شعب يهودي أم جماعات يهودية ؟


 

بسم الله الرحمن الرحيم


إن كلاً من العقيدة اليهودية والهوية اليهودية هما في واقع الأمر عقائد وهويات تأخذ شكل ترتيب تراكمي جيولوجي يحوي داخله طبقات متجانسة يعيش بعضها فوق بعض

يحاول الصهاينة فرض مفهوم الوحدة اليهودية على واقع أعضاء الجماعات اليهودية وتواريخهم وانتماءاتهم المتباينة، وهذا ما يفعله أيضاً المعادون لليهود واليهودية. ويتضح هذا، على سبيل المثال، من التأمل في الدلالات المختلفة لمصطلح بسيط مثل (اليهود)، وهو مصطلح خلافي يخبئ تحيزات مختلفة.

وقد نجح الصهاينة في ترسيخ مفهوم (الوحدة اليهودية) في وجدان معظم الباحثين بحيث أصبحوا يتصورون أن مصطلح (يهودي) (بشكل عام ومطلق) مصطلح محدد المعنى، على رغم أن كلمة يهودي هي من أكثر الدوال إشكالية على رغم بساطتها. فكلمة (يهودي) يمكن أن تستخدم للإشارة إلى العبرانيين القدامى باعتبارهم جماعة عرقية أو إثنية (قوم) أو باعتبارهم جماعة دينية (شعب مختار) كما تستخدم الكلمة للإشارة إلى اليهود الحاخاميين والقرائين والسامريين ويهود الصين وإثيوبيا.



ويشار إلى اليهود باعتبارهم شعباً مقدساً في التراثين الدينيين المسيحي واليهودي. وبعد ظهور العلمانية أصبحوا شعباً عضوياً يشار إليهم بوصفهم (الشعب اليهودي)، أو بالمعنى اللاديني مجرد (اليهود) (بالإنجليزية: جوري Jewry). ويشار إلى السفارد والإشكناز والصابرا ويهود الولايات المتحدة على أنهم يهود، وتزداد الأمور اختلاطاً حين يُستخدم المصطلح للإشارة إلى يهود العالم وإلى صهاينة العالم والمستوطنين الصهاينة في إسرائيل. ولعل المصدر الأساسي لهذا الخلط هو التراث الإنجيلي الذي يتحدث دائما عن اليهود ككل باعتبارهم الشعب، وهي طريقة للرؤية ورثها العالم الغربي ككل، ولهذا نجد أن المحايدين العلميين والمعادين لليهود والصهاينة المتحيزين كلهم يتحدثون عن اليهود ككيانٍ, متجانس.



وغني عن القول إن استخدام الدال يهودي بهذه الطريقة يجعله عديم الفائدة، إذ يشير إلى حقل دلالي متضارب ومدلولات مختلفة، وهو الأمر الذي يتجلى من خلال دراسة الحقل الدلالي لبعض المصطلحات السائدة للإشارة إلى اليهود، ومن بينها: (اليهود بوصفهم كلاً متماسكاً): وهي ترجمتنا للكلمة الإنجليزية (ٍ,جوري Jewry)، والتي كانت تستخدم أصلاً للإشارة إلى الجيتو أو الشارع أو الحي الذي يسكنه اليهود، وهي تشير إلى اليهود من حيث هم كل متماسك لا من حيث هم جماعات شتى لكل منها انتماؤها العرقي أو الإثني أو الحضاري وتضم في صفوفها أعضاء يهوداً لكلٍّ, طموحاته وتصوراته الخاصة به. وتفترض الكلمة أن هناك علاقة عضوية بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، وأنهم يخضعون للحركيات التاريخية نفسها التي تجب الانتماءات المختلفة والتناقضات الكامنة والظاهرة.



ويحبذ الصهاينة استخدام هذا المصطلح لأنه يعبر عن رؤيتهم ونموذجهم التفسيري، وهذا المصطلح لا يختلف كثيراً في تضميناته عن مصطلحات مثل (الشعب اليهودي) أو (الشعب العضوي) فهي جميعاً تشير إلى كل عضوي متماسك.



(الشعب اليهودي): وهي عبارة تفترض أن اليهود شعب واحد بالمعنى القومي أو العرقي للكلمة، كما تفترض أن لديهم قوميتهم اليهودية المستقلة وهو أمر يتنافى مع الواقع التاريخي كما بينا في تحليلنا المصطلحي.



(الشعب): وهي كلمة تتواتر في الأدبيات الدينية اليهودية والمسيحية وفي الدراسات الدنيوية أيضاً. ويختلف معنى الكلمة في السياق الديني عنه في السياق الدنيوي والتاريخي، فهي في السياق الديني تعني (جماعة دينية) ترتبط بميثاق مع الإله وتنتفي عنها صفة الشعب بعدم تنفيذها العهد، وهذا الشعب قد يرى نفسه شعباً مختاراً أو شعباً مقدساً أو أمة الروح أو الأمة المقدسة أو الشعب الأزلي أو المفضل على العالمين، ومن أسمائه (بنو يسرائيل) و(شعب يسرائيل)·



أما في السياق الدنيوي فالأمر أكثر تركيباً، حيث يعني (الشعب) مجموعة القبائل العبرانية التي تسللت إلى كنعان ثم اتحدت في المملكة العبرانية المتحدة ثم انفكت إلى مملكتين المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية، وقد اعتبره اليونانيون والرومان (إثنوس)، أي قوماً يترأسهم رئيس القوم (إثنآرخ) ثم تحولوا إلى جماعات يهودية مختلفة منتشرة. وفي العصر الحديث عاد الحديث بين الصهاينة عن (الشعب اليهودي) أو (الشعب العضوي) (فولك)·



(الشعبان): وهو مصطلح صهيوني جديد يشير إلى كل من الشعب الفلسطيني و(الشعب الإسرائيلي) أو (اليهودي). وهذا المصطلح يتضمن شكلاً من أشكال الاعتراف بوجود شعب فلسطيني وبالتالي حقوق فلسطينية في أرض فلسطين (إرتس يسرائيل في المصطلح الصهيوني)، ولكنه يؤكد أيضاً وجود شعب يهودي له حقوق في فلسطين المحتلة قبل عام 1948، كما يتضمن شكلاً من أشكال التكافؤ بين الفلسطينيين والمستوطنين الصهاينة وشكلاً من أشكال المساواة في الحقوق، وكأن الغزاة الصهاينة لا يختلفون عن السكان الأصليين، فمصطلح (الشعبين) يضفي شرعية على عملية الغزو الصهيوني.



الجماعات اليهودية: وهو المصطلح الذي نقترحه بدلاً من مصطلح (اليهود). ونحن نذهب إلى أن العبرانيين (والعبرانيين اليهود)، أي اليهود القدامى، كانوا يشكلون وحدة ثقافية وإثنية تتسم بقدر من التماسك والتجانس والوحدة، ولكن مع انتشار اليهود في أرجاء العالم في مجتمعات مختلفة لكلٍّ, تقاليدها الحضارية والدينية وتواريخها تفاعل اليهود مع هذه التقاليد والتواريخ وخضعوا لمؤثراتها شأنهم شأن كل الأقليات والبشر، وقد بدأت عملية الانتشار مع التهجير البابلي، ولكن وتيرتها تصاعدت مع ظهور الحضارة الهيلينية والرومانية، واكتملت عملية الانتشار والتفرق مع هدم الهيكل في عام 70م على يد تيتوس وكذلك سقوط العبادة القربانية المركزية وأية سلطة دينية مركزية يهودية، وقد تحول اليهود نتيجة هذه العملية إلى جماعات مختلفة متفرقة غير متجانسة. ونحن نفضل استخدام مصطلح جماعات يهودية على مصطلح يهود، لأن المصطلح الأخير يؤكد التماسك والتجانس والوحدة حيث لا تماسك ولا تجانس ولا وحدة.



ولفهم سلوك هذه الجماعات وحركتها ومصيرها لابد من العودة إلى التشكيلات الحضارية التاريخية التي كانوا يوجدون فيها لا إلى جوهر يهودي يتجاوز الزمان والمكان ويشكل وحدتها الجوهرية، أو إلى تاريخ يهودي يتطور حسب قوانينه الداخلية ويتطور اليهود في إطاره منعزلين عن تواريخ الجماعات التي يعيشون بين ظهرانيها.



إن مشكلات الجماعات اليهودية متنوعة ونابعة من وجودها في مجتمعات مختلفة ذات مستويات مختلفة من التقدم والتخلف، واستخدام اصطلاح يهود على إطلاقه لن يساعد كثيراً على التحليل والتفسير، ومن ثم نرى أن كلا من العقيدة اليهودية والهوية اليهودية هما في واقع الأمر عقائد وهويات تأخذ شكل تركيب تراكمي جيولوجي يحوي داخله طبقات غير متجانسة يعيش بعضها فوق بعض، ولو أطلقنا على هذا اسم (يهود) و(يهودية) لكان في الأمر تعسفاً ولياً لعنق الواقع، ولذلك فنحن نشير إلى العقائد وإلى الجماعات اليهودية بحيث تؤكد كلمة جماعات على استقلال كل جماعة وعلى خضوعها لحركيات تاريخية وحضارية مختلفة.

والله أعلم.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply