الإسراء والمعراج


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الخطبة الأولى:  

أما بعد: أيها المسلمون، من أحداث السيرة البارزة الإسراء والمعراج، لم يكن سَفَرًا من أسفار النبي التي كان يقوم بها في الأرض، لكنه سفر بدأ بالأرض واكتمل في السماء. لقد جاء هذا السَّفر المعجز عقب سفر من أسفار الدعوة التي كان نبي الله يقوم بها لتبليغ رسالته إلى العالم، وهو سَفره إلى الطائف.

تظلِّل المسلمين في نهاية هذا الشهر ذكرى هذا السَّفر القدسيّ المعجز، فيذكرون به هذه الآية التي أيّد الله بها نبيهم، ويستفيدون من تفاصيلها.

لقد حدّث النبي الناس بهذه الرحلة عقب عودته منها، و- حفظها الله - تعالى -في كتب السنة الصحيحة، لتقف عليها الأجيال إلى قيام الساعة، وإن عبرتها مستمرة، فالمسجد الحرام لا زال موجودًا، وهو قبلة المسلمين، والمسجد الأقصى لا زال موجودًا كذلك، لأنه حقيقة جغرافية تاريخية لا سبيل إلى طمسها، وربٌّ الكعبة والأقصى إله حي لا يموت، والسماوات التي عرج إليها النبي لا تزال موجودة، وفيها ما ذكره، فماذا ذهب من معجزة الإسراء والمعراج؟! إنه لم يذهب منها شيء، [سُبحَانَ الَّذِي أَسرَى بِعَبدِهِ لَيلاً مّنَ المَسجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسجِدِ الأقصَى الَّذِي بَارَكنَا حَولَهُ لِنُرِيَهُ مِن ءايَـتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] [الإسراء: 1]، فما هذه الآيات التي أطلعه الله عليها وأراه إياها وحجبها عنا فنحن نراها بعينه؟!

روى الإمام مسلم بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله: ((أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته))، لا يصلح لهذه الرحلة شيء من مراكب الدنيا مهما بلغت سرعتها، فالأمر خارج مألوفنا في الأسفار وقطع المسافات، والذي جاء بالبراق هو جبريل - عليه السلام -، قال: ((حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يَربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت))، صلى بالأنبياء في المسجد الأقصى وخرج، قال: ((فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة)).

هذا الجزء من الرحلة يسمى الإسراء، فقد أسري به ـ وهو السفر ليلاً ـ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وبعد ذلك سيبدأ المعراج.

والمعراج من العروج أي: الصعود، قال - تعالى -: [يَعلَمُ مَا يَلجُ فِى الأرضِ وَمَا يَخرُجُ مِنهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعرُجُ فِيهَا] [سبأ: 2]، وهذا نبي الله محمد يعرج إلى السماء بعلم الله وإذنه، فما كان للعبد أن يصعد السماوات إلا بإذن ودعوة، وهذا ما جاء صريحًا في بقية الخبر قال: ((ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل ـ أي: طلب فتح الباب ـ فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ففتح لنا،  قال: ـ فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير)). فآدم في السماء الأولى، وهو نبيّ لقيه في معراجه.

ثم عرج به إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل له ما قيل في السماء الأولى، فلما دخل لقي عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا - عليهم السلام -، فرحبا به ودعوا له بخير، وفي السماء الثالثة لقي يوسف - عليه السلام- ، وفي الرابعة لقي إدريس - عليه السلام -، وفي الخامسة لقي هارون - عليه السلام -، وفي السادسة لقي موسى - عليه السلام -، وفي السابعة لقي إبراهيم - عليه السلام -، كلهم يرحبون به ويدعون له بخير، ويشيعونه كما يشيع الزائر عند توديعه، وكان بلغ السماء السابعة.

وفي السماء السابعة رأى النبي البيت المعمور في السماء، وإبراهيم الذي بنى البيت الحرام في الأرض الكعبة مُسند ظهره إلى البيت المعمور في السماء، البيت الذي في الأرض يطوف به الإنس والجن، والذي في السماء يدخله كل يوم ألف ملك لا يعودون إليه، أي: لكثرة الملائكة، ومنذ خلق الله السماء والملائكة يدخلون هذا البيت، ومن دخل لا يعود.

وبعد أن لقي هؤلاء الرسل الكرام ذهب به إلى سِدرة المنتهى، وإذا وَرَقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقِلال، وأُذن الفيل كبيرة، والقلال جمع قُلّة وهي إناء من فخار يحمل فيه الماء، فهي شجرة عظيمة، أوراقها واسعة، وثمارها ضخمة، قال: ((فلما غشيها من أمر الله ما غَشِيَ تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حُسنها، فأوحى الله إليّ ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في اليوم والليلة)).

وقد ذكر الله - تعالى -في كتابه المعراج كما ذكر الإسراء، ففي سورة النجم قال - سبحانه -: [وَالنَّجمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَـاحِبُكُم وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إِن هُوَ إِلاَّ وَحىٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى ذُو مِرَّةٍ, فَاستَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوسَينِ أَو أَدنَى فَأَوحَى إِلَى عَبدِهِ مَا أَوحَى مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَـارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَد رَءاهُ نَزلَةً أُخرَى عِندَ سِدرَةِ المُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ لمَأوَى إِذ يَغشَى السّدرَةَ مَا يَغشَى مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَد رَأَى مِن ءايَـاتِ رَبّهِ لكُبرَى] [النجم: 1-18].

 

 

الخطبة الثانية :

أيها المسلمون، ماذا نذكر من دروس الإسراء والمعراج؟! وماذا نذر؟! إن دروس هذه الرحلة كثيرة وكبيرة، ونكتفي بذكر بعضها فنقول:

1- ليست هذه الأرض التي نعيش عليها كل ما في الكون، فالله - تعالى -خلق الأرض وخلق السماوات، وأرضنا مثل حبة رمل في شاطئ لا تُعرف له حدود، والشمس بكواكبها التسعة عنقود صغير في مَجَرة تضم ملايين الشموس، وأضعافها من الكواكب والأقمار، والمجرة جزء من نظام كوني يعج بملايين المجرات، كل واحدة في مجراها، وكل نجم منها في مداره، كُلُّ فِى فَلَكٍ, يَسبَحُونَ [الأنبياء: 33]، وهذه النجوم والمجرات هي الجزء المُكتشَف من السماء الدنيا التي تلينا، يقول الله - تعالى -: [وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدٌّنيَا بِمَصَـابِيحَ] [فصلت: 12]، والسماء الدنيا إلى السماوات السبع مثل خاتم يلقى في الصحراء، ف- سبحانه - الذي أسرى بعبده إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماوات السبع في جزء من الليلة.

2- ويمكن لأي إنسان أن يسلك في حياته الطريق الذي يعرج به إلى السماء ويوصله يوم القيامة إلى المقام الذي وصل إليه نبي الله - تعالى -، فالله - سبحانه - قال عندما ذكر سدرة المنتهى: عِندَهَا جَنَّةُ المَأوَى [النجم: 15]، فكل عبد من عباد الله - تعالى -يستطيع إذا شاء أن يصلي لربه، ويجعلَ حياته كلها محرابًا للعبادة كمحراب الصلاة، فإذا هو من هذا التشريف من أهل الجنة.

وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب الذي فيه وصف رحلة روح المؤمن عند الموت أن الملائكة يتسلّمون هذه الروح من ملك الموت، فيصعدون بها حتى ينتهوا إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مُقَربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله - عز وجل -: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، [وَمَا أَدرَاكَ مَا عِلّيٌّونَ كِتَـابٌ مَّرقُومٌ يَشهَدُهُ المُقَرَّبُونَ] [المطففين: 19-21]، فإذا كتب كتابه في عليين أعيد إلى الأرض ليحاسب حساب القبر، وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فإذا أجاب عن الأسئلة فقال: ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد ينادي منادٍ, من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوا له من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، إلى آخر ما ورد في الحديث. أما العبد الكافر أو الفاجر فلا تفتح له أبواب السماء ولا يدخل الجنة.

إنّ النبيّ عرج به إلى السماوات بروحه وجسده ليحدث الناس عما رأى، فمن آمن به وصدق أكرمه الله - تعالى -يوم يلقاه بالدخول في عباده والدخول في جنته، ومن كذّب به وبقي في نفسه شيء حرمه الله - تعالى -، فكان في هذه أعمى وفى الآخرة أعمى وأضل سبيلاً.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply