جنود الخفاء


 

بسم الله الرحمن الرحيم

  

الخطبة الأولى:

أمّا بعد: فاتَّقوا الله ـ عباد الله ـ حقَّ التقوىº فعند الله للأتقياءِ المزيد، ولهم النجاةُ يومَ الوعيد.

أيّها المسلمون، فاضَل الله بينَ عِباده بالرِّزق والعطاءِ ابتلاءً لهم وامتِحانًا، قال - جل وعلا -: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُم خَلائِفَ الأَرضِ وَرَفَعَ بَعضَكُم فَوقَ بَعضٍ, دَرَجَاتٍ, لِيَبلُوَكُم فِي مَا آتَاكُم [الأنعام: 165]. أغنى من شاءَ منهم بفضله، وأفقَر آخرين بحِكمته، قال - عز وجل -: وَجَعَلنَا بَعضَكُم لِبَعضٍ, فِتنَةً أَتَصبِرُونَ [الفرقان: 20].

وفي المجتمَع فئةٌ هم أكثرُ أهلِ الجنة، أعلَى الله منزلتَهم وإن احتقَرهم بعضُ الخلق، أدناهم الله مِنه وإن جفَاهم النّاس، يقول - عليه الصلاة والسلام -: ((اطَّلعتُ في الجنّة فرأيتُ أكثرَ أهلها الفقراءَ، واطّلعتُ في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) متفق عليه.

هم أقرَب النّاس إلى الأنبياءِ وأكثرُ أتباعِ الرّسل، قال جل شأنه حكايةً عن قوم نوحٍ, - عليه السلام -: قَالُوا أَنُؤمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرذَلُونَ [الشعراء: 111]، وقال هرقل لأبي سفيان: سألتُك عن أتباعِ محمّد، فذكرتَ أنّ ضعفاءهم اتَّبعوه، قال: وهم أتباعُ الرسل. رواه البخاريّ.

أمر الله نبيَّه أن يكون إقبالُه عليهم، وأنزلَ الله العتاب في الإعراضِ عنهم: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأَعمَى وَمَا يُدرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَو يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكرَى [عبس: 1-4].

من لم يدنُ منهم أو يَأمر بالإحسانِ إليهم كان موبَّخًا في كتابِ الله: كَلاَّ بَل لا تُكرِمُونَ اليَتِيمَ وَلا تَحَاضٌّونَ عَلَى طَعَامِ المِسكِينِ [الفجر: 17، 18].

صرَف الله عنهم فِتنةَ هذه الأمّة، قال: ((لكلِّ أمّة فتنةٌ، وفتنة أمّتي المال)) رواه الترمذي.

يغضَب الله على من بخَسهم حقًّا من حقوقِهم، أصحابُ الجنة الذين ذكرَهم الله في سورة القلَم منعوا الفقيرَ تكثٌّرًا لأموالهم، فأحرَق الله زروعَهم، فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِن رَبِّكَ وَهُم نَائِمُونَ فَأَصبَحَت كَالصَّرِيمِ [القلم: 19، 20].

دعَواتهم حريَّةٌ بالإجابة لخلوِّ قلوبهم من التعلٌّق بزُخرف الحياةِ، قال ابن القيم - رحمه الله -: \"والله عند المنكسِرة قلوبُهم\".

خيرُ الأطعمة ما شهِدوها، قال: ((شرٌّ الطعامِ طعامُ الوليمةº يُدعَى لها الأغنياء ويُترَك الفقراء)) متفق عليه، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يأكُل حتّى يؤتى بمسكين يأكل معه. متفق عليه.

إطعامُهم موجِبٌ للجنان، يقول - عليه الصلاة والسلام -: ((أفشوا السّلام وأطعِموا الطعامَ وصلّوا والناس نِيام تدخُلوا الجنّةَ بسلام)) رواه الترمذي.

الساعي عليهم كالمجاهدِ والعابد، قال: ((الساعِي على الأرملة والمسكينِ كالمجاهد في سبيلِ الله أو كالذي يصوم النّهارَ ويقوم اللّيل)) متفق عليه، وكان نبيّنا محمد أقربَ الناس إليهم، يتلمَّس أحوالهم، ويقضِي حاجاتِهم، يقول سهل بنُ حنيف - رضي الله عنه -: كان رسول الله يأتي ضعفاءَ المسلمين ويزورهم ويعودُ مرضاهم ويشهَد جنائزهم. رواه أبو يعلى، وكان جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - يكنَى بأبي المساكينº يحِبٌّهم ويسكُن بجانبهم ويكثِر من الصدقة عليهم.

في مجالستِهم نماءُ المال وصفاءُ النفس وزهدٌ في الدنيا وتذكير بالنِّعم وشَحذٌ للهمم إلى الآخرة، في القُرب منهم تتفتَّح أبواب الرّزق، يقول - عليه الصلاة والسلام -: ((قال الله - عز وجل -: أَنفِق أُنفِق عليك)) رواه البخاري، وبهم تدفَع الآفاتُ والشرور، قال - عليه الصلاة والسلام -: ((هل تنصَرون وترزَقون إلا بضعفائكم؟!)) رواه البخاري، قال المناوي - رحمه الله -: \"بسبَبِ كونِهم بين أظهرِكم، أو بِسبب رِعايَتِكم ذِمامَهم، أو ببَركة دعائهم\".

وكان الخلفاء يطلُبون النصرَ بإكرامهم والبذلِ لهم، يقول الخليفة نور الدين - رحمه الله - وهو يقرِّب الفقراءَ إليه ويحنو إليهم: \"هم قومٌ يقاتلون عنِّي وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطِئ\" أي: بالدعاء.

فأكرِم نفسَك بإكرامهم وقضاءِ حوائجهم، ولا تحتقر فقيرًا لقلَّة ذاتِ يدهº ففي الفقراء عظماءُ وجهابِذة وحفّاظ ونُبَلاء. الإمام البخاريّ - رحمه الله - جمع كتابَه الصحيحَ الذي هو غرّةٌ في جبينِ الزّمان لم يكن عندَه ما يشترِي به طعامًا، بل كان يأكل من نباتِ الأرض، والإمام أحمدُ - رحمه الله - ـ الذي قال عنه الذهبيّ: \"هو الإمام حقًّا وشيخ الإسلام صِدقًا\" ـ يرهن نعلَيه عند خبّاز على طعامٍ, أخذه منه.

وأشرَف قرنٍ, في الزّمان قرنُ صحابةِ رسول الله، مسَّ الجوع بطونَهم، يقول المغيرة - رضي الله عنه -: كنّا في بلاءٍ, شديد نمُصّ الجلدَ والنوى من الجوع. رواه البخاري. وراوِيَة الإسلام حاوِي العلم أبو هريرة - رضي الله عنه - كان أحدَ أعلام الفقراء يقول: لقد رأيتُني وإني لأخِرّ فيما بين مِنبر رسولِ الله إلى حجرةِ عائشة مغشِيًّا عليَّ، فيجيء الجائِي فيضَع رجلَه على عنقِي ويظنّ أني مجنونٌ، وما بي جنون، ما بي إلاّ الجوع. رواه البخاري.

ونبيٌّنا محمّد كان يبيت اللياليَ المتتابعَة طاوِيًا هو وأهله لا يجِدون عشاء. متفق عليه. وخرج مِن داره مِرارًا من شدّةِ الجوع، ورَبط على بطنِه حجَرًا وحجَرين تخفيفًا لألمه، يقول أبو طلحة - رضي الله عنه -: سمعتُ رسولَ الله ضعيفًا من الجوعِ - عليه الصلاة والسلام -، ولم يخلِّف دِرهمًا ولا دينارًا ولا شاةً ولا بعيرًا. وخرج أبو بكر وعمَر - رضي الله عنهما - من دارِهما من ألَم الجوع، يقول أبو هريرة - رضي الله عنه -: خرَج رسول الله ذاتَ ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: ((ما أخرجكما من بيوتِكما هذه الساعةَ؟!)) قالا: الجوع يا رسولَ الله، قال: ((وأنا والذي نفسِي بيده لأخرجَني الذي أخرَجَكما)) رواه البخاري.

فلا تتعالَ على فقيرٍ,º ففِيهم مجابُ الدعوة المقرَّب من الله، قال النبيّ: ((رُبَّ أشعثَ مدفوع بالأبواب لو أقسَم على الله لأبرّه)) رواه مسلم.

والفقراء يحملون زادَ الأغنياء للآخِرة، ولولا المساكينُ ما انتفَع الغنيٌّ بغناه، وللفَقير فضلٌ على الغنيّ في قَبول صدقته، فإن قبِلها الله منكَ رفعَك الله بها درجاتٍ,، وطريقُ الغِنى والسّعةِ في الأغلَب طريقُ عَطب، والزمان ذو تقلٌّبٍ,، تصبِح غنيًّا وقد تمسِي فقيرًا، فاحفَظ مالَك بالإنفاقِ، ولا تردَّ فقيرًا بلا عطاء، فما اشتكى فقيرٌ إلاّ مِن تقصيرِ غنيّ، يقول ابن العربي - رحمه الله -: \"يستحَبّ في الجملةِ أن لا يرجعَ الفقيرُ خائبًاº لئلاّ يتعيَّن له حقُّ فيتوجَّه على المسئول عِتاب أو عِقاب\".

فشاطِرِ الفقراءَ أفراحهم وآلامَهم بالبشاشةِ والابتِسام، واجعَل الفقيرَ أحدَ أفراد أسرتِك، وأحبَّه وادنُ منه مع حسنِ الملاطفة واللّين، وتأسَّ بذوِي الكرَم والتواضعِ والسّخاء، يقول عثمان - رضي الله عنه -: (حُبِّب إليَّ من الدّنيا ثلاثة: إِشباع جائِعٍ, وكسوَة العارِي وتلاوة القرآن).

واخفِض له جناحَ الذلِّ بالعطاء، فالإنفاق عليه من أسبابِ الثّبات على الدّين، سئِل النبيّ: أيٌّ الإسلام خير؟ قال: ((تطعِم الطعامَ وتقرأ السلام على مَن عرفت ومَن لم تعرف)) رواه البخاري.

واليسيرُ منَ البذلِ يستُر منَ النار، يقول - عليه الصلاة والسلام -: ((يا عائشة، استتِري من النار ولو بشقِّ تمرةº فإنها تسدّ من الجائع مسدَّها من الشبعان)) رواه أحمد. والصدقة تدفع البلاءَ، وتقي مصارعَ السوء، وتطفئ الخطيئة، وتهوِّن شدائدَ الدنيا والآخرة، ويستظلّ صاحبها فيها في المحشر حتى يقضَى بين الخلائق، وتحفَظ المال وتنمّيه، وتجلب الرزقَ، وتحبِّب العبدَ إلى الله، وتدعوه إلى سائر أعمال البرّ فلا تستعصي عليه.

والمنفِق تتيسَّر له أمور الحياة، قال - عز وجل -: فَأَمَّا مَن أَعطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاستَغنَى وَكَذَّبَ بِالحُسنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسرَى [الليل: 5-10]، وفي صبيحة كلِّ يوم يدعو ملك للمنفِق مالَه، يقول النبي: ((ما من يومٍ, يصبح العبادُ فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللّهمّ أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللّهمّ أعطِ ممسِكًا تلفًا)) متّفق عليه.

والغنيٌّ الجشِع لا لنفسِه انتفَع، ولا ببَذله للفقراء ارتفَع. والمال يعرِض له الشرٌّ بعارضِ البخل أو الإسرافِ في إنفاقه، وَمَن يَبخَل فَإِنَّمَا يَبخَلُ عَن نَفسِهِ [محمد: 38]. والمال كالحجَر في اليدº لا ينتفَع به إلاّ إن فارقَ الكف، والممسِك يندم إذا دنَا أجلُه، قال - جل وعلا -: وَأَنفِقُوا مِن مَا رَزَقنَاكُم مِن قَبلِ أَن يَأتِيَ أَحَدَكُم المَوتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَولا أَخَّرتَنِي إِلَى أَجَلٍ, قَرِيبٍ, فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِن الصَّالِحِينَ [المنافقون: 10].

والمالُ صاحِبٌ لا يُؤمَن أن ينقلِب عدوًّا فيحرمَ صاحبَه الثواب، وإنما يحمَد المالُ إذا قرُب من الخير والفقيرِ، قال - عليه الصلاة والسلام -: ((نعم صاحب المسلِمِ هو لمن أعطَى منه المسكينَ واليتيم وابنَ السبيل)) متفق عليه.

والمرءُ يبتلَى على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابةٌ زيدَ فيه، ولا ينجو العبد من الابتلاء إلا بالصّبر والتعلّقِ بالله. وعلى الفقير ملازمةُ التّقوىº فبها تتيسَّر على المعسِر أبواب الرّزق، قال - عز وجل -: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ [الطلاق: 2، 3]. وبمداومةِ الاستغفار يغدق المال، قال - سبحانه -: فَقُلتُ استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُم مِدرَارًا وَيُمدِدكُم بِأَموَالٍ, وَبَنِينَ وَيَجعَل لَكُم جَنَّاتٍ, وَيَجعَل لَكُم أَنهَارًا [نوح: 10-12]. والتجِئ إلى الله بالدّعاء، وسَله فتحَ أبواب رحمته وخيره، فهو الكريم الوهّاب يعطي من يشاء بغيرِ حساب، وأحسِن الظنَّ بربك، وانتظر فتحَ أبواب الرّزق لك، ولا تعجل في تفريج الكربِ، ولازم الصبرَ فقد يكون الربّ مدَّخِرًا لك خيرًا في أخرَاك، قال - عليه الصلاة والسلام -: ((يدخُل الفقراءُ الجنّة قبل الأغنياء بخمسمائة عام)) رواه الترمذي.

ولا تركَن إلى الأسباب وحدَها في طلب الرّزق، بل اجعل معها سؤالَ ربّك، فالمكتوب من الرزق قد يصل إلى الضعيفِ العاجز ويَضيق على الجلد القويّ، وكلّ شيء عنده بمقدَار.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَستَطِيعُونَ ضَربًا فِي الأَرضِ يَحسَبُهُم الجَاهِلُ أَغنِيَاءَ مِن التَّعَفٌّفِ تَعرِفُهُم بِسِيمَاهُم لا يَسأَلُونَ النَّاسَ إِلحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِن خَيرٍ, فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة: 273].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله عَلى إحسانِه، والشّكر له على توفيقهِ وامتنانه، وأشهد أن لاَ إلهَ إلا الله وحدَه لا شَريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهَد أن نبيّنا محمّدًا عبده ورَسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابِه.

أمّا بعد: أيّها المسلِمون، الإخلاصُ واقتِفاء أثرِ النبيِّ في التعبٌّد شَرطَان في قَبول العمل، وكان النبيّ يكثِر الصيامَ في شهر شعبان، تقول عائشة - رضي الله عنها -: ما رأيتُ رسول الله استَكملَ صيامَ شهرٍ, إلا رمَضان، وما رأيته أكثرَ صيامًا منه في شعبانَ. رواه البخاري.

ولم يَكن النبيّ يخصٌّ النّصفَ من شَعبان بالصّيام، ولا ليلتَها بالإحياء.

ومَن كان عليه صيامٌ مِن أيّام رمضانَ المنصرِم فليبادِر إلى صيامه قبل إدراكِ شهر رمضان.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيّه فقال في محكَم التنزيلِ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلٌّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلٌّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا [الأحزاب: 56].

اللّهمّ صلّ وسلّم على نبيّنا محمّد...

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply