عناية الإسلام بالمسن ( 2 / 1 )
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. عناية الإسلام بالمسن ( 2 / 1 )
عناية الإسلام بالمسن ( 2 / 1 )

عناية الإسلام بالمسن ( 2 / 1 )

تاريخ النشر: 27 شوال 1428 (2007-11-08)
 

بسم الله الرحمن الرحيم

اهتم الإسلام بأمر المسنين في المجتمع منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، حيث اعتنى بهم في جميع نواحي الحياة الاجتماعية، والصحية، والاقتصادية، والنفسية، وبهذا يكون الإسلام قد سبق الأنظمة المعاصرة التي أخذت تنادي بالاهتمام بالمسنين في الآونة الأخيرة، ففي عام 1894م ظهرت بوادر الاهتمام المنظم بالمسنين، فَتحتَ عنوان \"الأشخاص المسنون في انجلترا وويلز\" ظهر كتاب يهتم بدراسة المشكلات الاجتماعية المصاحبة لحياة كبار السن، وتوالى الاهتمام بالمسنين وخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين حيث بلغ ما كتب من مقالات علمية تناولت المسنين فيما بين 1959-1975 خمسين ألف مقالة(1).

بالإضافة إلى ذلك، كانت مجلة (عالم الشيخوخة) أول دورية علمية تصدر في الولايات المتحدة 1945م عن جمعية الشيوخ الأمريكية، وصدرت أول دورية علمية عن الشيخوخة في أوروبا عام 1956، والآن ارتفع عدد الدوريات العلمية والمهنية المتخصصة في مجال الشيخوخة إلى ما يزيد على 30 دورية، كما تنتشر دور إيواء المسنين بشكل واسع في الدول الغربية، ويعود تاريخ بعضها إلى عام 1910م، كالجمعية الدانماركية لرعاية المسنين، ولا تكاد تخلو دولة من هذه الهيئات والجمعيات، وتعد الجمعية الأمريكية للمتقاعدين أشهر منظمة لرعاية المتقاعدين، إذ يزيد عدد أعضائها على ثلاثين مليون شخص، وهي تهتم بكل ما يتعلق بالمتقاعدين وتنصب اهتمامها أيضاً على أبحاث الشيخوخة(2).

 

إن النظرة الإسلامية للمسن تختلف عن النظرة الوضعية التي يقتصر اهتمامها على بعض الجوانب في حياة المسنّ، فالإسلام ينظر إلى المسن نظرة سماوية تعبدية شمولية تهتم بصحته، وروحه، وحياته الاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية، سواء كان المسن مسلماً أو غير مسلم. ومن أبرز المظاهر للعناية بالمسنين ما يلي:

 

المظهر الأول: عناية الإسلام بالمسن ضمن النطاق الأسري:

الأسرة هي نواة المجتمع، بصلاحها يصلح المجتمع، وبفسادها يفسدº لذا اعتنى الإسلام بجميع الجوانب المتعلقة بالأسرة، والمسنون وهم أحد أفراد هذه الأسرة كانوا من ضمن أحد هذه الجوانب، وأهم مظاهر عناية الإسلام بالمسن في الأسرة تظهر من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول- الأمر ببر الوالدين والإحسان إليهما:

لقد تعددت الآيات القرآنية التي توصي الإنسان بوالديه، وبرهما والإحسان إليهما في كل مراحل العمر، لكن القرآن خص مرحلة كبر سنهما باهتمام أوسع، قال - تعالى -: \"وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا\" {الإسراء: 23، 24}.

قال القرطبي: \"أمر الله - سبحانه - بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقروناً بذلك\"(3).

فالله - تعالى -جعل الإحسان إلى الوالدين قريناً لتوحيده وعبادته وإعلاناً بتأكد حقهما والعناية بشأنهما، ثم خص - سبحانه - حالة الكبر بالذكر لكونها إلى البر من الولد أحوج من غيرها، قال القرطبي: \"قوله - تعالى -: \"إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما\" {الإسراء: 23} خص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى برّه لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبلº لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلاً عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه، فلذلك خص هذه الحالة بالذكر\"(4).

وبالإضافة إلى ما سبق ذكره، فإن برهما من أحب الأعمال إلى الله - تعالى -فعن عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) قلت: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين)، قلت: ثم أي؟ قال: (ثم الجهاد في سبيل الله)(5).

أما عن كيفية بر الوالدين ومعاملتهما فهي تتخذ منهجين:

المنهج الأول- منهج المعاملة بالقول:

1- من بر الوالدين التأدب عند مخاطبتهما:

يجب على الولد اتخاذ الأدب عند محادثته الوالدين، وذلك أن لا يبدي الولد لوالديه ما يدل على الضجر والضيق، وأن يكون كلامه لهما ينم عن احترام وتقدير ولقد أوضح الله - تعالى -ذلك في محكم كتابه، قال - تعالى -: فلا تقل لهما أف 23 {الإسراء: 23}.

قال القرطبي: \"ويقال لكل ما يضجر ويستثقل: أفٍ, له\"(6).

وقال الخازن: \"...المراد من قوله \"فلا تقل لهما أف\" المنع من إظهار الضجر بالقليل والكثير\"(7).

وقال - تعالى -: ولا تنهرهما 23 {الإسراء: 23}.

قال الخازن: \"... المراد من قوله \"ولا تنهرهما\" المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليهما\"(8).

وهذه إحدى الطرق التي عالجها القرآن الكريم، وذلك بنهج الولد الأدب مع الوالدين وعدم مجادلتهما فيما يتخذانه معه من نصح وإرشاد وتوجيه.

قال - تعالى -: وقل لهما قولا كريما 23 {الإسراء: 23}.

لقد وردت في القول الكريم عدة أقوال:

أ - ما جاء عن عروة- رضي الله عنه -  قال: \"إذا دعواك فقل: لبيكما وسعديكما\"(9).

ب - وقال سعيد بن جبير: \"قول العبد المذنب للسيد الفظ\"(10).

ج- وقال عطاء: \"لا تسمهما ولا تكنهما، وقل لهما يا أبتاه، ويا أماه\"(11).

وفي الحقيقة القول الكريم يشمل هذه الأقوال جميعاً، كما بيّن ذلك الخازن حيث قال: \"أي حسناً جميلاً ليناً، كما يقتضيه حسن الأدب معهما\"(12).

2- من بر الوالدين الدعاء لهما:

إن دعاء الولد للوالدين لا يكون عند وفاتهما(13) فقط، ولكن الدعاء لهما في حياتهما(14) كذلك، وينبغي على الولد أن لا يبخل على والديه بالدعاء لهما وعليه أن يتحرى أوقات الاستجابة لهما ويستغلها في الدعاء لهما ولنفسه.

قال - تعالى -: وقل رب ارحمهما(15) كما ربياني صغيرا 24 {الإسراء: 24}، ففي هذه الآية أمر الله - تعالى -بالدعاء للوالدين وهذا الأمر يفيد الوجوب، ولكن كم مرة يلزم الولد أن يدعو لوالديه في اليوم؟ أيكفيه مرة واحدة في اليوم، أو مرة في الشهر، أو مرة في السنة؟

قال الرازي: \"ظاهر الأمر للوجوب، فقوله: \"وقل رب ارحمهما\"، أمرٌ وظاهر الأمر لا يفيد التكرار فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرة واحدة، سئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه؟ أفي اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة؟ فقال: نرجو أن يجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله - تعالى -قال: \"يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما\" {الأحزاب: 56}، فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - \"(16).

وحث الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين على الاستمرار بالدعاء لوالديهم حتى بعد موتهم، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: \"إذا مات العبد انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له\"(17).

فينبغي على الأولاد أن لا ينسوا والديهم من الدعاء والاستغفار لهم في جميع الأحوالº لأن الوالدين لهما فضل كبير بعد فضل الله - تعالى -.

3- من بر الوالدين عدم سبهما:

قال - صلى الله عليه وسلم - : \"إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه\"(18).

قال ابن حجر: \"فيه دليل على عظم حق الأبوين، وفيه العمل بالغالب لأن الذي يسب أبا الرجل يجوز أن يسب الآخر أباه ويجوز أن لا يفعل، ولكن الغالب أنه يجيبه بنحو قوله\"(19).

فمن البر إلى الوالدين والإحسان إليهما ألا نتعرض لسبهما.

4- من بر الوالدين أن يكون الاحتساب عليهما بلين ورفق:

ويدخل أيضاً في المعاملة القولية أن يكون الاحتساب على الوالدين بلين ورفق، فهناك كثير من العلماء صرحوا أنه ليس للولد أن يحتسب على أبويه بالتعنيف، قال الغزالي: \"ليس له -أي الولد- الحسبة بالسب والتعنيف والتهديد، ولا بمباشرة الضرب\"(20).

المنهج الثاني- منهج المعاملة بالفعل:

1- تقديم بر الوالدين على النوافل:

إن بر الوالدين فرض مقدم على سائر الفروض الكفائية والنوافل.

قال ابن الجوزي: \"إن برهما يكون بطاعتهما فيما يأمران به، ما لم يكن بمحظور، ويقدم أمرهما على فعل النافلة... \"(21).

أ - دليل تقديم بر الوالدين على صلاة التطوع:

عن أبي هريرة- رضي الله عنه -  عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: \"لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وكان جريجٌ رجلاً عابداً، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان في الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم! لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات، فتذاكر بنو إسرائيل جريجاً وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم، قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها، فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاؤوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه، وقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: فلان الراعي، قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا... \"(22).

قال النووي: \"قال العلماء: هذا دليل على أنه كان الصواب في حقه إجابتها لأنه كان في صلاة نفل والاستمرار فيها تطوع لا واجب وإجابة الأم وبرها واجب وعقوقها حرام\"(23).

ب - تقديم بر الوالدين على الجهاد:

بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله، إذا كان فرض كفاية، نص على ذلك العلماء.

قال الكاساني: \"... وكذا الولد لا يخرج إلا بإذن والديه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتاً لأن بر الوالدين فرض عين فكان مقدماً على فرض الكفاية\"(24).

وقال القرطبي: \"من الإحسان إليهما والبر بهما إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما\"(25).

وقال الماوردي: \"إذا كان للمجاهد أبوان مسلمان لم يكن له أن يجاهد إلا بإذنهما\"(26).

وجاء في المغني: \"وإذا كان أبواه مسلمين، لم يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما\"(27).

ومن أدلة تقديم بر الوالدين على الجهاد:

أ - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: جاء رجل يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (أحي والداك؟) قال: نعم، قال: (ففيهما فجاهد)(28).

ب- وعن معاوية بن جاهمة(29) -رضي الله عنهما- أن جاهمة(30) جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك، فقال: (هل لك من أم؟) قال: نعم! قال: (فألزمها، فإن الجنة عند رجلها)(31).

ج- عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما- أن رجلاً قال: يا رسول الله أتأذن لي في الجهاد؟ قال: (ألك والدان) قال: نعم، قال: (اذهب فبرهما) فذهب وهو يحمل الركاب(32).

2- تقديم بر الوالدين على النفس والأولاد:

إن تفضيل الوالدين وإيثارهما على النفس والأولاد من الأمور التي يتقرب بها الأبناء إلى الله - تعالى -ويتوسلون بها عند الكروب والمآزق، وفي هذا الربط دفع للإنسان إلى الإكثار من عمل كل ما فيه سعادة وراحة لأبويه، ولكن هذا البر وهذه الطاعة يجب أن لا يكون في معصية، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف)(33).

ومن الأدلة التي جاءت في تفضيل بر الوالدين على النفس والأولاد: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر، فأووا إلى غارٍ, في جبل فانحطت على فم غارهم صخرةٌ من الجبل، فانطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظرا أعمالاً عملتموها صالحةً لله، فادعوا الله - تعالى -بها، لعل الله يفرُجها عنكم. فقال أحدهم: اللهم! إنه كان لي والدان شيخان كبيران، وامرأتي، ولي صِبيةٌ صغار أرعى عليهم، فإذا أرحت عليهم حلبت، فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بَنِيَّ، وأنه نأى بي ذات يومٍ, الشجر، فلم آت حتى أمسيتُ فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب، فقمت عند رؤوسهما، أكرهُ أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أسقِيَ الصِّبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجرُ، فإن كنتَ تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فُرجة نرى منها السماء، ففرجَ الله منها فُرجةً. فرأوا منها السماء... \"(34).

مما سبق ذكره يتضح الحكم في إذا ما تعارض الفرض الكفائي وسائر أنواع القرب والنوافل مع بر الوالدين، ولكن إذا تعارض بر الوالدين مع فروض الأعيان فإن فرائض الأعيان تقدم على بر الوالدين، قال ابن مفلح: \"ولأن بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية وفرض العين مقدم، فإن تعين عليه الجهاد سقط إذنهما، وكذلك كل فرائض الأعيان، وكذلك كل ما وجب كالحج وصلاة الجماعة، والجمع، والسفر للعلم الواجب، لأنها فرض عين فلم يعتبر إذن الأبوين فيها كالصلاة\"(35).

3- بر الوالدين وإن كانا كافرين:

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره