عقيدة السلف


 

بسم الله الرحمن الرحيم



بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد، فإن الله - سبحانه وتعالى- قد اختار من الأنبياء محمدا - صلى الله عليه وسلم - واختار له من الأتباع أصحابه الذين شرفهم الله بصحبته والاجتماع معه مؤمنين به على الوجه المتعارف، فرباهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما جاء به من عند الله فكانوا خير قرون هذه الأمة وبعدهم التابعون الذين صحبوهم وتعلموا علمهم ورأوا عملهم، فكانوا أشبه الناس بهم، ثم بعدهم أتباع التابعين الذين سلكوا طريقة التابعين أيضا، فكانوا مثلا يقتدى بها، وأسوة صالحة لمن يأتي بعدهم، وهي القرون المزكاة التي شهد لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفضل، ـ فقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: \"خير القرون القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: \"يغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى محمدا فيقولون نعم، فيفتح لهم، ثم يغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى من رأى محمدا، فيقولون نعم، فيفتح لهم، ثم يغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمدا، فيقولون نعم، فيفتح لهم\". إن هؤلاء كانوا قدوة هذه الأمة وإسوتها وقد سبقوها إلى كل خير، ونالوا فضل الصحبة فلا يمكن أن يلحق بهم من سواهم، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - \"لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه\"، فهم أولى الناس بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأقربهم سابقة في الإسلام وأكثرهم بلاء فيه، وهم كذلك الذين أحرزوا فضل ثناء الله عليهم في كتابه، فقد قال الله - تعالى -: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه)، وقد قال - تعالى -: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) وقال - تعالى -: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) وقال الله - تعالى -: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا) فقد شرفهم الله - تعالى -بهذا الفضل الجزيل العظيم، ورفع منزلتهم وقدرهم، وأمر من بعدهم بالدعاء لهم والترحم عليهم، وجعل أجور اللاحقين في كفة حسناتهم وميزانهم، لأنهم الذين بلغوا الدين وحملوه إلى الآفاق وجاهدوا في سبيله، ونصروا الله ورسوله وأدوا الحق الذي عليهم، كما شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك لكثير منهم، فقد وقف على شهداء أحد قبل موته بثمانية أيام فقال: \"إني شهيد على هؤلاء بأن صدقوا الله ما عاهدوه عليه\"، وقال في الأنصار عند ذكره لهم \"واستوصوا بالأنصار خيرا فإنهم أدوا الذي عليهم وبقي الذي لهم\"، وأوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبل من محسنهم وأن يتجاوز عن مسيئهم، كل ذلك يدلنا على فضل سلف هذه الأمة الصالح، وأن الخير كله هو ما سبقوا إليه، وما بدئوا به، فلا يمكن أن يكون خير في هذه الأمة إلا ما سبق إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعون، وأتباع التابعين، ثم إن ما كانوا عليه، هو الذي زكاه الله ورسوله، فهو إذن طريق الحق، فلا طريق لنا لمعرفة الحق إلا الوحي، فالوحي المنزل وحده هو المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما كانوا عليه هو الوحي لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءهم به من عند الله - تعالى - نقيا صافيا وتركهم عليه عند موته، فقال: \"تركتكم على مثل المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك\" فلذلك كانوا على الحق فلا يمكن أن تجتمع قلوبهم إلا عليه، ضحوا في سبيله بأرواحهم وأعمارهم وأموالهم، وقد قال أحد شعراء هذه البلاد، وهو الشيخ غالي البوصادي - رحمه الله -:

وقامت بنصر الله أنصار دينه * * * وبيعت من الله النفوس النفائس

ضحوا بنفوسهم في سبيل الله، ونقلوا هذا الدين إلى كل مكان، ولم يتركوا مكانا من الأرض يستطيعون الوصول إليه إلا أوصلوا إليه هذا الدين، فلذلك لا يمكن أن يرغب عما كانوا عليه، إلا من سفه نفسه، فهم الإسوة والقدوة الصالحة في كلما سلكوه عقيدة وعبادة ومعاملة وسلوكا وخلقا وتضحية وجهادا، كل ذلك من منهجهم هو طريق الحق المرضي الذي لا يمكن أن يعدل عنه إلا من فتن في دينه، فمن هنا كان لزاما علينا معاشر المؤمنين أن نبحث عن منهجهم وسبيلهم وأن نتعلم اعتقادهم وعبادتهم ومعاملتهم وعملهم، وأن نحرص أن نقتدي بهم فهم القدوة الصالحة والأسوة الحسنة، وعلينا عباد الله أن نتذكر أنهم هم تمثيل هذا القرآن وبيانه، ففيهم نزل وعنهم أخذ، ولذلك لا يمكن أن يفهم القرآن فهما أصوب ولا أصدق من فهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أتباعهم وأتباع أتباعهم، كذلك فإن الله زكى عقيدتهم في كتابه، فقال - تعالى -: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) وهذه تزكية من رب العزة والجلال، لاعتقاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق) أي في خلافات، فإنما هم في شقاق، فلذلك علينا إخواني أن نتدارس ما كانوا عليه من الاعتقاد، وأن نأخذ به وأن لا نعدل عن رأيهم، فإن الله - تعالى -أنزل فيهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، وقد صح عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنهما - أنه قال: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا تتعبدوها فإن الأول لم يترك للآخر مقالا، وكذلك فقد وقف - رضي الله عنه - على قوم في المسجد لهم آمر يأمرهم بأعداد من الذكر فقال لهم حذيفة: يا هؤلاء، لقد جئتم جرما، أو لقد فقتم أصحاب محمد علما، ولهذا كان مالك - رحمه الله - يقول: إن الله - تعالى -قد أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم -: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا، فإن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، وقد سمع مالك - رحمه الله - رجلا من الخوارج يسب بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدعاه فقال يا هذا آنت من المهاجرين الأولين، قال: لا، قال: أفأنت من الأنصار الذين آووا ونصروا، قال: لا، قال: فأنا أشهد أنك لست من الذين اتبعوهم بإحسان، فقد قال الله - تعالى -: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) وأنت تلعنهم، فلذلك علينا أن نتدارس ما كانوا عليه من الاعتقاد وأن نتدارس ما كانوا عليه من العبادة وما كانوا عليه من المعاملة وما كانوا عليه من الخلق وما كانوا عليه من التضحية، وما كانوا عليه من الجهاد والدعوة، وأن نحرص على أن نقتدي بهم، فهم القدوة الصالحة والأسوة، وقد قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: \"من كان مقتديا فليقدي بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن فتنته\"، وسبيلهم وسننهم وهديهم كله بيان لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال أهل الحديث: ربى النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله ابن مسعود، فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى ابن مسعود - رضي الله عنه - علقمة، فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى علقمة إبراهيم النخعي فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى إبراهيم النخعي الأعمش فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى الأعمش منصور بن المعتمر فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى منصور بن المعتمر سفيان الثوري فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى سفيان الثوري وكيع بن الجراح فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى وكيع بن الجراح أحمد بن حنبل، فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى أحمد بن حنبل أبا داود سليمان بن الـأشعث، فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، إنه توارث عجيب للهدي والسلوك والسمت، ينبغي أن لا ينقطع في هذه الأمة، وأن يحرص كل إنسان على أن يلتحق بأولئك فالتشبه بهم فلاح، كما قال الحكيم، فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح كذلك فإن مجرد تدارس أخبارهم وحكاياتهم وسيرهم مما يثبت الله به قلوب عباده، ومما يعين على الاستمرار على الثبات على دين الحق، ومما يعين كذلك على التضحية والبذل في سبيل الله، ولهذا قال عبد الله بن المبارك - رحمه الله -: سير الصالحين جند من جنود الله يثبت الله بها قلوب عباده، ومصداق ذلك من القرآن قول الله - تعالى -: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) إن ما كان عليه أولئك من الاعتقاد كان يزيد حبا لله - تعالى -وحبا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وحبا لدينه، وكان يدفع إلى التضحية والجهاد في سبيل الله، وكان يدفع إلى إيثار الآخرة على الدنيا، وكان يدفع إلى إيثار الإنسان إخوانه في الله على نفسه في عاجل أمور الدنيا، وكان يدفع كذلك إلى قيام الليل وصيام النفل، والإكثار من الذكر وقراءة القرآن، وكان يدفع إلى المبادرة إلى الطاعات، وإجابة نداء الله - تعالى -، وكان يدفع إلى شهود الصلوات في المساجد وإجابة المنادي، وكان يدفع كذلك إلى تعلم العلم النافع وروايته والمبادرة إلى العمل به، كل ذلك من فوائد تعلمنا لما كان عليه سلفنا الصالح وهو أيضا وفاء لنا وشرف، فأية أمة مبتورة ليس لها تاريخ ولا صلة لها بأسلافها، لا يمكن أن تبرز الزعامات، ولا أن تنتج القادة المجددين، فلذلك لا بد أن ترجع هذه الأمة إلى تدارس تاريخها، وأمجادها، فهي والله أيام عطرة، عبد الله - تعالى -فيها وصدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وأعليت فيها كلمة الله وجوهد فيها في سبيل الله ونصر فيها الحق وحصلت فيها العدالة الاجتماعية بين الناس، وتفيأ الناس ظلال القرآن، وأمنوا بأمن الله - تعالى - وآمنوا برسوله - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به، فلذلك أنتجت جيلا ما عرفت الأرض جيلا أفضل منه ولا أكمل ولا أحسن خلقا ولا خُلقا، ما عرفت هذه الأرض أياما كانت أعدل ولا أقوم ولا أصوب من تلك الأيام التي جاء فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستجاب الناس لدعوته وسلكه منهجه وطريقه، لكن هذا الطريق يصعب السلوك عليه، فلا يناله إلا الأقوياء، إلا ذوو الهمم العالية، وقد قال أبو العلاء المعري: أرى العنقاء تكبر أن تصادا فعاند من تطيق له عنادا فلذلك تحتاج هذه الملة وهذه المحجة إلى من كان من أهل الهمم العالية الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا، والذين يستطيعون التضحية والبذل، وهم الذين يستطيعون سلوك طريق النبي - صلى الله عليه وسلم -، من لا يتحمل الجوع ولا السهر ولا العطش ولا الظمأ لا يمكن أن يسلك طريق النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، لا يستطيع أن يسلك طريق أصحابه الذين وصفهم سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - فيما أخرج البخاري في الصحيح بقوله: والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد رأيتنا نغزوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وما لنا زاد إلا ورق السمر وهذه الحبلة، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، خبت إذن وضل سعيي. إن هذا الأمر شاق، وقد جعل الله - تعالى -عليه النكبات والعراقيل التي تصرف من لا يرتضي الله خدمتهم للدين، فقد تعهد الله بصرف المأفوكين عن الحق، فقال - تعالى -: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) إن من عدل عن طريق الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في الاعتقاد، لا بد أن يتردد في الوحل والفتنة، ولا بد أن يعيش كثيرا من الخلافات التي لا تطمئن إليها النفوس، ولا بد أن يبقى دائما عرضة للرجوع والتذبذب ولذلك قال الفخر الرازي - رحمه الله - بعد توبته ورجوعه عن منهج الكلام، يقول: نهاية إقدام العقول عقال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا و غاية سعي العالمين ضلال وغاية دنيانا أذى ووبال سوى أن بحثنا فيه قيل وقال وكذلك قال أبو المعالي الجويني - رحمه الله - عند موته، قال: لقد درست عقائد العالم، فما تركت ملة ولا نحلة إلا درستها، وها أنا اليوم أموت على عقائد عجائز نيسابور، أي ما كان عليه السلف السابق، فلهذا نحتاج يا إخواني إلى مدارسة ما كانوا عليه من الاعتقاد وأن نعلم أنه الحق الذي لا تكلف فيه ولا إشكال، وهو الموافق لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فطرة ومنهجا، إن عقيدة السلف الصالح تقوم على أركان ستة بينها الله في كتابه وبينها رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - أوضح بيان في حديث جبريل حين سأله عن الإيمان فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جوابه: \"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره\" ستة أركان، هي الإيمان بالله، والإيمان بملائكته، والإيمان بكتبه، والإيمان برسله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، أما الإيمان بالله - تعالى -فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام، إلى إيمان بألوهيته أي أنه - سبحانه وتعالى - وحده الذي يستحق العبادة ويستحق الدعاء ويستحق أن يستيغاث به، ويستحق أن يتوكل عليه، فهو وحده الذي يستحق أن يصرف له كل أنواع التعبد، فمن صرف شيئا من العبادة لغيره فقد أشرك به ولم يعرفه حق معرفته، فلهذا لا بد أن نعلم أن الإيمان بالله - تعالى -مقتض لتحقيق العبادة الكاملة له، وأن يعلم الإنسان أن الله وحده الذي يستحق العبادة وأن من دونه يموتون، ويمرضون ويحتاجون ويفتقرون فلذلك لا يستحقون العبادة، إنما يستحقها الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم وهو الذي لا يموت والإنس والجن يموتون هو الذي السماوات السبع في قبضة يمينه والأرضون السبع في قبضة يمينه والقلوب كلها بين إصبعين من أصابعه يرفع إليه أمر الليل قبل النهار وأمر النهار قبل الليل، لا معقب لحكمه يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، ?لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ?، فلذلك كان وحده مستحقا للعبادة وكان من دونه لا يستحق أن يصرف إليه شيء منها، ولهذا قال: (ذالكم الله ربكم له الملك، والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير) وقال - تعالى -: (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله، إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته، قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) وقال - تعالى -: (أليس الله بكاف عبده) وقال - تعالى -: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) وقال - تعالى -: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله، يصيب به من يشاء من عباده) وقال - تعالى -: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده) وهذا النوع من أنواع الإيمان بالله - تعالى -وهو الإيمان بألوهيته يقتضي تمام التوكل عليه والاتصال به والأنس به، والتقرب إليه في كل الأحيان والتوكل عليه في كل الأمور لأن كل من سواه مفارق لك، فمن تعايشه وتعاشره في هذه الحياة مفارق لك (إنك ميت وإنهم ميتون)، وكل من أعجبك فيه شيء من الصفات فإنه زائل عنه إلا الله - سبحانه وتعالى-وحده، فصفاته باقية خالدة دائمة، فلذلك لا بد أن يتذكر المؤمن بالله - تعالى -هذا الإيمان بألوهيته وأن يكون حريصا على الاتصال به والعناية به، فلذلك لا يمكن أن يكون المؤمن بهذا الإيمان مفرطا في عبادة الله ولا مقصرا فيها ولا متضجرا من شيء منها، فقد قال الله - تعالى -في ذكر الصلاة: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) وقد قال بعض أهل العلم: المقصود بالخاشعين الموحدون، فهم الذين لا تكبر عليهم العبادة لأنهم عرفوا الله - سبحانه وتعالى - فعرفوا أنه يستحقها فبذلوها له طائعين، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في الصلاة: \"أرحنا بها يا بلال\" وكان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، وقال: \"وجعلت قرة عيني في الصلاة\"، فهي اتصال بالله - سبحانه وتعالى - يأنس به المؤمن ويتسلى به عن كل ما يصيبه من الآفات ويجد فيه سعادة عجيبة ولذة المناجاة، ويجد فيه كذلك روحا وريحانا وإقبالا على الله، وقوة رهيبة عجيبة ويجد فيه نورا ربانيا، فنور الله يواجه القائم في الصف والمصلي في جوف الليل والناس نيام، يجد فيه الإنسان عدة وعددا ويجد فيه نصرة على الحق ويجد فيه كذلك اتصالا بالله - سبحانه وتعالى - وشعورا بالتقريب هو في غاية السعادة به، كذلك النوع الثاني من أنواع الإيمان بالله - تعالى -هو الإيمان بربوبيته، ومعنى ذلك الإيمان بأنه وحده خالق هذا الكون ومدبر أمره، وأنه لا يمكن أن يفوت عن علمه شيء من الكائنات، فقد قال - تعالى -: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)، (وهو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض)، وهو الذي يسمك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، وهو الذي يمسك الطير في الهواء، وهو الذي رفع السماء بغير عمد، وهو الذي أجرى الأنهار في الأرض والبحار تحمل السفن، وهو الذي قسم الأرزاق على الخلائق جميعا، رزق كل شيء عليه ومصير كل شيء إليه (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين)، (ألا إلى الله تصير الأمور) وهو الذي يرزق الإنسان حياته وخلقته، ولذلك فخلقة الإنسان وهيأته كلها من تدبير الله وقدره، كما قال الله - تعالى -: (في أي صورة ما شاء ركبك) وقال: (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) فكل ذلك من تدبيره - سبحانه وتعالى -، وهو الذي يرزق الإنسان الذرية (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما، إنه عليم قدير) وهو الذي يرزق من شاء الغنى، ويرزق من شاء القنية، ولذلك أثنى على نفسه بذلك (هو أغنى وأقنى) أغنى أي أعطى من شاء الغنى، وأقنى أي أعطى من شاء قدر القنية فقط، أي القدر الذي يكفيه فقط ولم يزده على ذلك، وكذلك فإن من تدبيره لهذا الكون أنه هو الذي يحيي ويميت فموت كل إنسان إنما يكون بتدبير الله - تعالى - وعلمه وعلى وفق إرادته السابقة، وسيترك مكانه في الأرض، ومحله فوق ظهرها لغيره يشغله من سواه ويجد هو مكانه في بطنها، فالأرض جعلها كفاتا أحياء وأمواتا، فلذلك لا بد من الإيمان بربوبية الله - تعالى -لهذا الكون كله، و لا بد أن نعلم أن هذا الكون ليس فيه مدبر ولا متصرف إلا الله - سبحانه وتعالى - وحده فلا تدبر الأفلاك ولا تشعر بتصريفها، إنما يصرفها الله - سبحانه وتعالى-، ولا تؤثر الطبيعة في شيء ولا تشعر به إنما يصرفها الله - تعالى -، ولذلك قال: (وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان، تسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل) فلو كانت الطبيعة مؤثرة لكانت القطع المتجاورة التي طبيعتها واحدة و تسقى بماء واحد تخرج نوعا واحدا من الثمر، وهي في القطعة الواحدة ينبت فيها ما هو في غاية المرارة وما هو في غاية الحلاوة، وما هو أحمر، وما هو أصفر وما هو أخضر، لو كانت الطبيعة مؤثرة لكان الجميع على صورة واحدة، كذلك فإنه - سبحانه وتعالى - من ربوبيته لهذا الكون أنه فطر العباد على توحيده، فالبشر جميعا يقرون بالإلهية، ويبحث كل إنسان منهم عن إله يعبده، فلو ولد إنسان في جزيرة من جزائر البحر ولم يجد معلما ولا عرف أحدا فإنه سيبحث عن شيء يعبده إن هدي إلى عبادة الله عبده، وإلا بحث عن شجر أو حجر أو غير ذلك، ولهذا فالإنسان بفطرته محتاج لغيره متعلق القلب بذلك الغير أبدا، كل هذا يدلنا على ربوبية الله - سبحانه وتعالى - وتدبيره لهذا الكون وحده لا شريك له، ليس له أعوان ولا أنداد ولا نظراء ولا مستشارون ولا وزراء، يدبر الأمر - سبحانه - وحده، وهو سريع الحساب، لا يختلط عليه أمر مكان عن أمر مكان، لا يشغله شأن عن شأن - سبحانه وتعالى -، والنوع الثالث من أنواع الإيمان بالله هو الإيمان بأسمائه وصفاته، وذلك يقتضي إقرار الإنسان بكل ما وصف الله به نفسه، فلا بد أن يؤمن الإنسان بأن الله - تعالى -مت

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply