الإيمان والحياة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له. أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، شهادة عبده، وابن عبده، وابن أمَتِه، ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته. أشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غُلفا. اللهم اجزه عنا أفضل ما جزيت به نبيا عن أمَّتِه، اللهم وأَعلِ على جميع الدرجات درجته، واحشرنا تحت لوائه وزمرته. اللهم أوردنا حوضه، واجعلنا من أتباع سنته وشرعته، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن اهتدى بسنته واهتدى بسيرته. اللهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم أرنا الحق حقًا، والباطل باطلا. اللهم وفقنا لاتباع الحق، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى في ابتغاء وجهك، وطلب مرضاتك. (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَن آمِنُوا بِرَبِّكُم فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّر عَنّا سيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرَارِ) (يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَولًا سَدِيدًا * يُصلِح لَكُم أَعمَالَكُم وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزًا عَظِيمًا)

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وبعد .. أحبتي في اللهº أشهد الله –الذي لا إله إلا هو- على حبِّكم فيه، وأسأله أن يجمعنا وإياكم على الإيمان والذكر والقرآن في هذه الحياة، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله، ثم أسأله أخرى أن يجمعنا في جنات ونَهَر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، هو ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في اللهº وأنا أعلم بنفسي منكم ظن بي اخوتي ظنًا عظيمًا، فدعوني فلم أملك إلاَّ أن أجيب، ثم دعوكم فظننتم نفس الظن وأجبتم، فخيرًا جُزبتم، وما أراني -والله- بينكم الليلة إلا كبائع التمر على أهل <هَجَر>، لكني أسأل الله -الذي بيده مقاليد كل شيء- أن يجعلني خيرًا مما تظنون، وأن يغفر لي ما لا تعلمون، وألا يؤاخذني بما تقولون، وحسبي أن ألقي عليكم هذه الكلمات، التي أسأل الله أن يجعلها لي ولكم ذخرًا ليوم تتقلب منه القلوب والأبصار، وأن يجعلها من صالحات الأعمال، وخالصات الآثار، والفضل أولا وأخرًا لله الواحد القهار.
يا رب أنت خلقتني وبرأتني *** جمَّلت بالتوحيد نطق لساني
وهديتني سبل السلام تكرمًا **** ودفعتني للحمد والشكران
وغمرتني بالجود سيلا زاخرًا *** وأنا أقابل ذاك بالكفران
فلك المحامد والثناء جميعه *** والشكر من قلبي ومن وجدان
فلأنت أهل الفضل والمنِّ الذي *** لا يستطيع لشكره الثقلان
أنت الكريم وباب جودك لم يزل *** للبخيل تعطي سائر الأحيان
أنت الحليم بنا وحلمك واسع *** أنت الحليم على المسيء الجاني
أنت القوي وأنت قهار الورى *** لا تعجزنَّك قوة السلطان
أنت الذي آويتني وحبوتني *** وهديتني من حيرة الخذلان
ونشرت لي في العالمين محاسن *** وسترت عن أبصارهم عصياني
والله لو علموا قبيح سريرتي **** أبى السلام عليَّ من يلقاني
ولأعرضوا عني وملٌّوا صحبتي *** ولبؤت بعد كرامة بهوان
لكن سترت معايبي ومثالبي *** وحلمت عن سقطي وعن طغياني
لبيك يا رب بكل جوارحي *** لبيك من روحي وملء جناني
اجعل رجائيَ في ثوابك رائدي *** واقبل مقلَّ الجهد في التبيان
يا رب لا تجعل جزائيَ سمعة *** تسري على البلدان والأكوانِ
أنت المضاعف للثواب فإن يكن *** مثقال خردلة على الميزان
تعطي المزيد من الثواب مضاعفًا *** من غير تحديد ولا حسبان
فلك المحامد والمدائح كلها *** بخواطري وجوانحي ولساني

أحبتي في اللهº الإيمان والحياة، لسائل أن يقول: لِمَ كان اختيار هذا الموضوع؟
فأقول: وهل حياةٌ بلا إيمان؟ إنه الحياة وكفى، لذا لا ينبغي أن يكون الإيمان أمرًا هامشيًا في هذه الحياة، بل هو قضية القضايا، لا يجوز أن نغفله أو نستخف به أو ندعه في زوايا النسيان. كيف لا وهو أمر يتعلق بوجود الإنسان ومصيره. إنه لسعادة الأبد، وإن عدمه لشقاوة الأبد. إنه لجنة أبدًا لصاحبه، والنار أبدًا لمن تنكبه، لذا كان لِزَامًا عليَّ وعلى كل مؤمن بالله، بل وعلى كل ذي عقل أن يفكر في حقيقة الإيمان، وأثره على الحياةº حتى يطمئن القلب، وينشرح الصدر، وتسكن النفس، خصوصًا ونحن في عصر أصبح الناس يجرون وراء المنفعة لاهثين، حتى إن كثيرًا منهم ليرون الحق فيما ينفعهم ويتفق مع أهوائهم، لا فيما يطابق الواقع أو تقوم الدلائل والبراهين على صحَّته. (ولَوِ اتَّبَعَ الحَقٌّ أَهوَاءَهُم لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرضُ) الفرد بلا إيمان ريشة في مهَبِّ الريح، لا تستقر على حال، ولا تسكن إلى قرار، أينما الريح تميل تمل، الفرد بلا إيمان إنسان لا قيمة له ولا جذور، إنسان قلق، متبرِّم، حائر، لا يعرف حقيقة نفسه، ولا سر وجوده، لا يدري من ألبسه ثوب الحياة؟ ولماذا ألبسه إياه؟ ولماذا ينزعه عنه بعد حين؟. الفرد –باختصار- بلا إيمان حيوان شَرِه، وسبع فاتك مفترس، بقلب لا يفقه، بأذن لا تسمع، بعين لا تبصر، بهيمةº بل أضل. والمجتمع كذلك، المجتمع بلا إيمان مجتمع غابة ،وإن لمعت فيه بوارق الحضارةº لأن الحياة فيه للأقوى لا للأفضل والأفقه، المجتمع بلا إيمان مجتمع تعاسة وشقاء، وإن زخر بأدوات الرفاهية من الرخاء، المجتمع بلا إيمان مجتمع تافه مهين رخيص، غايات أهله لا تتجاوز شهوات بطونهم وفروجهم (يَتَمَتَّعُونَ وَيَأكُلُونَ كَمَا تَأكُلُ الأنعَامُ وَالنَّارُ مَثوًى لَّهُم)
ومن هنا جاءت الحاجة الماسَّة الملحَّة للحديث عن الإيمان وأثره في الحياة بعمومها، حياة الفرد والمجتمع، حياة الأمة بأسرها. وإني قبل أن أبدأ لأهنئ هذه الوجوه على إيمانها بالله- الذي لا إله إلا هو- فهنيئًا لكم الإيمان، وهنيئًا لكم القرآن، وهنيئًا لكم التوحيد، وهنيئًا لكم الإسلام، هنيئًا لكم يوم يغدو النصارى إياب إلى بيوت الصلبان، ويغدو اليهود إلى بيوت الشيطان، ويغدو المجوس إلي بيوت النار، ويغدو المشركون إلى بيوت الأصنام، ثم تغدون أنتم إلي بيوت الرحمن. (فِي بُيُوتٍ, أَذِنَ اللهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ) فاللهم لك الحمد على نعمة الإيمان، أنت الموفق فلك المنَّة والفضل على نعمة الإيمان. (يَمُنٌّونَ عَلَيكَ أَن أَسلَمُوا قُل لاَّ تَمُنٌّوا عَلَيَّ إِسلاَمَكُم بَلِ اللهُ يَمُنٌّ عَلَيكُم أَن هَداكُم لِلإِيمَانِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ) فيا أهل الإيمانº ما الإيمان؟ الإيمان، تلكم الكلمة المدوية المجلجلة التي تهزٌّ كيان المسلم، فيرنو إليها ببصيرته، ويتحرك نحوها فؤاده، ويشد إليها رحاله، وتسمو إليها تطلعاته. إنه الميدان الذي يتسابق فيه المتسابقون، ويتنافس فيه المتنافسون. إنه من كل مسلم يتحسس قبسه في قلبه، ويتلمس وهجه في نفسه، ويسعى ويعمل لسلوك السبيل المحبب له. الإيمان لينير به جوانب روحه. الإيمان ما الإيمان، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان. الإيمان ما الإيمان، نفحة ربانية يقذفها الله في قلوب من يختارهم من أهل هدايته، ويهيئ لهم سبل العمل لمرضاته، ويجعل قلوبهم تتعلق بمحبته، وتأنَس بقربه. فالمؤمنون في رياض المحبة، وفي جنان الوصل يرتعون ويمرحون، أحبهم الله فأحبوه، فاتبعوا نبيه ورضي عنهم فرضوا عنه، منه بالصالحات والطاعات، فدنا منهم بالمغفرة والرحماتº كما في الحديث القدسي \"ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه \" متي نكون أهلا لأن نسأل الله فنعطى، ونستعيد بالله فنعاذ.
يا من ألوذ به فيما أؤمله *** وأستعيذ به مما أحاذره.
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره *** ولا يهيضون عظمًا أنت جابره

الإيمان ما الإيمان ، شعور يختلج في الصدر، ويلمع في القلبº فتضيء جوانب النفس، ويبعث في القلب الثقة بالله، والأنس بالله، والطمأنينة بذكر الله (أَلاَ بِذِكرِ اللهِ تَطمَئِنٌّ القُلُوبُ) الإيمان ما الإيمان، إنه الشعور بأنك ذرة في كون عظيم هائل، متجه إلى الله، يسبِّح لله، ويخضع لله، ويؤمن بالله. (وَإِن من شَيءٍ, إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمدِه) –تبارك عز وجل- فسبحان من آمن له الكون أجمعه، وسبحان من سبَّح له الكون أجمعه. (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبعُ وَالأرضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن من شَيءٍ, إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمدِه). موكب عظيم يسبح الله، ويؤمن به، يجعلك –أيها العبد- تسأل أين أنت من هذا الموكب؟ حدِّد موقعك في هذا الموكب، وهدفك على هذا الموكب وغايتكº فإن الشاذ عن هذا الموكب لهو الشقي الخاسر لنفسه، وماذا بعد خسارة النفس من خسران؟ الله هو الغني، ونحن الفقراء، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، بل مخلوقاته غيرنا كثير وكثيرº صنف منهم وهم الملائكة لا يحصيهم ولا يعلم عددهم إلا الله -الذي لا إله إلا هو- (لا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ) (يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفتُرُونَ) في صحيح [مسلم] \"إنه ليدخل البيت المعمور في السماء السابعة كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه إلى قيام الساعة\". كم من الملائكة يدخل البيت المعمور منذ أن خلق الله السماوات والأرض، وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، ما بالك بعدد الملائكة عمومًا، ما بالك بغيرهم من سائر المخلوقات، ألم تسمع في الصحيح إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث [أبي ذر] \"إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد أو راكع، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذذتم بالنساء على الفُرِش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله -وفي رواية- ولحثوتم على رؤوسكم التَّراب\". أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئطº ما فيها موقع أربع أصابع إلا وملك ساجد أو راكع. أهل سماءٍ, يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأخري يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأخرى يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون. خَلق عظيم هائل لا يحصيهم إلا خالقهم –سبحانه وبحمده- وظيفتهم التسبيح والتعظيم، فماذا يضر أن ينقلب إنسان من هذا الموكب العظيم فيكفر بالله، ومن كفر فعليه كفره (أَلَم تَرَ أَنِّ اللهَ يسبح لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرضِ وَالشَّمسُ وَالقَمَرُ وَالنٌّجُومُ وَالجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابٌّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيهِ العَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مٌّكرِمٍ,) هل جندت نفسك أخي في الله لتكون من أهل هذا الموكب المسبح السائر إلى الله؟ –أعني موكب المؤمنين-. إن كنت كذلك فأبشر بالجزاء من أكرم الأكرمين، يوم الوقوف بين يدي رب العالمين (فَلاَ تَعلَمُ نَفسٌ مَّا أُخفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعيُنٍ, جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ) يا من يحب الكنز، ويا من يحب الثروةº إن أعظم كنز يكتنزه العبد في هذه الحياة هو كنز الإيمان، وإن أعظم ثروة يكتنزها العبد في هذه الحياة هي ثروة الإيمان، إنه الثروة النفيسة، والكنز الثمين، يسعد به صاحبه حين يشقى الناس، ويفرح حين يحزن الناس هل لهذا الكنز وهل لهذه الثروة من أثر على الحياة إن أثرها عظيم جد عظيم لمن كان له فلب فملأه بالإيمان إن من إيمان العبد بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ليعكس على الفرد لا بل على الأمة جميعا آثارا عظيما فهاك موجزها ولا بأس بعده من تفصيل .اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا المؤمن بالله يشعر بأن الله يراقبه في أفعاله يراقبه على الصغيرة والكبيرة (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا) إذا استشعر العبد هذه المعية سابق إلى الخيرات وخضع مستجيبا لرب الأرض والسماوات فبادر إلى الفضائل.
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل *** خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة *** ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
والإيمان بالملائكة يجعل المؤمن يستحي من معصية الله لعلمه أن الملائكة معه (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ترافقه وتراه ولا يراها تحصي عليه أعماله بسجلات محكمة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة والإيمان بالكتب يجعل المؤمن يعتز بكلام الله ويتقرب إليه بتلاوة كلامه والعمل به ويشعره ذلك أن الطريق الوحيد إلى الله هو اتباع ما جاء في كتبه والذي جاء القرآن مهيمنا عليها ومطبقا بها والإيمان بالرسل يجعل المؤمن يأنس بأخبارهم وسيرهم لا سيما سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فيتخذهم أسوة وقدوة (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) أسوة حسنة لا في شرق ولا في غرب بل رسول الله إلى الناس كافة شرقيهم والغربي.
بالشرق أو بالغرب لست بمقتض *** أنا قدوتي ما عشت شرع محمد
حاشى يثنيني سراب الخادع *** ومعي كتاب الله يستطع في يدي
والإيمان باليوم الآخر ينمي في النفس حب الخير ليلقى ثوابه في جنات ونهر ونعم المأوى ويكره في النفس الشر ودواعيه خوفا من نار تلظى ومن وقوف بين يدي المولى والإيمان بالقدر يجعل نفس المؤمن لا تخاف ما أصابها ولا ترجو ما سوى ربها لا تقنع إلا بالله ولا تلجأ إلا لله في الدنيا تزهد بالموت لا تبالي لا تخضع للطغيان بل تخضع للرحمن ولسان حالها
ماض وأعرف ما دربي وما هدفي *** والموت يرقص لي في كل منعطف
وما أبالي به حتى أحاذره *** فخشية الموت عندي أبرد الطرف

آثار الإيمان على الحياة آثار مشرقة تنعكس على تصورات الأفراد وسلوكهم في الحياة حتى إنك لترى القرآن يمشي على الأرض في أشخاص بعض الإفراد فإليكم أزف بعض هذه الآثار مفصلة فاسمعوا أيها الأحباب وافقهوا وبلغوا فرب مبلغ أوعى من سامع .

من آثار الإيمان الثبات بكل صوره ومعانيه عند الشدائد والمحن والمصائب، الثبات يوم تمتحن الأمة بأعدائها، الثبات للداعي في دعوته، الثبات للمصاب عند مصيبته، الثبات للمريض عند مرضه حتى الممات، الثبات أمام الشهوات، الثبات أمام الشبهات، الثبات على الطاعات، الثبات العام، وكفى بالثبات!
هاهو –صلى الله عليه وسلم- يحمل الإيمان في صف، والبشرية كلها في صف مضادٍ,، فانتصر بالإيمان، صدع بالحق لا يرده عنه رادٌ، ولا يصده صادٌ، ووقعت قريش منه في أمر عظيم، فإذا بأحد صناديدها يقول: يا معشر قريشº لقد وقعتم من محمد في أمر عظيم، لقد كان غلامًا حَدَثًا فيكم، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم الشيب في صدغيه، قلتم: شاعر، ما هو –والله- بشاعر، قلتم: ساحر، ما هو –والله- بساحر، قلتم: كاهن، ما هو –والله- بكاهن، يا معشر قريشº إنكم قد نزل بكم أمرٌ عظيم فاجتمعوا له، فاجتمع كبراؤهاº صناديد الشرك وسَدَنَة الوثنية، الممسكون بحُجَز النار ليقذفوه في النار، اجتمعوا يقود مؤتمرهم إبليس، نعوذ بالله منه، قالوا في اجتماعهم: انظروا رجلا منكم هو أعلمكم بالسحر والشعر والكهانة فليذهب إلى محمد، قالوا: ما نرى مثل [أبي الوليد عتبة بن ربيعة]، فذهب عتبة إلي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وكان بليغًا، وكان فصيحًا، جمع مقالاتهم في مقالة واحدة، وقال: يا محمدº أنت خير أم أبوك؟ فسكت –صلى الله عليه وسلم- قال: أنت خير أم جدٌّك [عبد المطلب]؟ فسكت النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: إن كانوا خيرًا منك فقد عبدوا ما عبدوا، وإن كنت خيرًا منهم فقل، ثم بدأ في الإغراءات التي لا يثبت أمامها إلا المؤمنون. يا محمد إن كان بك المُلك ملَّكناك، وإن كان بك المال أعطيناك من أموالنا ما تشاء، وإن كان بك الباءة وحب النساء زوَّجناك ما تشاء من بناتنا، يا محمدº ما رأينا شخصًا –قط- أشأَمَ على قومه منك، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى، فيثور بعضنا على بعض فنقتتل، يا محمد أخبرنا ما تريد؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: \"أفرغت يا [أبا الوليد]؟\" ويا للأدب منه -صلى الله عليه وسلم-! يا للأدب يوم تركه حتى انتهى من كلامه، ثم شرع -صلى الله عليه وسلم- يرتِّل آيات الله البينات، تسقط كالقذائف على دماغ هذا الرجل، شرع يقرأ من أوائل سورة فصِّلت: (حمَ * تَنزِيلٌ منَ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَت آيَاتُهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لِّقَومٍ, يَعلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعرَضَ أَكثَرُهُم فَهُم لاَ يَسمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ, مِمَّا تَدعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذانِنَا وَقرٌ وَمِن بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ فَاعمَل إِنَّنَا عَامِلُونَ) سمع كلامًا ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، ألقى هذا الكافر يديه خلف ظهره، وأخذته رِعدة مشدوهًا مبهورًا بمَا يسمع، يسمع القرآن من فَمِ من أنزل عليه القرآن، حتى إذا بلغ قول الله -جل وعلا-: (فَإِن أَعرَضُوا فَقُل أَنذَرتُكُم صَاعِقَةً مِثلَ صَاعِقَةِ عَادٍ, وَثَمُودَ) فخاف وارتعد وأخذته الرعشة وأخذ يديه الاثنتين وجمعها ووضعها على فم المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وقال: أنشدك الله والرحم إلا صمت، أنشدك الله والرحم إلا صمت، خرج مذعورًا خائفًا راجعًا إلى قومه بغير الوجه الذي ذهب به من عندهم، لما رأوه قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: لقد سمعت من محمد حديثًا ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، ورب هذه البنية –يعني الكعبة- ما عقلت من حديثه إلا قوله: (فَإِن أَعرَضُوا فَقُل أَنذَرتُكُم صَاعِقَةً مِثلَ صَاعِقَةِ عَادٍ, وَثَمُودَ)، فوضعت يديَّ على فمه خوفًا أن ينزل بكم العذاب، ولقد علمتم أن محمدًا إذا حدث حديثًا لم يكذب. (وَجَحَدُوا بِهَا وَاستَيقَنَتهَا أَنفُسُهُم ظُلمًا وَعُلُوًّا) جحدوا بذلك، هل استقاموا لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- هل انتفعوا بالآيات؟ لم ينتفعوا بذلك، فهل سلم منهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بأبي وأمي هو، لا –والله- بل ناصبوه العداء، كأشد ما يكون، وأروه الأذى كأقذع ما يكون الأذى، وضعوا سلى الجذور على ظهره –صلى الله عليه وسلم- ثم لم يجد له مُعِينًا بعد الله إلا بنيته الصغيرة [فاطمة] –رضي الله عنها وأرضاها- ثم ليس هذا فحسب، بل أخرجوه من <مكة>، ودموعه على وجنتيه- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: \"والله إنك لأحب البقاع إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني ما خرجت\". ومع ذلك فقد ثبت –صلى الله عليه وسلم- بالإيمان فنصره الله، ونصر دينه، وأعلى كلمته، فما من مئذنة الآن إلاّ وهي تقول في اليوم خمس مرات: أشهد أن محمدًا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويأتي صحابته –رضوان الله عليهم- ومَن بعدهم ليثبتوا بالإيمان ثبات الجبال الشٌّم الراسية.
هاهو [خالد بن الوليد أبو سليمان] -رضوان الله عليه- يقارع الروم في أرضهم -كما روى [ابن كثير]- حتى كانت الدائرة على الروم، فما كان منهم إلاّ أن فرٌّوا وتحصنوا في مدينة <قنسرين>º مدينة محصنة من مدنهم با

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply