى العقلº بل يحاكم العقل إلى الشرعº لن العقل قاصر، والشرع كامل. فإذا صح الحديث سندًا ومتنًا وقبله المحدثون فهو صحيح مهما خالف بعض العقول المريضةº لأن العقل يجب أن يعمل في إطار الشرع، ويحكم من خلاله لا كما زعم القوم من العقلانيين والمتأثرين بمناهج المعتزلة والمتكلمين والأشاعرة.

 

سابعًا: رد أحاديث لمخالفتها نظريات علمية لم ترق إلى مستوى الحقيقة، فبعض الكتاب والباحثين ينكر أحاديث صحيحة لمجرد أنها تخالف نظرية علمية لم تثبت بعد حقيقتها وهذا من أبشع الخطأº لأنه لا تعارض البتة بين حقائق الشرع وحقائق العلم، وكل حقيقة علمية كونية ثابتة لا تتعارض أبدًا مع نصوص الشريعة من كتاب وسنةº لأن الخالق هو الله - تعالى -والمشرع هو الله - تعالى -، ورغم ذلك يزعم هؤلاء أن تلك الأحاديث غير صحيحة، وإذا قلت لهم كيف ذلك؟. قالوا: لأنها تخالف العلم بزعمهم (فإنا لله وإنا إليه راجعون) فيا هؤلاء، تأدبوا مع الله ومع شريعته ومع السنة التي هي وحي من الله] وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِن هُوَ إِلاَّ وَحيٌ يُوحَى [(النجم: 3-4).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحديث خرجه البخاري في3 كتاب العلم: (38) باب إثم من كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرجه مسلم في(المقدمة): 2 باب تغليظ الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

(2) الحديث خرجه البخاري في الكتاب والباب السابقين ومسلم في المقدمة والباب السابق.

(3) الحديث خرجه البخاري(2/329) و(4/71-72)، والدارمي(2/99) وابن ماجه(3505) وأحمد(2/398) ونص الحديث هو: \" إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء، وفي الأخرى شفاء \" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(4) الحديث خرجه البخاري: (كتاب أحاديث الأنبياء)(باب) وفاة موسى، ومسلم(كتاب الفضائل)(باب فضائل موسى).

(5) الحديث خرجه مسلم(510) وأحمد(5/149، 155، 156، 161) وأبو داود(702) والنسائي(2/63، 64) والترمذي(338).

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply