الحسبة والفهم المغلوط


بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الثانية 

سادساً: مشروعية محاكمة الفكر الضال:

إن النقطة التي يدندن حولـها الكاتب وأشباهه هي حرية الفكر وأنه لا يُمنع أحد من إبداء رأيه وإن خالفه الآخرون، ولاشك أن هذا قول باطلº فإن حرية الفكر مقيدة بأن لا تخرج عن إطار الدين الذي شرعه الله لنا.

 

والكاتب الذي نحن بصدد الرد عليه يزعم أنه يتكلم بالنصوص وأقوال الأئمة، فيحاول تأصيل تلك الدعاوى الزائفة فيقول مثلاً: \"وفي الموطأ ما يؤكد رفض الحسبة عند الإمامين أبي حنيفة ومالك، ونقرأ في الموطأ صفحة 325 تحت عنوان: الخصومة في الدين والرجل يشهد على الرجل بالكفر أنه لا ينبغي الخصومة على رجل من أهل الإسلام بالكفر مهما عظم جرمهº أي ينفي محاكمة أي مسلم بسبب عقيدته وآرائه\"، ويقول عن الشافعي: \"ومع ذلك فإن الشافعي ينسف الأساس التشريعي للحسبة حين يقول: ليس لأحد أن يحكم على أحد بخلاف ما أظهر من نفسه، وأن الله - عز وجل - إنما جعل للعباد الحكم على ما ظهر لأن أحداً منهم لا يعلم ما غاب\".

 

ويقول: \"وكل إنسان يرى نفسه على الحق في اعتقاده، ولذلك فإن الله - عز وجل - جعل يوم الدين هو يوم الفصل بين العباد في أمور العقائد والاختلافات الدينية، قال - تعالى -:]قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون[[الزمر: 46]\".

 

وأقول: إن هذا الكاتب ذو قدرة عجيبة على تزييف الحقائق والاستشهاد بالنصوص في غير موضعها. فإن الظاهر من كلامه أنه يعترف بشيء اسمه الردة، لكنه لا يرى عقوبة عليها، والأخطر من ذلك أنه لا يعتبر الردة إلا من رجل أعلن ردته وخروجه من الإسلام.

 

والحق أن مفهوم الردة أوسع من ذلكº فمن قال: إني مسلم، ومع ذلك كذب بشيء من كتاب الله - عز وجل - فهو كافر وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، وكذلك من استهزأ بالله - تعالى - أو كتابه أو رسوله فهو كافر وإن زعم الإسلامº وذلك أن الله يقول في شأن النفر الذين استهزؤوا بالرسول - صلى الله عليه وسلم -: [ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم] [التوبة: 65 - 66].

 

فانظر كيف حكم القرآن بردتـهم مع أنـهم لم يقولوا إنـهم يريدون الخروج من الإسلام إلى الكفر بل جاؤوا يعتذرون.

 

وكلام الأئمة الذين يقول الكاتب إنه يستند إليهم لا يخرج عن هذا الذي قلناه.

 

انظر مثلاً إلى قول مالك - رحمه الله - في الموطأ كتاب القدر باب القول في القدر حيث حدّث عن عمه أبي سهيل بن مالك أنه قال: \"كنت أسير مع عمر بن عبد العزيز فقال: ما رأيك في هؤلاء القدرية؟ فقلت: رأيي أن تستتيبهم فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف. فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك رأيي. قال مالك: وذلك رأيي\"[1].

 

والقدرية نفاة القدر الذين يقولون إن الله لا يقدر الشر ولا يريده، فهم يثبتون أن شيئاً يقع في ملك الله دون أن يريده الله، ومع ذلك فهؤلاء القدرية لم يقولوا إنـهم كفار أو إنـهم يريدون الخروج من الإسلام، بل على العكس هم ينافحون عن عقيدتـهم الضالة هذه بآيات من القرآن يفهمونـها على غير وجهها، ويزعمون أنـهم أهل الحق، ومع ذلك قال فيهم مالك ومن قبله عمر بن عبد العزيز ما ترى.

 

ومثل هذا ما سبق نقله عن الإمام مالك من أن الزنادقة الذين يظهرون الإسلام ويسرون الكفر يقتلون بلا توبة، وقوله - رحمه الله -: \"ولا يقبل منهم قول\"، أي لا يقبل منهم ادعاؤهم التوبة لأنـهم كما قال - رحمه الله -: \"لا تعرف توبتهم\".

 

أما ما شنشن به الكاتب من أن في الموطأ باباً بعنوان الخصومة في الدين.. الخ، فلا حجة له فيهº فإن مالكاً - رحمه الله - ذكر في هذا الباب حديث ابن عمر مرفوعاً: \"أيما امرئ قال لأخيه كافر فقد باء بـها أحدهما\"[2]، ثم قال: \"قال محمد - أي ابن الحسن الشيباني -: لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يشهد على رجل من أهل الإسلام بذنب أذنبه بكفر وإن عظم جرمه، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا\"[3].

 

فالكلام كله لا علاقة له بالمحاكمة على العقيدة والآراء الفاسدة، إنما ينصب الكلام على قضية التكفير بالذنوب والكبائر التي كان يقول بـها الخوارج، فكان أهل السنة يذكرون مثل هذا الحديث رداً عليهم.

 

ولاشك في ثبوت الوعيد الشديد لمن كفّر مسلماً بغير حق، لكن حين يكون التكفير بحق كأن يُكذِّب شخص بشي من كتاب الله - عز وجل - أن ينكر معلوماً من الدين بالضرورة فإنه لا لوم حينئذٍ, على من كفّره، وهذا هو الواجب الشرعي، فإن من ارتكب مثل هذا الذي قلناه فإنه يكفر وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، وهذا واضح مما نقلناه من قول مالك في القدرية.

 

وأما أبو حنيفة فقد قال أبو يوسف: \"ناقشت أبا حنيفة زمناً حتى استقر رأيي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر\"[4].

 

وقال الشافعي في الأم: \".. وسواء كان مولوداً على الإسلام ثم ارتد بعد عن الإسلام أو كان مشركاً فأسلم ثم ارتد بعد عن الإسلام، وسواء ارتد إلى يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو جحد وتعطيل ودين لا يظهره.. ومتى أقام على الكفر في أي هذه الأحوال كان، وإلى أي هذه الأديان صار، استتيب فإن أظهر التوبة حُكم له حكم الإسلام، وإن امتنع منها وأقام على الكفر قُتل مكانه ساعة يأبى إظهار الإسلام\"[5].

 

فالواضح من كلام الشافعي أن الردة قد تكون بجحد شيء من شرع الله - عز وجل - أو تعطيل شيء منه، وفاعل ذلك لم يقل إنه ترك الإسلام إلى غيره من الأديان، وقد وضع الشافعي هذا الجاحد المعطل بين من يخرج إلى دين من الأديان الباطلة المعروفة، وبين من يخرج إلى دين لا يظهره وهو المنافق، وكلهم في حكم الردة سواء وكلهم يُقتلون إذا لم يتوبوا.

 

فالشافعي إذاً لم ينسف الأساس التشريعي للحسبة كما زعم الكاتب، وحاشاه - رحمه الله - أن ينسف شيئاً قد استقر بكتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الأمة، وكل ما يعنيه الشافعي بعبارته التي نقلها الكاتب أننا لا نفتش عن القلوبº فمن كان أصله الإسلام ولم يظهر منه كفر لا يجوز أن نحكم عليه بخلاف الإسلام، أما من ظهر منه كفر فإنه يؤخذ به، وظهور الكفر- كما أسلفنا - يكون بقول أو فعل ليس له معنى إلا الردة.

 

وثانياً: فإن الكاتب يخلط بين فصل القضاء الذي يكون يوم القيامة، وبين بيان الحق من الباطل في هذه الحياة الدنيا، ويرى أنه يجب أن يترك كل إنسان وما يعتقد حتى يفصل الله بين العباد يوم القيامة، وهذا باطل فإن الفصل الذي يكون يوم القيامة هو أن يقضي الله بين العباد فيجازي كلاً بما يستحقه من جنة أو نار، أما الفصل بمعنى بيان الحق من الباطل فقد جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بل ما أرسل الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلا لبيان الحق من الباطل، وبيانأن الحق الذي لا يقبل الله سواه هو الإسلام، كما قال - تعالى -: ]وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين[[الأنعام: 55]، وقال: ]ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين[[آل عمران: 85]، إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن القرآن جاء فرقاناً بين الحق والباطل.

 

وواجب الأمة المسلمة أن تدعو الناس إلى الحق وأن تنهاهم عن الباطل بكل الوسائل الشرعية الممكنة من يد أو لسان أو قلب.

 

سابعاً: قضية التفريق بين المرتد وزوجه:

هذه القضية فرع على قضية الردة التي تحدثنا عنها آنفاًº فمتى ثبتت الردة فإن التفريق أثر من آثارهاº لأنه لا يحل لامرأة مسلمة أن تبقى تحت رجل كافر، والأصل أن المرتد يقام عليه حد الردة وهو القتل، لكن إن لم يُقدر عليه لفراره أو لأي سبب من الأسباب فإن آثار الردة الأخرى يجب إعمالـها، وذلك مثل منع التوارث بينه وبين المسلمين والتفريق بينه وبين زوجته المسلمة.

 

والدليل على وجوب التفريق بين المرتد وزوجه المسلمة قول الله - تعالى -: [يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانـهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لـهم ولا هم يحلون لـهن، وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر..] [الممتحنة: 10].

 

فهذا نص قاطع في وجوب التفريق بين الزوجين بسبب كفر أحدهما، وقد قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: \"هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين\"[6].

 

وقد أراد صاحب المقالة المشار إليها أن يجعل الحالة التي نزلت فيها هذه الآية حالة خاصة وذلك حيث يقول: \"وهناك حالة استثنائية بالغة الخصوصية تعرض لـها المسلمون وأعداؤهم بعد الـهجرةº فقد هاجر رجال مسلمون للمدينة ورفضت زوجاتـهم الـهجرة تمسكاً بالدين والوطن، وهاجرت نساء مؤمنات للمدينة وتركن أزواجهن تمسكاً منهن بالإسلام، وأصبحت المدينة ومكة في حالة حرب وتم الانفصال الفعلي بين أولئك الرجال والنساء.. وكان لابد من تشريع يتحول به الانفصال الفعلي إلى فراق شرعي حتى تتزوج المسلمات في المدينة والمشركات في مكة ونزل حكم الله بأن يدفع الرجال مهور النساء للأزواج السابقين حتى يتزوجوا من أولئك النساء وأن يسري ذلك على المؤمنين والمشركين ويبدأ زواج جديد ومستقبل جديد لأولئك النسوة في مكة والمدينة ولولا حالة الحرب والقطيعة ما احتاج المسلمون والمشركون لـهذا التشريع\".

 

وهذا من أبطل الباطل وأبعده عن الحقيقةº وذلك أن هذه الآية بالذات إنما نزلت بعد صلح الحديبية أو وقت لم تكن هناك حالة حرب قائمة بين المسلمين والمشركين، وقد كان من شروط صلح الحديبية أنه من أتى المدينة من أهل مكة ولو كان مؤمناً فإن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرده إلى مكة، فجاءه - صلى الله عليه وسلم - نساء مؤمنات، فأنزل الله - عز وجل - في شأنـهن هذه الآية مبيناً أن هؤلاء النسوة المؤمنات لا يُرجعن إلى الكفار، إما لأن الحكم لا يشملهن من حيث الأصل لأنه خاص بالرجال، وإما على سبيل التخصيص فكأن الآية جاءت مخصصة لعموم شرط الإرجاع فجعلته خاصاً بالرجال دون النساء بعد أن كان شاملاً لكليهما.

 

والمقصود أن هذه الآية إنما نزلت في وقت الصلح مع المشركين كما جاء في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في قصة الحديبية: \".. ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله - تعالى -: [يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن]، حتى بلغ: [بعصم الكوافر] فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية.. \"[7].

 

فتبين من ذلك بطلان ما ادعاه الكاتب من أن حالة الحرب هي التي استدعت التفريق المذكور في الآية الكريمة.

 

ثم إن الآية الكريمة قد بينت أن العلة في التفريق هي قضية الكفر والإيمان كما هو واضح من قوله - تعالى -: [فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لـهم ولا هم يحلون لـهن]، فالكلام كله حول الكفر والإيمان ولم تتعرض الآية من قريب أو بعيد لقضية الحرب التي يدعيها الكاتب.

 

والكاتب يزعم أنه لا يصح لأحد أن يفرق بين رجل وامرأته، وأن من فعل ذلك فهو داخل تحت قوله - تعالى - عن السحرة [فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه] [البقرة: 102]، ويقول: \"وهذا ينطبق على من يفعل ذلك تحت أي شعار\"، كما يقول: \".. ليس في القرآن أن يتدخل أحد للتفريق بين الزوجين فهذا عمل شيطاني كما أشارت إليه سورة البقرة\".

 

وهذا كلام تغني حكايته عن تكلف الرد عليه، وإنما ذكرناه لبيان تـهافت هذا الكاتب وأمثاله، وإلا فما علاقة التفريق الشرعي الذي يقوم به القاضي عند توافر دواعيه بما يفعله السحرة من محاولة إفساد الحياة الزوجية بإيقاع البغض بين المرء وزوجه أو التأثير في مسألة الجماع بينهما أو غير ذلك؟!.

 

ثم إن الكاتب يزعم أنه ليس لمسألة التفريق بين الزوجين أصل في كلام الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وإنما انفرد بذلك الحكم الإمام أحمد بن حنبل، ويقول في ذلك: \"ومع التفصيلات المطولة في موسوعة الأم فإن الشافعي لم يتعرض للتفريق بين رجل (يعلن إسلامه ويتهمه الآخرون في دينه) وبين زوجته، وانصب حديثه على المرتد الذي يعلن ارتداده أو يهرب إلى بلاد الكفر تاركاً زوجته\".

 

وأقول: ليس صحيحاً أن الإمام أحمد قد انفرد بـهذا الحكم، بل هو ثابت عن غيره من الأئمة فضلاً عن ثبوته بالكتاب والسنة كما أسلفنا. ونحن نذكر هنا شيئاً من كلام الأئمة يبين صدق ما نقول:

 

فالإمام الشافعي - رحمه الله - يفرق بين الطلاق والفسخ فيبين أن الطلاق هو: \"ما ابتدأه الزوج فأوقعه على امرأته بطلاق صريح أو كلام يشبه الطلاق يريد به الطلاق وكذلك ما جعل لامرأته من أمرها فطلقت نفسها أو إلى غيرها فطلقها فهو كطلاقه لأنه بأمره\"[8]، ثم يعرف الفسخ بأنه: \"كل ما حكم فيه بالفرقة وإن لم ينطق بـها الزوج ولم يردها، وما لو أراد الزوج أن لا توقع عليه الفرقة أوقعت، فهذه فرقة لا تسمى طلاقاًº لأن الطلاق ليس من الزوج وهو لم يقله ولم يرضه بل يريد رده\"[9].

 

فهذا كلام صريح في أن هناك فرقة تقع من غير رضا الزوج، ومنها أن يفرق القاضي بين الزوجين لارتداد أحدهما، ولذلك فقد ذكر الشافعي بعد ذلك أمثلة للفسخ الذي يقع بغير رضا الزوج، قال في نـهايتها: \"فهل من تفرقة غير هذا؟ قلت: نعم ردة أحد الزوجين أو إسلام أحدهما والآخر مقيم على الكفر، وقد حرم الله على الكافرين أن يغشوا المؤمنات وعلى المؤمنين غشيان الكوافر سوى أهل الكتاب، وليس واحد منهما فراقاً من الزوج، هذا فسخ كله\"[10].

 

وهذا واضح في التفريق بين الزوجين بسبب ردة أحدهما، وليس فيه اشتراط هروب المرتد إلى دار الكفرº لأن الإمام - رحمه الله - قد استدل بأن الله حرم على الكافرين غشيان المؤمنات وعلى المؤمنين غشيان الكوافر، ومعنى ذلك أن الكلام منصب على حالة يوجد فيها الزوجان معاً فيتم التفريق بينهما لكون أحدهما مؤمناً والآخر كافراً، بل قد صرح الشافعي بـهذا الذي قلناه وذلك حيث قال بعد أن ذكر انقطاع الزوجية بإسلام أحد الزوجين وبقاء الآخر على كفره: \"ولم أعلم مخالفاً في أن المتخلف عن الإسلام منهما إذا انقضت عدة المرأة قبل أن يسلم انقطعت العصمة بينهما وسواء خرج المتخلف منهما من دار الحرب وأقام المتخلف فيها، أو خرج المتخلف عن الإسلام، أو خرجا معاً، أو أقاما معاً، لا تصنع الدار في التحريم والتحليل شيئاً، إنما يصنعه اختلاف الدين\"[11].

 

وكذلك ليس في كلام الإمام أنه لا يتم التفريق إلا إذا أعلن الزوج الردة أي الخروج من الإسلامº فالشافعي تكلم عن المرتد بعمومه، وعليه فليست تخيفنا تلك العبارة التي جعلها الكاتب بين قوسين وهي قوله (يعلن إسلامه ويتهمه الآخرون في دينه)، إذا ليس المرتد هو فقط من أعلن الخروج من الإسلام بل كل من أتى بناقض من نواقض الإسلام فقد وقع في الردة وإن زعم أنه مسلم كما أثبتناه من قبل.

 

ثم إن تكييف الأمر على أنه قضية رجل يتهمه الآخرون في دينه بينما يعلن هو إسلامه، هذا التكييف فيه مغالطة كبيرةº إذ أن الكلام هنا ليس منصباً على مجرد اتـهام قد يلقيه بعض الناس بلا دليل، بل على حالة تثبت فيها الردة بالأدلة الشرعية فيحكم فيها القاضي يترتب آثار الردة على هذا المرتد.

 

ومثل الشافعي في هذه القضية غيره من العلماء، ففي مدونة الإمام مالك - رحمه الله -: 4/315 أنه إذا ارتد رجل انقطعت العصمة بينه وبين امرأته ساعة ارتد، أي أنه يرى الردة مفرقة بين الزوجين دون الحاجة إلى حكم قضائي بالتفريق، كما أنه - رحمه الله - لا يرى ما رآه الشافعي من أن الفرقة لا تكون إلا بعد انقضاء العدة دون أن يتوب المرتد بل يرى أنـها قد بانت منه بمجرد ردته فقد جاء في المدونة في نفس الصفحة: \"قال مالك: إذا ارتد الزوج كانت تطليقة بائنة لا يكون للزوج عليها رجعة إن أسلم في عدتـها\".

 

ثامناً: تأصيل دعوى الحسبة:

وإذا فرغنا من بيان معنى الحسبة في الإسلام وأنـها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبينا حكم الإسلام في المرتدين، فإننا نريد في السطور التالية أن نسلط الضوء على الأصل الشرعي للقضية التي كانت وراء كل هذا الذي قيل، ونعني بـها قضية دعوى الحسبة.

 

والمقصود بدعوى الحسبة أن يتقدم شخص - حسبة لله - تعالى - إلى القاضي فيشهد بما رآه أو علمه من منكر طالباً تغييره، وهذا نوع من تغيير المنكر باللسان الذي دل عليه حديث أبي سعيد الخدري: \"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه.. \" الخ.

 

بل إن في هذه الجزئية بالذات حديثاً خاصاً، وهو ما رواه زيد بن خالد الجهني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: \"ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألـها\"[12].

 

قال النووي - رحمه الله -: \"وفي المراد بـهذا الحديث تأويلان أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له، والثاني أنه محمول على شهادة الحسبة، وذلك في غير حقوق الآدميين المختصة بـهم، فمما تقبل فيه شهادة الحسبة الطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود، ونحو ذلك، فمنعلم شيئاً من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به، والشهادة واجبة، قال - تعالى -: ]وأقيموا الشهادة لله[، وكذا في النوع الأول يلزم من عنده شهادة لإنسان لا يعلمه أن يعلمه إياها لأنـها أمانة له عنده\"[13].

 

وفي مذهب أبي حنيفة أن الشهادة حسبة بلا دعوى تقبل في حقوق الله تبارك و- تعالى - كأسباب الحرمات من الطلاق وغيره وأسباب الحدود الخالصة حقاً لله - تعالى -[14].

 

ولكن يشترط في ذلك كله أن يكون القاضي الذي يرفع إليه الأمر حاكماً بما أنزل الله، وإلا لم تجز الشهادة عنده، لأن الأصل في الحسبة أنـها جزء من شرع الله فلا يتلاعب بـها برفع الأمر إلى من يحكم بغير شريعة الله، وقد سُئل الإمام أحمد عن الرجل يُرى منه الفسق والدعارة وينهى فلا ينتهي يرفعه إلى السلطان؟ فقال: إن علمت أنه يقيم عليه الحد فارفعه[15].

 

----------------------------------------

[1] - الموطأ: 2/900.

[2] - أخرجه البخاري: 6104، ومسلم: 60، وأبو داود: 4687، والترمذي: 2637، وأحمد: 2/60، ومالك في الموطأ: 2/984.

[3] - الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني، ص: 325، بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، ط دار القلم بيروت بدون تاريخ.

[4] - أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: 1/388، ونقل عن أبي عبد الله الحاكم أن رواته ثقات.

[5] - الأم: 6/148.

[6] - تفسير القرآن العظيم: 4/352.

[7] - أخرجه البخاري: 2731، 2732.

[8] - الأم: 5/105.

[9] - المصدر السابق 5/106.

[10] - المصدر السابق 5/107.

[11] - المصدر السابق 5/39.

[12] - أخرجه مسلم: 1719، وأبو داود: 3569، والترمذي: 2297، وابن ماجه: 2364، ومالك: 2/720.

[13] - شرح صحيح مسلم: 6/258.

[14] - بدائع الصنائع للكاساني: 9/4048.

[15] - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال، ص: 40

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply