رمضان شهر القرآن


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

خص الله جل ذكره شهر رمضان بفضائل عديدة وخصائل كثيرة تجعل منه محطة هامة، ومعلماً بارزاً في سنة المسلم، مما يجعله ينتظر قدومه، بل يسأل الله أن يبلغه ذلك، بكل شغف ويستعد له قبل مقدمه بمدة كما كان يفعل أسلافنا - رحمهم الله - رحمة واسعة. وما ذلك إلا لاغتنام النفحات الربانية والتخفيضات الموسمية التي ترافق حلول هذا الضيف العزيز.

 

ففي هذا الشهر تُصفَّد الشياطين، وتفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وفيه ليلة خير من ألف شهر، وغيرها من الأمور التي وردت في ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث وهدي. ولاشك أن أعظم تلك النعم وأجلها على الإطلاق هي اختيار الله لليلة المباركة من بين لياليه لإنزال القرآن الكريم. القرآن كتاب الهداية والنور والخير الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من عمل بمقتضى أوامره ونواهيه حقق الفوز والنجاة في هذه الدار ويوم يقوم الناس لرب الأرباب، ومن ولاه ظهرياً خسر الدنيا والآخرة ونكص على عقبيه وعاش حياة ضنكاً وسار في هذه الدنيا من غير نور ولا هدى ولا كتاب منير. فوكل إلى شهواته وأهوائه وما يوحيه إليه شياطين الإنس والجن فيعيش منكوس الفطرة لا ينكر منكراً ولا يعرف معروفاً إلا ما أشرب من هواه.

 

يقول - سبحانه وتعالى- في معرض حديثه عن الصيام في سورة البقرة: [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان]، ويقول جل ثناؤه في سورة القدر: [إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر]، ويقول في مطلع سورة الدخان: [إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم].

 

ونحن نستقبل هذا الشهر الكريم علينا أن نستشعر هذه المنة العظيمة، والنعمة الجليلة التي خص الله بـها هذا الشهر من بين سائر الشهور، ألا وهي نعمة إنزال القرآن الكريم، ويكون استشعار تلك النعمة بتأدية ما أوجبه الله علينا حيال هذا القرآن وهو فهمه وتدبره وتلاوته والعمل بمقتضى أحكامه: [قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون]، وقال - تعالى -: [إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور، ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور]، ويقول عز من قائل: [اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون][الأعراف: 2].

 

إن استعراض هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان والعودة إلى الأحاديث الصحيحة التي حفظت عنه نجد أنه كان يخص رمضان بأعمال ويكثر من بعضها أكثر من غيره من الشهور، يقول ابن قيم الجوزية - رحمه الله - في زاد المعاد[1]:

 

\"… [وكان من هديه في هذا الشهر] الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل - عليه السلام - يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان، وتلاوة القرآن والصلاة والذكر، والاعتكاف، وكان يخص رمضان بما لا يخص غيره به من الشهور…\" ا.هـ.

 

وهكذا يتضح من هديه - عليه السلام - في رمضان أنه كان يكثر فيه من تلاوة القرآن. وهنا بيت القصيد، كما يقولون، وهو أننا إذا أردنا أن نـقتدي بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأن نستشعر نعمة إنزال القرآن في هذا الشهر علينا أن نكثر من التلاوة فيه. والتلاوة على ضربين [2]º تلاوة حكمية وهي تصديق أخباره وتنفيذ أحكامه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والنوع الثاني: تلاوة لفظية، وهي قراءته. وكلا الأمرين مطالب المسلم بإتيانه وخاصة الأمر الأول، ولكن الشارع رغبه في الأمر الثاني وحضه على ذلك، ولاشك أنه من دون التلاوة اللفظية المتكررة بتدبر وإمعان فإنه يصعب تحقيق النوع الأول والله أعلم.

 

وفي ما يلي نذكر بعض النصوص التي جاءت مرغبة المسلم بتلاوة القرآن وأن الله أعد له الأجر والثواب العظيم عند قيامه بذلك [3]:

 

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\"، رواه البخاري في صحيحه، عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.

 

وقال أيضاً: \"أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله - عز وجل - خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل\"، رواه مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.

 

وقال: \"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار\"، رواه البخاري ومسلم في صحيحهما، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -.

 

وقال - صلى الله عليه وسلم -: \"من قرأ من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها: لا أقوال]ألم[حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف\"، رواه الترمذي والدارمي وغيرهما، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.

 

وقال - صلى الله عليه وسلم -: \"اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه\"، رواه مسلم في صحيحه عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه -.

 

وقال أيضاً: \"يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين يعملون به، تقدمه[4] سورة البقرة وآل عمران، تحاجان عن صاحبهما\"، رواه مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان رضي الله عنه.

 

وقال - صلى الله عليه وسلم -: \"تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده، له أشد تفلتاً[5] من الإبل في عقلها\"، رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -.

 

وقال - صلى الله عليه وسلم -: \"إن الله يرفع بـهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين\"، رواه مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.

 

وقال أيضاً: \"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طمعها طيب، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطمعها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر، ولا ريح لها\" رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -.

 

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \"يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق[6] ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منـزلتك عند آخر آية تقرؤها\"، رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، وهو حديث صحيح.

 

فلنجتهد في كثرة قراءة القرآن المبارك لا سيما في هذا الشهر الذي أنزل فيه فإن لكثرة القراءة فيه مزية خاصة. كان جبريل يعارض النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن في رمضان كل سنة مرة فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيداً وتثبيتاً، وكان السلف الصالح - رضي الله عنهم - يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، كان الزهري - رحمه الله - إذا دخل رمضان يقول: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. وكان مالك - رحمه الله - إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم وأقبل على قراءة القرآن من المصحف. وكان قتادة - رحمه الله - يختم القرآن في كل سبع ليال دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأخير منه في كل ليلة. وكان إبراهيم النخعي - رحمه الله - يختم القرآن في رمضان في كل ثلاث ليال، وفي العشر الأواخر في كل ليلتين. وكان الأسود - رحمه الله - يقرأ القرآن كله في ليلتين في جميع الشهر[7].

 

وإذا كان ذلك حال النبي - صلى الله عليه وسلم - مع قراءة القرآن وكذلك السلف، فإن حالهم مع التأثر بكتاب الله أشد، لأنـهم أدركوا أن القراءة لوحدها، دون تحقيق الأمر المرجو منها قد تكون وزراً على صاحبها، كما أن قلوبـهم النقية ونفوسهم الزكية كانت تتعامل بكل رقة وإخبات مع كتاب الله - عز وجل -.

 

فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: \"اقرأ علي القرآن، قلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية]فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً\"، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان\"[8]. وهكذا كان حال الصحابة ومن سار على نـهجهم، والأخبار في ذلك لا يتسع لها المقام، فمن أراد التعرف على ذلك فعليه العودة إلى مظانه، وحسبنا في ذلك كمعيار لمدى تفاعلنا مع القرآن قول المولى - جل وعلا -: [لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله].

 

يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -[9]: \"وهذا النوع [التلاوة الحكمية] هو الغاية الكبرى من إنزال القرآن كما قال - تعالى -: [كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب]، ولهذا درج السلف الصالح - رضي الله عنهم - على ذلك يتعلمون القرآن، ويصدقون به، ويطبقون أحكامه تطبيقاً إيجابياً عن عقيدة راسخة، قال أبو عبد الرحمن السٌّلميٌّ - رحمه الله -: حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن، عثمان ابن عفان وعبد الله مسعود، وغيرهما، أنـهم كانوا إذا تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً، وهذا النوع من التلاوة هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة، قال الله - تعالى -: ]فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى]\".

 

ومن الأمور المعينة على تحقيق الغاية من تلاوة القرآن ما يلي:

 

إخلاص النية لله - عز وجل - في ذلك.

 

القراءة بقلب حاضر، متدبر ومتفهم لما يتلو.

 

عدم التلاوة في الأماكن المستقذرة أو في مكان لا ينصت فيه لقراءة القرآن.

 

الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم مع الطهارة.

 

تحسين الصوت بالقرآن وترتيله ترتيلاً جيداً، بحيث يراعي أحكام التلاوة ويسجد إذا مر بالسجدة وغير ذلك مما هو مبين في كتب التجويد.

 

إن أقل ما نفعله في هذا الشهر الكريم هو أن نعود أنفسنا على الإكثار من تلاوة القرآن، والالتصاق به، وذلك حتى يتسنى لنا عرض حالنا وأعمالنا على هذا النبع الصافي والصراط المستقيم والمحجة البيضاء، وحتى لا يشملنا قول الباري - جل وعلا -: [وقال الرسول: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً]، وحتى يكون فوق ذلك هذا القرآن شافعاً لنا لا شاهداً علينا.

 

اللهم اجعلنا من أهل القرآن، ووفقنا إلى إنزاله المكانة التي تقربنا به إليك، اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...

 

----------------------------------------

[1] المجلد الثالث، ص [30-32].

[2] مجالس شهر رمضان، الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، ص21.

[3] مقتبس من مقدمة الشيخ عبد القادر الأرناووط لتفسير بن كثير، طبعة دار الفيحاء ودار السلام.

[4] أي تتقدمه.

[5] عند البخاري: أشد تقصياً، والمعنى واحد.

[6] أي في درجة الجنة بقدر ما حفظته من آي القرآن وعملت به.

[7] مجالس شهر رمضان، ص 24.

[8] متفق عليه.

[9] مجالس شهر رمضان، ص54-55.  

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply