شكر النعم وكفرها


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

((الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ وَلَهُ الحَمدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ)) (سورة سبأ: 1).

وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ لهُ، ((لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ, قَدِيرٌ)) (سورة التغابن: 1).

وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولهُ، البشيرُ النذير، والسراجُ المنير- صلى الله عليه وعلى آلهِ وأصحابهِ، ومن تبعهم بإحسانٍ, إلى يومِ الدين، وسلم- تسليمًا كثيراً. أمَّا بعد:

فيا أيَّها المسلمون:

اتقوا اللهَ - تعالى -، واشكروهُ على أن سخرَ لكم ما في السمواتِ وما في الأرضِ، وأسبغَ عليكم نعمهُ ظاهرةً وباطنة.

معشر المسلمين:

إنَّ شُكرَ اللهِ - تعالى -على نِعَمهِ دليلٌ على صدقِ العبوديةِ لهُ - سبحانه -، قال - تعالى -: ((يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم وَاشكُرُوا لِلّهِ إِن كُنتُم إِيَّاهُ تَعبُدُونَ)) (سورة البقرة: 172).

وقال - عز وجل - في سورة النحل: ((وَاشكُرُوا نِعمَتَ اللّهِ إِن كُنتُم إِيَّاهُ تَعبُدُونَ)) (سورة النحل: 114).

إنَّ نِعَمَ الله علينا- أيَّها المسلمون- تترى، ومن ثَمَّ فلا تُحصى ولا تُستقصى، قال - تعالى -: ((وَإِن تَعُدٌّوا نِعمَتَ اللّهِ لاَ تُحصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)) (سورة إبراهيم: 34).

 

أيٌّها المسلم:

لو أحسنَ إليكَ أحدُ الناسº فأخرجكَ من ضائقة، أو قضى لكَ حاجةً،

أو أعانكَ عل أمرٍ,، أو حتى عامَلَكَ بلطف، فماذا سيكُونُ موقفُكَ منه؟ لا شكَّ أنَّكَ ستصبحُ مقدرًا لهُ، وقد تقولُ مبالغةً في الشكرِ: إنَّي لا أعرفُ كيفَ أشكرُهُ وأردُ جَميلَهُ وتستمرُ في حياءٍ, منه، وتعظيمٍ, لهُ، هذا مع عبدٍ, من العباد، وفي أمرٍ, قد يحصلُ على قِلَةٍ, وقد لا يَتكرر، فكيفَ يكونُ موقفُكَ أيٌّها المسلمُ مع العزيزِ الوهاب، الغنيٌّ الحميدُ التواب، الذي يقول: ({وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلتُمُوهُ)).

ويقولُ: ((وَأَسبَغَ عَلَيكُم نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)) (سورة لقمان: 20).

ألا تستحي من ربكَ أيٌّها المسلمُ وتشكرُهُ وتقدرُهُ وتطيعُ أمرَه، ((الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ)) (سورة الإنفطار: 7).

والذي رَزَقَكَ وحفظكَ، وسترَ عليكَ، وأَمَرَكَ بدعائهِ، ووعدَكَ الإجابة.

قال محمدُ بن كعبٍ, القرطب- يرحمه الله -: [الشكرُ تقوى اللهِ والعملُ بطاعته]. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: [الصلاةُ شكرٌ، والصيامُ شكر، وكلُ عملٍ, تعملُهُ لله - عز وجل - شكر، وأفضلُ الشكرُ الحمد] ((فَلِلَّهِ الحَمدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرضِ رَبِّ العَالَمِينَ)) (سورة الجاثية: 36).

والشكر - أيٌّها المسلمون - يكونُ بالقلب اعترافًا قال - تعالى -: ((وَمَا بِكُم مِّن نِّعمَةٍ, فَمِنَ اللّهِ)) (سورة النحل: 53).

ويكونُ باللسانِ ثناءً على اللهِ وذكراً لهُ، وقولاً حيناً، ويكونُ بالجوارحِ عملاً صالحاً قال - تعالى -: ((اعمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكرًا وَقَلِيلٌ مِّن عِبَادِيَ الشَّكُورُ)) (سورة سبأ: 13).

 

أيٌّها المسلمون:

إنَّ شكرَ اللهِ - عز وجل - مفتاحُ السعادةِ، وسببٌ الزيادةِ، وقيدٌ للنعمِ، ودفعٌ للنقمِ، قال - تعالى -: ((وَإِذ تَأَذَّنَ رَبٌّكُم لَئِن شَكَرتُم لأَزِيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)) (سورة إبراهيم: 7).

وفائدةُ الشكرِ إنَّما تعودُ للشاكرِ نفسهُ، أمَّا إن كفرَ فإنَّهُ لا يضرُ إلاَّ نفسه، أمَّا اللهُ فإنَّهُ غنيُّ عن العالمين، قال - تعالى -: ((وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشكُرُ لِنَفسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيُّ كَرِيمٌ)) (سورة النمل: 40).

فاتقوا اللهَ عبادَ الله، وكُونُوا ممن لا تزِيدُهُ النعمُ إلاَّ طاعةً للهِ واستقامةً على أمرهِ، ولا تُكُونوا ممن أبطرتُه النعمة، واستعانَ بها على المعصيةِ، واتبعَ هواهُ فكانَ من الغاوين.

إذا كُنتَ في نعمةٍ, فارعها *** فإنَّ المعاصي تُزيلُ النعم

ودَاوم عليها بشـكرِ الإلـه *** فإنَّ الإلهَ سـريعُ الـنقم

قال - تعالى -: ((كَدَأبِ آلِ فِرعَونَ وَالَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَفَرُوا بِآيَاتِ اللّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِم إِنَّ اللّهَ قَوِيُّ شَدِيدُ العِقَابِ* ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَم يَكُ مُغَيِّرًا نِّعمَةً أَنعَمَهَا عَلَى قَومٍ, حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) (سورة الأنفال: 53، 52).

 

أيٌّها المُسلمون:

احذرُوا الاغترارَ بالنِّعمِ المُسبغةِ عليكم، فلقد أهلكَ اللهُ كثيراً من الأُممِ التي أسبغَ عليها النعم، بسببِ ذنُوبِهم، قال - تعالى -: ((أَلَم يَرَوا كَم أَهلَكنَا مِن قَبلِهِم مِّن قَرنٍ, مَّكَّنَّاهُم فِي الأَرضِ مَا لَم نُمَكِّن لَّكُم وَأَرسَلنَا السَّمَاء عَلَيهِم مِّدرَارًا وَجَعَلنَا الأَنهَارَ تَجرِي مِن تَحتِهِم فَأَهلَكنَاهُم بِذُنُوبِهِم وَأَنشَأنَا مِن بَعدِهِم قَرنًا آخَرِينَ)) (سورة الأنعام: 6).

وقال - سبحانه -: ((وَكَم أَهلَكنَا قَبلَهُم مِّن قَرنٍ, هُم أَحسَنُ أَثَاثًا وَرِئيًا)) (سورة مريم 74).

 

أيٌّها المُسلمون:

من الكُفرِ بالنعمِ السهرُ والسمرُ بالليلِ لغيرِ حاجةٍ,، إذ جَعلَ اللهُ الليلَ للسكنِ والنهارَ لطلبِ المعاشِ، فمن لم يُقَدر فضلَ اللهِ عليهِ لم يكُن شاكراً، قال - تعالى -: ((اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِتَسكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضلٍ, عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَشكُرُونَ)) (سورة غافر: 61).

ومن الكُفرِ بالنعمِ الإسرافُ في المآكلِ والملابسِ، في المُناسباتِ وغيرها، ومن الكُفرِ بالنعمِ تضييعُ الصلاةِ ومنعُ الزكاة.

فاتقِ اللهَ أيٌّها المُسلمُ والمسلمة، واحذر مغبةَ الكُفرِ بنعمِ اللهِ، لئَلاَّ تكونَ من الخاسرين، ((بَلِ اللَّهَ فَاعبُد وَكُن مِّن الشَّاكِرِينَ)) (سورة الزمر: 66).

نسألُ اللهَ - تعالى -أن يُعينَنَا على ذكرهِ وشُكرهِ وحسنَ عبادته.

أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيم لي ولكم، ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ, فاستغفروهُ إنَّهُ هُو الغفورُ الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

((الحَمدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَجَعَلَ الظٌّلُمَاتِ وَالنٌّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعدِلُونَ)) (سورة الأنعام: 1).

وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له، ((لَهُ الحَمدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكمُ وَإِلَيهِ تُرجَعُونَ)) (سورة القصص: 70).

وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ- صلى الله عليه وعلى آلهِ وأصحابهِ ومن تبعهُم بإحسانٍ, إلى يومِ الدين وسلم- تسليماً كثيراً.

أمَّا بعد:

فيا أيٌّها المُسلِمُون:

اتقوا الله - تعالى -، واعرِفُوا قدرَ نعمِ اللهِ عليكم ولا تُعرضُوها للزوالِ، قال - تعالى -: ((وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَريَةً كَانَت آمِنَةً مٌّطمَئِنَّةً يَأتِيهَا رِزقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ, فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوفِ بِمَا كَانُوا يَصنَعُونَ)) (سورة النحل: 112).

لقد أنعمَ اللهُ أيٌّها المُسلمون على أهلِ هذهِ القريةِ بنعمتينِ، نعمةَ الأمنِ ونعمةَ الرخاءِ، ولعِظمِ هاتينِ النِعمتينِ امتنَّ اللهُ بهما على قريشٍ, ودعاهم إلى القيامِ بحقِّهما من الشكرِ بعبادةِ اللهِ الواحدِ الأحد، قال - تعالى -: ((لِإِيلَافِ قُرَيشٍ,* إِيلَافِهِم رِحلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيفِ * فَليَعبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيتِ * الَّذِي أَطعَمَهُم مِّن جُوعٍ, وَآمَنَهُم مِّن خَوفٍ,)) (سورة قريش).

قولهُ عن القريةِ: ((كَانَت آمِنَةً)).

أيّ ذاتَ أمنٍ, يأمنُ فيها أَهلَها أن يُغارَ عليهم، وقوله: ((مٌّطمَئِنَّةً)).

أيّ ساكنةً بأهلِها لا يُزعِجُهم خوفٌ ولا قلق، ولا يحتاجُونَ إلى الانتقالِ عنها لضيقٍ, أو نحوهِ، وقوله: ((يَأتِيهَا رِزقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ,)).

أيّ يأتي أهلُها معيشتَهم واسعةً طيبةً من كلِّ فجٍ,، من فجاجِ القريةِ، وكلِّ بلدٍ, من بلادِ اللهِ، فلا يُعانُونَ نقصاً في الغذاءِ ولا قلة، ولا يخشونَ انقطاعاً لسُبلِ الرزقِ وهذا ما يُسمى بالأمنِ الغذائِي، وهُو لا يقلٌّ أهميَّةً عن الأمنِ النفسي، بل قد يكونُ أهمٌّ منهُ عندَ من يقولُ بالمثلِ القائل: (قطعُ الأعناقِ ولا قطعُ الأرزاق)، ذلكَ أنَّ قطعَ الأرزاقِ قد يُسببُ اختلالُ الأمنِ، فتحصلُ البطالاتُ، وتكثرُ السرقاتُ والاعتداءاتُ، فأهلُ هذهِ القريةِ كانوا في نعمةٍ, عظيمةٍ, لكنَّهم لم يُقدِرُوهَا حقَّ قدرِها، ولم يشكُروا اللهَ عليها، بل كانَ موقِفُهم حِيالَها كما قال - تعالى -: ((فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللّهِ)) وعبَّرَ بالجمعِ في قولهِ بأنعمِ الله، لأنَّ حالةَ الأمنِ والرخاءِ التي كانوا فيها تتضمنُ نعماً كثيرةً لا يُحصِيها العدٌّ، ولقد أخبرَ اللهُ - جل وعلا - بما آلَ إليهِ أمرُهُم بعد الكُفرِ بأنعمِ الله، إذ أبلدَهُم بالأمنِ خوفاً، وبالرخاءِ جُوعا، ((فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوفِ بِمَا كَانُوا يَصنَعُونَ)).

نسألُ اللهُ - تعالى -أن يُوفِقَنا لحسنِ القولِ والعملِ، وأن يُعيذنا من شُرُورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply