أرقام الموقع جديد - GIF - 11/5/2017
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. صلاح البال
صلاح البال

صلاح البال

تاريخ النشر: 27 شوال 1428 (2007-11-08)
 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

في خضم الحياة المتسارعة يشتكي كثير من الناس شغل البال وهَم النفس، فيراوح المرء في مكابدة مشاغله الدنيوية مُعرِضًا عن إدراك أهمية صلاح بَالِه.

فصلاح البال طريق السعادة التي ينبني عليها الفوز في الدنيا والآخرة، لذا أحببت أن أقف مع هذا المعنى العظيم من خلال ما ورد في كتاب الله المجيد وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وما فهمه العلماء من ذلك.

 

معنى البال في اللغة العربية:

قال ابن منظور: \"بَالَى بالشيء يُبَالِي به إذا اهتمَّ به، وقيل: اشتقاقُ بَالَيتُ من البَالِ بَالِ النفسِ، وهو الاكتراثُ. ومنه أيضا: لم يخطر بِبِالِي ذلك الأمر أي لم يُكرِثنِي\"(1).

وقال ابن فارس: \"البَالُ بَالُ النفسِ، ويقال ما خطر ببَالِي، أي ما أُلقِيَ في رُوعِي..، وممَّا حمل على هذا: البَال، وهو رخاء في العيش- يقال إنه لراخِي البَال، وناعم البَال\"(2).

وقال أبو عبيدة: في معنى قوله - تعالى -: \"سَيَهدِيهِم وَيُصلِحُ بَالَهُم\" [محمد: 5]، \"أي شأنهم\"(3). وعن النَّقَاش \"أصلح نياتهم\"(4).

وذكر الراغب الأصفهاني: \"البال: الحال التي يكترث بها، ويقال ما بَالَيت بكذا بَالَةً أي ما اكتَرَثتُ بِهِ(5).

وذكر الكفوي: \"البَال: الحال والشأن والقلب. وأمر ذو بَال: أي شرف يهتم به، كأن الأمر لشرفه وعِظَمه قد ملك قلب صاحبه لاشتغاله به\"(6).

ويطلق البَال على الفكر، كما يطلق البَال على القلب، أي العقل وما يخطر للمرء من التفكير وهو أكثر إطلاقه ولعله حقيقة فيه.

وحقيقة لفظ البال أنها بمعنى الفكر، والموضع الذي فيه نظر الإنسان وهو القلب، فإذا صلح ذلك فقد صلحت حاله، فكان اللفظ مشيرا إلى صلاح عقيدتهم(7).

 

صلاح البال في القرآن الكريم:

ورد في سورة محمد في موضعين هما:

- الآية الثانية: \"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ, وَهُوَ الحَقٌّ مِن رَبِّهِم كَفَّرَ عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَأَصلَحَ بَالَهُم\" [محمد: 2].

- والآية الخامسة: \"سَيَهدِيهِم وَيُصلِحُ بَالَهُم\" [محمد: 5].

قال البقاعي في تفسير قوله - تعالى -: \"وَأَصلَحَ بَالَهُم\" [محمد: 2]، \"أي موضع سرهم المؤمنين- وفكرهم بالأمن والتوفيق والسداد وقوة الفهم والرشاد لما يوفقهم له من محاسن الأعمال ويطيب به اسمهم في الدارين، قال ابن برجان: وإذا أصلح ذلك من العبد صلح ما يدخل إليه وما يخرج عنه وما يثبت فيه، وإذا فسد فبالضد من ذلك، ولذلك إذا اشتغل البال لم ينتفع من صفات الباطن بشيء، وقد علم أن الآية من الاحتباك(8): ذكر ضلال الكفار أولا دليلا على إرادة الهدى للمؤمنين ثانيًا، وإصلاح البال ثانيًا دليلا على حذف إفساده أولا\"(9).

وذكر الخازن في قوله - تعالى -: \"وَأَصلَحَ بَالَهُم\" [محمد: 2]، \"يعني حالهم وشأنهم وأمرهم بالتوفيق في أمور الدِّين والتسليط على أمور الدٌّنيا بما أعطاهم من النصر على أعدائهم. وقيل أصلح بالهم يعني قلوبهم لأن القلبَ إذا صلح صَلُح سائر الجسد. وقال ابن عباس: عصمهم أيام حياتهم يعني أن هذا الإصلاح يعود إلى إصلاح أعمالهم حتى لا يعصوا.. \" (10).

وجاء عن السعدي: \"أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم، بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم\"(11).

وقال سيد قطب: \"إصلاح البال نعمة كبرى تلي نعمة الإيمان في القدر والقيمة والأثر، والتعبير يلقي ظلال الطمأنينة والراحة والثقة والرضى والسلام. ومتى صلح البال، استقام الشعور والتفكير، واطمأن القلب والضمير، وارتاحت المشاعر والأعصاب، ورضيت النفس واستمتعت بالأمن والسلام.. \" (12).

وأورد الطاهر ابن عاشور في تفسير قوله - تعالى -: \"وَأَصلَحَ بَالَهُم\" [محمد: 2]: \"إصلاح البال يجمع إصلاح الأمور كلها لأن تصرفات الإنسان تأتي على حسب رأيه، فالتوحيد أصل صلاح بال المؤمن، ومنه تنبعث القوى المقاومة للأخطاء والأوهام التي تلبس بها أهل الشرك، وحكاها عنهم القرآن في مواضع كثيرة، والمعنى: أقام أنظارهم وعقولهم فلا يفكرون إلا صالحا ولا يتدبرون إلا ناجحا\"(13).

- وأما في الآية الخامسة من سورة محمد في قوله - تعالى -: \"سَيَهدِيهِم وَيُصلِحُ بَالَهُم\" [محمد: 5] فالضمير للذين قتلوا في سبيل الله - تعالى -، فالآية وما يتلوها لبيان حالهم بعد الشهادة أي سيهديهم الله إلى منازل السعادة والكرامة ويصلح حالهم بالمغفرة والعفو عن سيئاتهم فيصلحون لدخول الجنة.

جاء عن البقاعي في قوله - تعالى -: \"سَيَهدِيهِم\" [محمد: 5]، \"أي في الدارين بوعد لا خلف فيه بعد المجاهدة إلى كل ما ينفعهم مجددا ذلك على سبيل الاستمرار، \"وَيُصلِحُ بَالَهُم\" [محمد: 5] أي موضع فكرهم فيجعله مهيأ لكل خير بعيدا عن كل شر آمنا من المخاوف مطمئنا بالإيمان بما فيه من السكينة، فإذا قتل أحد في سبيله تولى - سبحانه وتعالى - ورثته بأحسن من تولى المقتول لو كان حيا\"(14).

وعن السعدي في تفسير قوله - تعالى -: \"وَيُصلِحُ بَالَهُم\" [محمد: 5]، \"أي حالهم وأمورهم، وثوابهم يكون صالحا كاملا لا نكد فيه، ولا تنغيص، بوجه من الوجوه\"(15).

وذكر سيد قطب في قول الله - تعالى -: \"سَيَهدِيهِم وَيُصلِحُ بَالَهُم\" [محمد: 5]، \"الله ربهم الذي قتلوا في سبيله، يظل يتعهدهم بالهداية-بعد الاستشهاد- ويتعهدهم بإصلاح البال، وتصفية الروح من بقية أَوشَابِ الأرضº أو يزيدها صفاء لتتناسق مع صفاء الملأ الأعلى الذي صعدت إليه، وإشراقه وسناه. فهي حياة مستمرة في طريقها لم تنقطع إلا فيما يرى أهل الأرض المحجوبون، وهي حياة يتعهدها الله ربها في الملأ الأعلى، ويزيده هدى، ويزيدها صفاء، ويزيدها إشراقا، وهي حياة نامية في ظلال الله، وأخيرا يحقق لهم ما وعدهم: \"وَيُدخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُم\" [محمد: 6] (16).

إنّ إصلاح البال يعني تنظيم كلَّ شؤون الحياة والأُمور المهمة، وهو يشمل طبعاًº الفوز في الدنيا، والنجاة في الآخرة، على عكس الختام الذي يلاقيه الكفار، إذ لا يصلون إلى ثمرة جهودهم ومساعيهم، ولا نصيب لهم إلاّ الهزيمة والخسران بحكم: (أضلّ أعمالهم).

كما أن إصلاح البال يضفي على المؤمن اطمئناناً في النفس، وراحة في القلب، وهدوءا في الفكر، وسعادة في الحياة، وأي نعمة أعظم من إصلاح البال لينعم المرء بالسعادة في حياته الدنيوية ومآله الأخروي.

 

صلاح البال في السنة النبوية:

وجاءت لفظة صلاح البال في السنة النبوية المطهرة بعد الدعوة بالهداية لمن عطس، كما في حديث أَبِي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فَليَقُل الحَمدُ لِلَّهِ وَليَقُل لَهُ أَخُوهُ أَو صَاحِبُهُ يَرحَمُكَ اللَّهُ. فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرحَمُكَ اللَّهُ. فَليَقُل يَهدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصلِحُ بَالَكُم)) (17).

وعن أبي موسى: \"كانت اليهودُ يتعاطسون عند النبي - صلى الله عليه وسلم - رَجَاءَ أَن يقول لها: يَرحَمُكُم الله، فكان يقول: يهديكُم الله ويُصلِحُ بَالَكُم\"(18).

ونقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد قوله : \"إذا نظرنا إلى قول من قال من أهل اللغة، إن التشميت الدعاء بالخير، دخل الكفار في عموم الأمر بالتشميت، وإذا نظرنا إلى من خص التشميت بالرحمة لم يدخلوا.. ولعل من خص التشميت بالدعاء بالرحمة بناه على الغالب لأنه تقييد لوضع اللفظ في اللغة\"(19).

ثم علق ابن حجر: \" هذا البحث أنشأه من حيث اللغة، وأما من حيث الشرع فحديث أبي موسى-رضي الله عنه- دال على أنهم يدخلون في مطلق الأمر بالتشميت، لكن لهم تشميت مخصوص وهو الدعاء لهم بالهداية وإصلاح البال وهو الشأن ولا مانع من ذلك، بخلاف تشميت المسلمين فإنهم أهل للدعاء بالرحمة بخلاف الكفار\"(20).

ويجدر التنبه بأنه لا يجوز أن يدعى لغير المسلمين بالرحمة والمغفرة، وإنما يجوز أن يدعى له بالهداية إلى دِين الله - تعالى -وصلاح الحال.

إن المسلم يسأل الله - عز وجل - الهداية في كل ركعة من صلاته كما في فاتحة الكتاب، فالدعاء بالهداية وصلاح البال للمسلم أمر مطلوب شرعاً، كما أنه لا مانع من الدعاء بذلك لغير المسلم بان يقول لليهود كما مر معنا في الحديث: إذا تعاطسوا عنده، (يَهدِيكُم اللهُ ويُصلِحُ بَالَكُم).

قال الوزير البطليوسي في شرح ديوان امرئ القيس: قال أبو سعيد: كنت أقول للمعري: كيف أصبحت؟ فيقول: بخير أصلح الله بَالَك(21).

وختاماº فإن \"صلاح البال\" نعمة عظيمة في حياة العبد، يسعد به في الحياة الدنيوية ويظفر بالفوز في الآخرة(22).

 

----------------------------------------

(1) لسان العرب، مادة (بلا) (1/498).

(2) معجم مقاييس اللغة، باب الباء والواو وما معهما في الثلاثي (1/167).

(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (10/610).

(4) فتح القدير للشوكاني (5/39).

(5) المفردات في غريب القرآن، كتاب الباء، مادة (بال)، ص45.

(6) الكليات، ص248.

(7) انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (8/74)و(8/70)، وتفسير البغوي\"معالم التنزيل\" (7/277).

(8) قال السيوطي: \"مأخذ هذه التسمية من الحبك، الذي معناه الشَّد والإحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب، فحبك الثوب سد ما بين خيوطه من الفُرِج وشدة إحكامه، بحيث يمنع عنه الخلل مع الحسنِ والرَّونَق. وقال الأندلسي في شرح البديعية: من أنواع البديع الاحتباك، وهو نوع، وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول\" الإتقان في علوم القرآن، ص182-183.

(9) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (7/150).

(10) تفسير الخازن المسمى لباب التأويل في معاني التنزيل (4/139).

(11) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص729.

(12) في ظلال القرآن (6/3281).

(13) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (26/75-76).

(14) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، (7/153).

(15) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص730.

(16) في ظلال القرآن (6/3287).

(17) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب إذا عطس كيف يشمت؟ حديث 6224.

(18) رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب كيف يشمت الذمي، برقم 5038واللفظ له-، ورواه الترمذي في أبواب الأدب، باب ما جاء كيف يشمت العاطس، وقال: حديث حسن صحيح، برقم 2739.

(19) فتح الباري (10/604).

(20) المرجع السابق (10/604).

(21) نقلا عن: تفسير التحرير والتنوير (26/75).

(22) هذا بحث موجز، وهو من المعاني العظيمة التي يجدر البحث فيها والعناية بها.

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات