محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

أما بعد: فقد أثنى سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه فاجتمع لهم ثناء الله - تعالى -في كتابه وثناء رسوله المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، روى البخاري في صحيحه[1] عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه))، في هذا الحديث يأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته بتعظيم أصحابه ومعرفة قدرهم وحقهم ويكفي لبيان منزلتهم أنه - صلى الله عليه وسلم - وصفهم بالصحبة وأضافهم إلى نفسه فقال أصحابي، فكيف وقد بين - صلى الله عليه وسلم - المنة العظمى في أعناق الأمة لأصحابه - صلى الله عليه وسلم - لذلك الرعيل الأول الذين حملوا الرسالة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاهدوا معه حق الجهاد وأنفقوا في سبيل الله كل غالٍ, ورخيص في أوقات بالغة الأهمية وفي مرحلة عظيمة القدر مع ضيق الحال وقلة ذات اليد، ومع ذلك رضوان الله عليهم أجمعين فقد تحملوا المشاق وكابدوا المتاعب في سبيل نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولعظيم أثر تلك النصرة وعموم بركتها على سائر الأمة فان ما أنفقه واحد من أولئك الأصحاب الكرام مهما قل مقداره وحجمه فهو أعظم بركة وأثراً وثواباً عند الله - تعالى -مما ينفقه من جاء بعدهم مهما عظم حجمه وعظمت كميته، فمد من الطعام أو نصف مد أنفقه واحد من الصحابة الكرام في سبيل الله هو أعظم أثراً وبركة وثواباً عند الله من مثل جبل أحد ذهباً ينفقه من جاء بعدهم، عن عبد الله بن عمر[2]رضي الله عنهما قال: \"لا تسبوا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فلمقام أحدهم ساعة - يعني مع النبي - صلى الله عليه وسلم - خير من عمل أحدكم أربعين سنة\" رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة.

فعلى هذه الأمة أن تعرف قدر سادتها وأن تحفظ حق قادتها رعيلها الأول وصدرها المبجل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم يمثلون أفضل حقبة في تاريخ البشرية، في الصحيحين[3] عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) قال عمران - رضي الله عنه -: فلا أدرى أذكر قرنين بعده أم ثلاثة.

وقال - صلى الله عليه وسلم - في نفس الحديث: ((ثم إن من بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون ويكثر فيهم السمن))، القرن هم أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران لأن أهل كل زمان يقترنون في أعمارهم وفي أحوالهم والقرن أربعون سنة وقيل ثمانون وقيل مائة سنة وهو الأصح، فعلى شرار القرون أن يتأدبوا مع خير القرون، على أهل هذه الأزمنة الفاسدة التي كثر فيها الخبث وقلت فيها الأمانة وظهر فيها السمن وكبرت الكروش من الترف والنعمة والقعود عن الجهاد، على أهل هذه الأزمنة الفاسدة أن يعرفوا قدر أنفسهم وأن يبقوا على أحوالهم وأن يتقربوا إلى ربهم بحب سلفهم وصدرهم المبجل أصحاب النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لعلنا ببركة هذا الحب وبركة هذا التبجيل والتعظيم لأولئك الأسلاف الكرام ندرك النجاة ونسلم من الخسف والنسخ، على حد قول الشاعر:

أحب الصالحين ولست منهم *** و أرجو أن أنال بهم شفاعة

إن الأمة التي لا تحافظ على رموزها المبجلين ولا تحمي عرض سادتها الحقيقيين ولا تذب عن سادتها الحقيقيين عن صدرها الأول وعن رعيلها الأول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إن أمة لا تعظم رموزها المقدسين المعظمين ولا تذب عن عرضهم ولا تحمى مقامهم لا تستحق الحياة.

وماذا يبقى لنا من كرامة وكيان وعقيدة ودين إذا سبوا سادتنا وأهانوا قادتنا وسلبوا قدوتنا رعيلنا الأول وصدرنا المبجل رضى الله عنهم أجمعين وأرضاهم، أيرضى أحدكم أن يسب أبوه أو يهان ابنه أو أخوه؟ أصحاب النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - حقهم في أعناقنا أكبر من حق الأباء والأبناء والأخوان، أعظم من حق العشيرة والقبيلة، فكيف لا نغضب من أجلهم؟ وكيف لا نذب عن عرضهم؟ وكيف لا نفديهم بأنفسنا وبكل ما نملك؟ إن هذه المسألة لا تتعلق فقط بأشخاص نحبهم ولا بأعيان نعظمهم إنما تتعلق بديننا وشريعتنا وعقيدتنا وقرآن ربنا وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - فكل ذلك متعلق بالصحابة الكرام الذين نقلوه إلينا - رضي الله عنهم - وأرضاهم.

اللهم إنا نشهدك على حبهم، على حب أصحاب رسول الله وأنصار رسول الله وجند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين اصطفاهم الله لرسوله وخليله ونبيه - صلى الله عليه وسلم -. اللهم إنا نشهدك على حبهم وحب من يحبهم ونشهدك على بغض من يبغضهم. نشهدك على بغض أعدائهم وخصومهم من منافقي هذه الأمة.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

----------------------------------------

[1] أخرجه البخاري في صحيحه في فضائل الصحابة باب قول النبي لو كنت متخذا خليلا (3/1343).

[2] أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2/907) برقم (1729) وسنده صحيح.

[3] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب فضل أصحاب النبي - رضي الله عنهم - (3/1335) ومسلم في صحيحه في فضائل الصحابة (3/1964).

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فعن أبي بردة عن أبيه - رضي الله عنه - قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه[1].

قوله - صلى الله عليه وسلم - أمنة أي أمن وأمان فالنجوم إذا ذهبت وانكدرت وتناثرت يوم القيامة اختل نظام السماء فانفطرت وانشقت وذهبت وهكذا سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أمن وأمان لأصحابه ما دام بين ظهرانيهم فلما ذهب - صلى الله عليه وسلم - ولحق بالرفيق الأعلى أتى الصحابة ما يوعدون ما أنذرهم به النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من الفتن وأول ذلك ارتداد العرب واختلاف قلوب الناس عليهم ولكن بحول الله - تعالى -وبقوته ثم ببركة قوة إيمان الصحابة وبعلمهم وبفقههم نجت الأمة من تلك الفتن الدهياء، انظر ماذا فعل أبو بكر الصديق بفتنة الردة وهي فتنة دهياء عظيمة فبعد وفاة النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ارتدت العرب قاطبة، لم يبق إلا مكة والمدينة وقلة قليلة من غيرهم ثبتوا على الإسلام وارتد باقي العرب أجمعون فعزم الصديق عزمته الإيمانية الصديقية ووضع السيف في أعناق المرتدين حتى أعاد كل أولئك الشاردين إلى حظيرة الإسلام، فالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا في حياتهم ماداموا علي قيد الحياة سداً منيعاً أمام الفتن عن الأمة وسداً منيعاً أمام البدع والضلالات الفكرية وقد كان بدأت بوادرها تظهر في عهد الخليفة عليّ - رضي الله عنه - وأرضاه فعالجها أبو السبطين بكل حزم وقوة، قتل الخوارج قتل عاد وثمود حتى أباد منهم يوم النهروان تسعة آلاف مارق كما أوصاه بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم حرق السبئية أجداد الروافض بالنار وذلك أنه لما خرج يوماً من المسجد وجد أن بعض الناس يسجدون له فلما زجرهم وسألهم قالوا: أنت هو. قال: ومن هو. قالوا: الله. فجمعهم وحرقهم بالنار[2]. وكانت بدعة القدرية قد بدأت تظهر في أخر عهد الصحابة[3] فكبتها من بقى من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين فلم تتفشى في الأمة إلا بعد رحيلهم، بعد رحيل الصحابة تفشت البدع والضلالات في الأمة والتي لو انتشرت في أمة أخرى لذهبت وتلاشت وانهدم كيانها وأصبحت أثراً بعد عين وضاع دينها كما وقع للنصارى فالنصارى اليوم ليسوا على الدين الذي أنزل على عيسى ابن مريم بل هم على مجموعة من البدع والضلالات والخزعبلات التي دسها فيهم اليهود ولكن الله - تبارك وتعالى - وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - ببقاء هذه الأمة بقاء أمته إلى أن تقوم الساعة وجعل السبب الأول في بقائها هو بقاء دينها وحفظ قرأنها وشريعتها وسنة نبيها - صلى الله عليه وسلم -، تكفل الله بحفظ القرآن وحفظ السنة النبوية وببقاء المنهج منهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين فمن انحرف عن هذه الثلاثة القرآن والسنة ومنهج الصحابة هلك مع الهالكين وما أكثرهم ومن تمسك بها فقد أدرك النجاة ببشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما قال: ((وستفترق أمتي علي ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا: وما هي يا رسول الله. قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي))[4]، فمن كان على المنهج متمسكاً بالقرآن والسنة فليبشر بالنجاة.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب: 56]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا))[5]، اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق و ذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

 

----------------------------------------

[1] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب بيان أن بقاء النبي أمان لأصحابه (4/1961).

[2] رواه البخاري في صحيحه (6/2537).

[3] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان (1/36).

[4] أخرجه الترمذي برقم (2641) والحاكم (1/218-219) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/99-100) وسنده ضعيف، وضعفه الترمذي والحاكم.

[5] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة باب الصلاة على النبي بعد التشهد (1/306).

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply