فقه الواقع في العمل الإسلامي ضرورة حضارية


بسم الله الرحمن الرحيم

  مقدمة في الموجبات:

لماذا يجب أن نفقه الواقع؟

فقه الواقع ضروري لأي تخطيط، وإلا ضاع الهدفº لعدم تحديد المنطلق.

وفقه الواقع ضروري لأي دعوة إصلاحية، وإلا وضع الشيء في غير موضعه، وأُسنِد الأمر إلى غير أهله.

وبما أن العمل الإسلامي اليوم بكل أشكاله وألوانه يمر في مرحلة غاية في الدقة والحرج، كأنها عنق زجاجة أو سّمٌّ خِيَـاط، فـي ظـلِّ الجـولة الـراهنة مـن الحــرب الصـليـبيـة ـ الصهيونية ـ على الإسلام، تحت مسمى «الإرهاب»º حيث اتخذت أمريكا والغرب ومن ورائهما الصهيونية العالمية الحركةَ الإسلاميةَ، بكل اتجاهاتها وتياراتهاº بما فيها تيار الوسطية والاعتدال، هدفاً مباشراً ومعلناً لحملتها العدوانية المسعورة. وقد وجدت الأنظمة العميلة الحاكمة في العالم الإسلامي في تلك الحملة فرصة لتصفية حساباتها التاريخية مع الحركات الإسلاميةº فانخرطت هي الأخرى في حرب العمل الإسلامي، والتضييق عليه، وتجفيف ينابيعه بشتى الطرق والأساليبº كالحملات الأمنية والتشهيرية الهوجاء، وإصدار القوانين التعسفية التي تخنق الأنفاس وتصادر الحريات، وإطلاق أيدي المخابرات وأجهزة القمع في الاعتقالات والمداهمات، تحت طائلة التهم الجاهــزة، ودون حاجـة إلـى أدلة أو إثباتات.

 

وبما أن الأمر كذلك فقد صار تجديد العمل الإسلامي فريضة شرعية وضرورة واقعية، ولا سبيل إلى ذلك بغير فقه الواقع الدولي والإقليمي والوطني الجديد، ذلك بأن تجديد بناء الأمة، وإقامة الدينº التي هي الهدف الاستراتيجي للعمل الإسلامي المنظم، يتطلب:

ـ فِقهاً لما به يكون التجديد ـ وهو الدين ـ مُمَّثلاً في القرآن والسٌّنّة.

ـ وفقهاً لما له يكون التجديد ـ وهي الأمة ـ ممَّثلة في واقع المسلمين.

ـ وفقهاً لكيف يكون التجديد ـ وهو المنهاج ـ ممّثلاً في كيفية تـنـزيل الدين على الواقع وإحلاله فيه.

 

وكل ذلك مرتبط بالواقع بشكل ما من الارتباط. وإذا جاز تصور تحصيل الفقه الأول بمعزل عن الواقع فإن الفقهين الآخرين لا يستطاع تصور تحصيلهما دونهº فوجب الانطلاق من «فقه سديد» للواقع في أي محاولة للتجديد الصحيح.

 

- فقه الواقع: المصطلح والدلالات:

«فقه الواقع» مركب اصطلاحي إضافي يتكون من مصطلحين: الفقه ثم الواقع، ونبدأ في دراسة مفهوم هذا المركب بالمضاف إليه ثم بالمضاف.

- الواقع في لسان العرب: الساقط والنازل، قال ابن فارس: «الواو والقاف والعين: أصل واحد يرجع إليه فروعه، يدل على سقوط شيء» مقاييس اللغة/ وقع.

 

وعند الراغب أن «الواقعة لا تقال إلا في الشدة والمكروه، وأكثر ما جاء في القرآن من لفظ (وقع) جاء في العذاب والشدائد» المفردات/ وقع.

وأما الواقع في الاستعمال العربي المعاصر، فيرى الدكتور عبد المجيد النجار أن المراد به: «ما تجري عليه الحياة في مجتمع ما، من أسلوب في تحقيق أغراض ذلك المجتمع، ويدخل في ذلك مجموع الأعراف والتقاليد والنظم التي تتفاعلº فينشأ منها الأسلوب في تحقيق الأغراض. وأسلوب تحقيق الأغراض الحياتية يشتمل على عنصرٍ, اجتماعيٍ,ّ متمثلٍ, في بنية الترابط الاجتماعي، وطبيعة التنظيمات الاجتماعية التي يمارس من خلالها الأسلوب الحياتي، كما يشتمل على عنصرٍ, اقتصاديٍ,ّ متمثل في نظام الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وما يجري عليه من قواعد، كما يشمل عنصراً سياسياً يتمثل في طبيعة الحكم القائم في المجتمع ونظامه، وعنصراً ثقافياً متمثلاً في أنماط التعبير الفني التي ينتهجها الناس في تصوير آمالهم وآلامهم وأفراحهم وأتراحهم»(1).

 

وللدكتور (الشاهد البوشيخي) تعريف وتقسيم آخر لواقع الأمة، فأما التعريف فيرى فيه أن: «الواقع هو: الحالة التي عليها الأمة الآن، فيدخل فيه كل الجزئيات والكليات التي تتكون منها الأمة الآن حسب حالتها الراهنة»(2)، و أما عن تقسيمه لواقع «الأمة» فيرى أنه: «انسجام مع التحليل السابق لمفهوم الأمة»(3)، نترك التصنيف المألوف للواقع الذي يجزّئ الحياة العامة إلى: واقع سياسي، وواقع اقتصادي، وواقع اجتماعي...إلخ، مستبدلين به التصنيف حسب «العناصر المكونة لمركّب الأمة» من واقع الجمع البشري لها، وواقع وحدتها والأمر الجامع لها، وواقع قصدها والرسالة التي تضطلع بها.

ويقصد بواقع الجمع البشري للأمة: الحالة التي عليها الناس الذين يشكلون الجسم «المادي» للأمة: كثرة وقلة، غنى وفقراً، علماً وجهلاً، صحة ومرضاً، شعوباً وقبائل، طبقات ومستويات، مؤسسات وتنظيمات.

 

ويقصد بواقع وحدة الأمة والأمر الجامع لها: الحالة التي عليها ممارسة الإسلام والتدين في الأمة، والروابط الجامعة المنبثقة عنه من: عقيدة وعبادة وأخلاق وشريعة، وما درجة ذلك قوةً وضعفاً، اتساعاً وضيقاً، صواباً وخطأً.

ويقصد بواقع قصد الأمة والرسالة التي تضطلع بها: الحالة التي عليها تأهل الأمة للشهادة على الناس، ومدى أدائها لها في مختلف المجالات بالحال والمقال، ما درجة الأهليةº وسطيةً وخيرية؟ وما درجة الشهود الحضاري والشهادةº إمامةً وتبليغاً؟ (4).

ويرى الدكتور البوشيخي أن للواقع زمناً يتحرك فيه، ومجالاً يحيط به ويؤثر فيه، أو يتأثر به.

فأما الـزمـن: فهـو المعيـش فـي بعـديـه المؤثرين: الماضـي القـريب، والمستـقبل القـريب، وهـو ما قـد يسمى بـ «العصــر». ولا يستطاع تحديده علمياً بيـوم أو شهــر أو عامº لتحركه المستمر بتحرك العائش فيه، ويمكن تحديده دراسياً من أجل ضبط المعطيات والنتائج.

وأما المجال: فهو المحيط الخارجي الذي يتبادل التأثر والتأثير مع الواقع الـداخلي، حسـب سـنن التجـاور تـآلفاً أو تخالفاً. وإنما يُحدَّدُ بالأثر، ويصـنف حسـب القوة والضـعف والقبـول والرفض. وأكبر حاضر في المجال ومؤثر في واقع الأمة إلى حد «الصنع» أحياناً، أو ما يشبه «الصنع» هو ما اصطلح عليه بـ «الغرب»(5).

والخلاصة أن «الواقع المقصود: هو الحالة التي عليها الأمة بكل مكوناتها في هذا الظرف المعيش، داخل المجال الدولي المحيط، وهي تتحرك فاعلة منفعلة متفاعلة»(1).

- وأما الفقه في لسان العرب فهو: «العلم بالشيء والفهم له» لسان العرب/ فقه.

وعند الراغب: هو «التوصل إلى علم غائب بعلم شاهدº فهو أخص من العلم» المفردات/فقه.

وهو عند الجرجاني: «عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه» التعريفات/فقه.

وقد أحسن الحكيم الترمذي حين قال: «الفقه بالشيء: هو معرفة باطنه، والوصول إلى أعماقه»(2). «وبعد دراسة الفقه في عشرين موضعاً من القرآن، تبين للشيخ محمد رشيد رضا أنَّ المراد به: نوع خاص من دقة الفهم والتعمق في العلم الذي يترتب عليه الانتفاع به»(3).

وهذا كله يفضي إلى أن الفقه: فهم دقيق نافذ إلى البواطن والأعماق والأغراض.

فإذا أضيف إلى الواقع أمكن تعريفه هكذا:

- فقه الواقع هو: الفهم الدقيق النــافــذ إلى أعمـــاق ما يجري في الظرف المعيش، والمجال المحيط.

 

وبتحليل التعريف إلى عناصره نجد:

ـ الفهم بشروطه، وهو أداة الفقه.

ـ والوضع بمكوناته، وهو موضوع الفقه.

ـ والظرف المعيش بجريانه، وهو الإطار الزماني.

ـ والمجال المحيط بتفاعلاته، وهو الإطار الإنساني.

 

ولا سبيل إلى فقه واقع الأمة بغير إحكام أمر الأداة: أدمغة وأجهزة ومؤسسات، ومنهج في التوثيق والتدقيق والتحقيق، ويقوم على الاستيعاب والتحليل والتعليل قبل أي تركيب، مُقدِماً عند الدراسة الوصفَ على التاريخ، والجزئي على الكلي... إلى آخر ما يجب إحكامه من أمر الأداةº لتأمين ذلك المستوى من الفهم.

 

كما لا سبيل إلى فقه واقع الأمة بغير التمكن من مكونات الوضع المــوضـوع، والتـتبــع الأفقــي والعمـودي لما يجري في الظرف المعيش، ويتفاعل في المجال المحيط.

 

لا جرم أن هذا العبء ضخم، وأن التخطيط له بُلهٌ، وإنجازه يحتاج الى صفوة من أولي العزم، ولكن إذا وجدت الشروط وزالت العوائق فإن المشروع بإذن الله – تعالى - يكون.

 

- الآثار السلبية لغياب فقه الواقع في العمل الدعوي المعاصر:

يشكِّل الواقع بكل مظاهره وتجلياته مناطَ التغيير وموضوع الإصلاح في العمل الإسلامي المعاصر، بل إن تغيير الواقع وإصلاح ما به من فساد واختلال، وإخضاعه لتصورات الإسلام وقيمه وأحكامه، يشكِّل عاملاً مهماً من عوامل قيام حركة البعث الإسلامي المعاصر، وغاية من أكبر غاياتها.

 

غيـر أن المـتأمـل لأشكال الخطاب، وأنواع الفعل الدعوي المعـاصر بأبعـاده المختلفة: تنظيمياً، وتربوياً، واجتماعياً، وثقافياً، وسياسياً، لا يجد كبير عناء في الوصول إلى استنتاجٍ, مؤسفٍ, مفادُه: ضعف حضور فقه الواقع في الأوراق والتصورات، وفي البرامج والخطط، وفي الأنشطة والأعمال. هذا الضعف يؤثــر لا محالة على مردودية العمل، يَسِمُهُ بسمة الارتجال والعفوية، ويقلل من ثماره ونتائجه في الواقع. هذا على سبيل الإجمال، وأما على سبيل التفصيل فمن الآثار السلبية لغياب فقه الواقع في العمل الدعوي المعاصر نذكر:

1 - الاشتغال بالقضايا الهامشية على حساب القضايا المركزية:

إن من أهم ما يميز العمل الإسلامي المعاصر خاصية الشمولº ذلك أنه يشتغل على كل الجبهات، ويسعى إلى إقامة الدين في كل مجالات وميادين الحياة العامة: في التربية، والثقافة، والإعلام، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع وغيرها. غير أن هذه المجالات وما يبذل فيها من جهود لا تكون على نفس الدرجة من الأولوية والأهمية دائماً، وإنما يكون بعضها ـ أحياناً ـ أولى وأهم من بعض، حسب ما تمليه وتقتضيه ظروف الزمان والمكان والإنسان. ومن ثم فلا بد للعمل الإسلامي المنظم من سلّم أولويات يحدد مجالات العمل، ومرتبة كل مجال، ويضع برنامجاً لما يَلزم من الأنشطة والأعمال فـي كــل مـجال، ومـرتبة كـل عمـل أو نشاط، حسب ظروف ومعطيات الفئة البشرية المستهدفة، واللحظة التاريخية، والبيئة الجغرافية. وكل ذلك يتأسس في المقام الأول وبالدرجة الأولى على مدى القدرة على فقه الواقع، ورصد معطياته بكل دقة وموضوعية. ولعل الناظر في الواقع الراهن للعمل الدعوي يلحظ اختلالاً واضحاً في سلّم الأولويات، وارتجالاً بيّناً في توزيع الجهود والمبادرات، والأمثلة في ذلك أظهر وأكثر من أن تحُصر وتذكر. وأصل الداء في كل ذلك كله هو: غياب فقه الواقع الذي عليه ينبني فقه التنزيل.

 

2- التيه وعدم تحديد الوجهة، وعدم امتلاك الرؤية المبصرة، واستراتيجية العمل:

لكل عمل من الأعمال رؤية واستراتيجية تناسبان طبيعة ذلك العمل، وتأخذان بعين الاعتبار خصوصياته، وظروفه في الزمان والمكان والإنسان. ويقصد بالرؤية في مجال العمل الإسلامي: التصور العام الذي يحدد منطلقات العمل، وأهدافه، ووسائله، ومجالاته، وضوابطه العامة. في حين يقصد بالاستراتيجية: الخطة العامة التي تحدد منهج وكيفية تنزيل الرؤية، وتصريفها في الواقع، وذلك من خلال برنامج أولويات يرتب مجالاتِ العمل حسب الأهمية، ويتكون من مراحل، وأهداف، ووسائل دقيقة ومحددة وقابلة للقياس. فإذا كانت الرؤية تكتسي طابعاً تصورياً نظرياً عاماًº فإن الاستراتيجية تتميز بطابعها المنهجي الإجرائي والعملي، باعتبارها أجـرأة وتنزيلاً للرؤية. وإذا كانت نجاحة وفعالية الرؤية العامة تقاس بمدى قدرتها على معالجة مشاكل الواقع، والاستجابة لمطالبه وتحدياتهº فإن نجاح الاستراتيجية ومردوديتها، إنما تقاس بمدى قدرتها على تكييف الرؤية مع معطيات الواقع التفصيلي وحسن تنزيلها عليه، أي أن فقه الواقع يظل مصدراً أساس ومرجعاً مهماً في تكوين كل من الرؤية والاستراتيجية. إلا أنه بالرجوع إلى العمل الدعوي المعاصر فإن الخَصَاص الواضح، والفقر الكبير في الأوراق والأدبيات المتعلقة بفقه الواقع، أفرغ الرؤى والاستراتيجيات من محتواها، وحَدّ من فعاليتها وأثرها في توجيه الواقع والتأثير على أحداثه ومجرياته.

 

3 - تحول العمل الدعوي المنظم إلى عمل نخبوي:

النخبوية من أبرز سمات العمل الدعوي المعاصر، ومعنى النخبوية: «انحصار العمل الدعوي في فئة أو فئات معيـنـة مــن النــاس ذات خصائـص، وانتمـاءات عرقيـة، أو جغرافية، أو ثقافية، أو اجتماعـية، أو مهـنية، واحـدة أو متقاربة دون باقي فئات المجتمعº مما يضيق من آفاق العمل، ويحد من انفتاحه على أوسع مجال بشري، حين يطبعه بلون عرقي، أو جغرافي، أو اجتماعي، أو ثقـافي، أو مهـني واحــد». وظــاهرة الفئويـة أو النخبوية في العمل الدعوي ترجع في الغالب إلى افتقار العاملين فيه إلى القدرات والكفايات التواصلية التي توصلهم إلى الآخر، وضعف درايتهم بالمداخل والمفاتيح التي توصلهم إلى مختلف فئات وتشكيلات المجتمع، وإنما يرجع ذلك في نهاية المطاف إلى ضعف استيعاب الواقع الاجتماعي من حيث مكونات المجتمع وفئاته، والعوامل الموجِهة له والمؤثرة فيه، وأنماط التطلعات والاتجاهات الحاكمة لسلوك الجماهير، والـمُحدِّدَة لأشكال العلاقات بينهم، وهذا بدوره يرجع إلى أحــد سبــبين أو إليهما معاً، وهما:

أولاً: ضعف الانخراط الميداني والمشاركة الفعلية في الواقع الاجتماعي، بما يؤدي إلى مراكمة الخبرات الميدانية والمعارف الصحيحة حوله، باعتبارها المدخل إلى تكوين تصور كلي شامل للواقع الذي اصطلحنا على تسميته بـ«فقه الواقع».

 

ثانياً: الافتقار إلى الأدوات المنهجية، والآليات النظرية التحليلية الكفيلة بحسن قراءة الواقع، وتدبر مجرياته، وتحليل بُنياته، وسبر أغواره.

 

- قواعد أساسية في فقه الواقع:

ينقسم فقه الواقع إلى قسمين: فقه كلي يتعلق بالأصول والكليات، وفقه جزئي يتعلق بالفروع والجزئيات. وإذا كان غرض القسم الأول هو: التقعيد لفقه الواقع وضبطه من خلال الاجتهاد في إنتاج القواعد والطرائق المكونة لمنهج الفقهº فإن غرض القسم الثاني هو: جرد النتائج التي أفضى إليها إعمال المنهج في الواقع وتطبيقه عليه. ولسنا معنيين ـ في هذا المقال ـ بهذا القسم الأخير، ولا حتى بالقسم الأول بشكل مفصل. ما يعنينا الآن هو الوقوف على ثلاث قواعد يعتبر الوقوف عليها بداية البداية، ورأس الطريق في تكوين الملكة المنهجية المتعلقة بفقه الواقع.

 

1 - قاعدة اعتبار الواقع مجالاً للتفاعل بين الوحي والعقل:

لقد جاء الوحي بتصور شامل ومتكامل للحياة البشرية بكل أبعادها ومناحيها، وهو يسعى بذلك إلى التأسيس لواقع اجتماعي إنساني ينسجم مع نظرته إلى الوجود والحياة والإنسان، ولكن الوحي لا ينظر إلى الواقع نظرة نمطية واحدة، بل يميز فيه بين: ظواهر وجوانب إيجابية تنسجم مع تصوراته وتتماشى مع مقاصده، يمكن التعايش معها والبناء عليها، كما يتجلى من خلال الحديث: «إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»(1)، وأخرى سلبية لا بد من إصلاحها أو تغييرها. وبما أن الإنسان في التصور الإسلامي هو خليفة في أرض الله، والعقل هو مناط التكليف بذلكº فإن الإنسان العالم هو المكلف شرعاً بتنزيل تصور الوحي للحياة البشرية في الواقع، وتصريفه فيه، والانتقال به من حيّز القوة إلى حيّز الفعل، ولن يتأتى ذلك إلا بتوفر ثلاثة شروط:

- أولاً: فقه العقل للوحي فقهاً عميقاً أفقياً وعمودياً.

- ثانياً: تمثٌّل العقل للواقع تمثلاً صحيحاً شاملاً ومستوعباً.

- ثالثاً: نجاح العقل في حسن تنزيل الوحي على الواقع، وحسن تصريفه فيه.

و بذلك يتبين أن الواقع هو مجال خصب وواسع للتفاعل بين الوحي والعقل.

 

2 - قاعدة اعتبار فهم الواقع مقدمة لإنتاج فقه الواقع والعمل والإنجاز فيه.

فقه الواقع ـ كما سبقت الإشارة ـ مركب اصطلاحي يعبر عن مستوى من إدراك الواقع يتميز بقدرٍ, كبيرٍ, من الدقة والإحاطة والوضوح، بعيداً عن العموميات والانطباعات والآراء المسبقة. ولإنتاج فقه راشد وناضج للواقعº لابد من المرور من مرحلتين:

- الأولى: مرحلة الفهم: وتتجلى في رصد ظواهر الواقع المختلفة، وتجميع معطياته، واستقراء جزئيات أحداثه، وتفاصيله اليومية في الزمان والمكان، وفي مختلف الميادين: في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والأخلاق، والثقافة، والإعلام، وغيرها.

 

- الثانية: مرحلة الفقه: وتُعنى بفرز المعطيات، وتصنيف الظواهر والوقائع، حسب معايير ومقاييس دقيقة ومحددة، كما تُعنى بالبحث عن الخيط الناظم للأحداث، والأسباب الكامنة وراءها، والسنن والقوانين الحاكمة لنشأتها، وتطورهـا، واختفائها، وُصُولاً في نهاية المطاف إلى صياغة الجزئيات في الكليات، والخروج بقواعد نظرية، وقوالب تصورية تمثل التصور النظري العام للواقع.

 

ولبلوغ مستوى الفقه لا بد من إتقان الفهمº وعلى قدر درجة الفهم من الإحاطة والدقة والوضوح تكون درجة الفقه.

على أن فقه الواقع في العمل الدعوي المعاصر ليس مقصوداً لذاته، وإنما المقصود منه هو: الفعل والإنجاز في الواقع وفقاً للقاعدة المقاصدية الشرعية التي عبّر عنها الإمام الشاطبي في كتـابـه «الموافقـات» بقـوله: «كـل علـم لا ينبني عليه عمل فهو باطل شرعاً».

 

إذا كان الأمر كذلكº فإن فقه الواقع في مجال الدعوة إلى الله يجب أن يكون مدخلاً نحو إنجاز فعلٍ, دعويٍ,ّ راشدٍ, متنوعٍ, وكافٍ, لرفع الدعوة والدعاة إلى مستوى الخيرية والإمامة في كل مجال. على أن مستوى الفعل والإنجاز الدعوي في الواقع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستوى الفقه الذي يرتبط بدوره بمستوى الفهم، اتساعاً وضيقاً، دقة وضعفاً، وضوحاً وغموضاً.

 

3 ـ قاعــدة اعتبار «التجربة التاريخيـــة»، و «السياق التاريخي» مدخلاً أساسياً لفقه الواقع، والوقوف على عناصر التأثير فيه (أهمية الوعي التاريخي):

 

يتميز الواقع بحـيثياته وأحداثه وظواهره بأنه ليس وليد لحظته التاريخية الآنية، وإنما هو عبارة عن: تراكم تاريخي ممتد ومستمر للوقائع والأحداث، خلال فترة زمنية تمتد بين الماضي والحاضرº ولذلك فإن فهم حقيقة الواقع، والوقوف على بنياته من الوقائع والأحداث بشكل علمي صحيح يستلزم الرجوع إلى الماضي للبحث في امتدادات الواقع فيه، ودراسة نشأة الوقائع وتطورها، والعوامل الكامنة وراءها. ومعنى ذلك أنه لا بد لفهم واقع مجتمع مّا من استحضار «تجربته التاريخية» في الزمان والمكان، ولا بد لفهم حدث أو ظاهرة ما من الوقوف على «السياق التاريخي» لذلك الحدث، أو لتلك الظاهرة. وبكلمة: إن الدعاة إلى الله، وأنصار المشروع الإسلامي في كل مجال مطالبون ـ اليوم وأكثر من أي وقت مضى ـ بتحصيل قدر من «الوعي التاريخي» يُمَكِّنُهم من فقه صحيح للواقع، وإنجاز راشد فيه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

- القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.

- الحديث النبوي الشريف.

- إعلام الموقعين، ابن القيم.

- في فقه التدين فهماً وتنزيلاً، الدكتور عبد المجيد النجار.

- فقه واقع الأمة: دراسة في المفهوم والشروط والعوائق، الدكتور الشاهد البوشيخي.

- الموافقات في أصول الشريعة، الإمام الشاطبي.

- تفسير المنار، الشيخ محمد رشيد رضا.

- المفردات، الراغب الأصفهاني.

- لسان العرب، ابن منظور.

- التعريفات، الجرجاني.

- مقاييس اللغة، ابن فارس.

- سلسلة أين الخلل؟ مجلة الأمة القطرية.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply