محمد بن جرير الطبري


 

بسم الله الرحمن الرحيم

عملاق من الرجال أجبر ذاكرة التاريخ على المثول أمامه، لتلتقط علومه الفريدة، وأعماله الخالدة، ومصنفاته الباهرة، والتي أصبحت فيما بعد منارة للعلماء، ونبعاً ثرياً لرجال الفكر والمعرفة.

 

ولادته ونشأته:

إنه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ولد في آخر سنة 224 هـ أو في مطلع سنة 225 هـ.

وكانت ولادته(بآمُل)عاصمة إقليم طبرستان ـ وتقع جنوب بحر قزوين ـ وهو متسع ممتد تشغل الجبال أكثر مساحته، وتعتبر (آمُل) أكبر مدينة في سهله، وهي كثيرة المياه، متهدلة الأشجار متنوعة الثمار، وقد فُتح هذا الإقليم في عهد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه -.

 

وفي هذه البيئة السهلة اللينة، المتمردة العاصية، التي تجمع بين الجبال الشاهقة والسهول المنبسطة، نشأ محمد بن جرير الطبري، وما كاد يبلغ السن التي تؤهله للتعليم، حتى قدمه والده إلى علماء آمل. وشاهدته دروب المدينة ذاهباً آيباً يتأبط دواته وقرطاسه.

 

وسرعان ما تفتح عقله، وبدت عليه مخايل النبوغ والاجتهاد، حتى قال عن نفسه: \" حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا في التاسعة \".

 

وقد رأى أبوه رؤيا في منامه أن ابنه واقف بين يدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعه مخلاة مملوءة بالأحجار، وهو يرمي بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقص الأب على مُعَبِّرٍ, رؤياه فقال له: \" إن ابنك إن كبر نصح في دينه وذبَّ عن شريعة ربه \".

 

رحلته في طلب العلم:

أول رحلة كانت إلى الرَّي فأخذ عن محمد بن حميد الرازي، ثم رحل به والده بعد سنوات قليلة من تحصيله لبعض العلوم الشرعية وكانت هذه الرحلة إلى بغداد حيث بها إمام أهل السنة والجماعة، والعالم الذي أطبقت شهرته الآفاق، أحمد بن حنبل - رحمه الله - إلا أن الأقدار لم تحقق للولد أمنيته فقد مات العالم الجليل قبل أن يصل محمد بن جرير إلى بغداد، فانصرف عن بغداد، واتجه إلى البصرة وهي موطن العلم ومهبط القضاء، فجلس بين يدي علمائها، وأخذ عن شيوخها كمحمد بن بشار المعروف ببندار، ومحمد بن الأعلى الصنعاني، وغيرهم حيث كتب فيها عن إسماعيل بن موسى الفزاري (توفي سنة 245 هـ)، وهناد بن السري الدارمي (توفي سنة 243 هـ)، وأبي كريب محمد بن العلاء الهمذاني (توفي سنة 248 هـ)، ثم انتقل إلى واسط، ثم الكوفة، ثم رجع إلى بغداد مرة أخرى، وكان قد صلب عوده واستقام فكره، فأقام بها حيناً من الزمان ثم إنه فكر في الرحيل إلى مصر، فوصل إليها ستة 253 هـ، وهناك اجتمع بمحمد بن إسحاق بن خزيمة، العالم المؤرخ، حيث قرأ عليه كتابه في السيرة، وأخذ عن شيوخها، كيونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان صاحب الشافعي - رحمهما الله - وإسماعيل بن يحيى المزني، وغيرهم.

وعاد أبو جعفر إلى بغداد بعد رحلة طويلة، وانقطع للدرس والتأليف

وقد شغله كل ذلك عن أن يتزوج أو أن ينشغل بمطالب الحياة، فعاش عَزَباً - رحمه الله -. يقول الطبري عن نفسه: \" ما حللت سراويلي على حرام ولا حلال قط \".

نعم …… كان - رحمه الله - عفيفاً في نفسه منضبطاً في أخلاقه، وكان يرفض دائماً هدايا الوزراء والحكام مترفعاً عن قبول نفحات السلاطين.

ويذكر المؤرخون أن الخاقاني لما تقلد الوزارة، أرسل إلى ابن جرير مالاً كثيراً فأبى أن يقبله، فعرض عليه القضاء فامتنع، فعاتبه أصحابه وقالوا له: لك في هذا ثواب، وتُحي سنةً قد دَرَسَت، وطمعوا أن يستجيب لهم ويقبل ولاية المظالم، فانتهرهم قائلاً: \" لقد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه \" فخجلنا منه.

وهكذا عاش الطبرى راهبا في محراب العلم والعمل حتى جاءته الوفاة ولا رآد لأمر الله.

قال الخطيب: \" واجتمع عليه - حال الجنازة - من لا يحصيهم عدداً إلا الله، وصُلِّي على قبره عدة شهور ليلاً ونهاراً، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب \"، وكان ذلك في شوال سنة 310 هـ.

 

مرتبته العلمية:

كان ابن جرير - رحمه الله - عالماً فاضلاً ومفكراً إسلامياً جليلاً، شغف منذ صباه بالعلم ووهبه جُلَّ حياته، وقصر عليه أيامه ولياليه.

حدث عن نفسه فقال: \" جاءني يوماً رجل فسألني عن شيء في علم العروض، ولم أكن نشطت له قبل ذلك، فقلت له: إذا كان غداً فتعال إلىَّ \"، وطلب سِفرَ العروض للخليل بن أحمد، فجاءوا له به فاستوعبه وأحاط بقواعده وكلياته في ليلة واحدة، يقول: \" فأمسيت غير عروضي، وأصبحت عروضياً \".

ولكثرة تعمقه في العلوم الشرعية، صار مجتهداً في الفقه صاحب مذهب بعد أن كان على مذهب الشافعي - رحمه الله -.

يقول أبو محمد عبد العزيز بن محمد الطبري، أحد تلاميذه: \" كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ على ما لا يجهله أحد عرفه، لأنه جمع من علوم الإسلام ما لا نعلمه اجتمع لأحد من الأمة، ولا ظهر من كتب المصنفين، وانتشر من كتب المؤلفين ما انتشر له \".

ووصفه الخطيب بقوله: \" كان إماماً يُحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، وكان عالماً بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام \".

وذكر الخطيب في تاريخه أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب كل يوم منها أربعين ورقة.

وقال أبو حامد الإسفراييني \" لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيراً \".

وقال عنه الذهبي - رحمه الله -: كان ثقة حافظاً صادقاً، رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ و أيام الناس، عارفاً بالقراءات، واللغة، وغيرها.

وما ذكرناه غيض من فيض من كلام العلماء وثناءهم على ابن جرير، وإن كانت كتبه تغنيه عن شهادات الشهود، وما بقى فيها يدل على أنه كان من أفذاذ الموسوعيين في العالم، وحسبنا من تواليفه تاريخه وتفسيره.

 

الطبري وكتابه جامع البيان في تأويل آي القرآن:

قال السيوطي في الإتقان: \" وكتابه أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين \"

أ. هـ.

وقال النووي: \" أجمعت الأمة على أنه لم يُصنَّف مثل تفسير الطبري \"

وقد حوى ابن جرير جميع تراث التفسير الذي تفرق قبله في كتب صغيرة منذ عصر عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري.

 

مصادره:

والطابع المميز لتفسير الطبري اعتماده على المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى آراء الصحابة والتابعين، ثم أضاف إلى التفسير بالمأثور ما عرف في عصره من نحو وبلاغة وشعر، كما رجع إلى القراءات وتخير منها ورجح ما تخيره، وعرض كثيراً من آراء الفقهاء في مناسباتها، ورجح ما رآه موافقاً للدليل، وكذلك استعان بكتب التاريخ فنقل عن ابن إسحاق وغيره.

 

منهجه في التفسير:

1. اتبع طريقة الإسناد في سلاسل الروايات، لذا كان تفسيره سجلاً لما أثر من آراء، وغالباً ما يلخص الفكرة العامة... ويعقب عليها بذكر الروايات التي قد تختلف في التفصيل والإيجاز.

2. تجنب التفسير بالرأي. وعقد فصلاً في مقدمة كتابه، ذكر فيه بعض الأخبار التي رويت بالنهى عن القول بالتفسير بالرأي، والتزم هذا الأسلوب في كتابه... حيث أنحى باللائمة على القول بالرأي ومما يزيد ذلك ما جاء في تفسيره: (فقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يدرك علمه إلا ببيان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى جعل إليه بيانه، قائل بما لا يعلم وإن وافق قيله ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه، لأن القائل فيه بغير علم قائل على الله ما لا علم له.

3. دقة الإسناد: كان - رحمه الله - أميناً دقيقاً في ذكر السند وفي تسجيل أسماء الرواة، لأنه اتصل بكثير من العلماء وسمع منهم، فإذا كان قد سمع هو وغيره قال: حدثنا... وإذا كان قد سمع وحده قال حدثني...

وإذا نسي واحداً من سلسلة الرواية صرَّح بنسيان اسمه.

4. الاستعانة بعلم اللغة: هذا وقد مكنه علمه باللغة وأساليب استعمالها أن يفضل معنىً للكلمة على معنىً آخر تحتمله، ومن ذلك قوله: وقال - تعالى -: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً} … {الفرقان: من الآية61} يعني بالبروج القصور... وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هي قصور في السماء، لأن ذلك في كلام العرب. ومنه {وَلَو كُنتُم فِي بُرُوجٍ, مُشَيَّدَةٍ,} … {النساء: من الآية78}ومنها قول الأخطل لعنه الله:

كأنها برج رومي يشيده بان بجص وآجر وأحجار

5. الإكثار من الأحاديث النبوية: وكان يكثر من الأحاديث النبوية، لأنه درس الحديث على كبار المحدثين في عصره، وفي مقدمتهم علماء طبرستان.

6. الاستشهاد بالشعر: وكثيراً ما اعتمد على الشعر في بيان المراد من الكلمة، تارة يذكر اسم الشاعر وأخرى يغفله مكتفياً بالشعر.

7. تسجيل القراءات: عرض وجوه القراءات ورجح ما ارتضاه لأنه كان عالماً بالقراءات ومؤلفاً فيها... وله أيضاً عناية بتفصيل مذاهب النجاة في كثير من المواضع ليجلو المعنى.

8. مناقشة الآراء الفقهية: للطبري كتاب اختلاف الفقهاء... فهو فقيه دارس للمذاهب كلها، بل ومجتهد صاحب مذهب اختاره لنفسه... ومن البداهة أن يعرض للآراء الفقهية ويناقشها في مناسباتها من آيات الأحكام... وينتهي في مناقشة كل منها إلى ما يستصوبه... وكان يعرض لآراء المتكلمين ويسميهم أهل الجدل ويناقشها ويصوب الرأي السلفي الذي يدين به.

والإدلاء برأيه بعد المناقشة سمة ظاهرة في تفسيره... فكان يرفض ويعلل لرفضه وكان يرجح ويدلل على ترجيحه... وكان يؤيد ويبرهن على تأييده.

9. وإذا كان تفسير ابن جرير من أجل التفاسير، بالمأثور وأعظمها قدراً، فلم سمّى كتابه جامع البيان عن تأويل القرآن؟! ولم يستعمل كلمة تفسير بل تأويل.

والجواب أن التأويل الذي يريده الطبري هو التفسير كما يتضح من خصائص تفسيره،

فاللفظان: التفسير والتأويل مترادفان عنده، وهما بمعنى الكشف عن ألفاظ القرآن والتوضيح

لمعانيه ومراميه.

فالتفسير لغة: كشف المراد عن اللفظ المشكل وأصله من الفَسر، وقيل هو مقلوب: السَّفر، أسفر الصبح إذا أضاء.

وقيل التفسير أعم من التأويل.

فالتفسير بيان العبارة القرآنية من مفردات وجمل بياناً كاشفاً لحقيقة المعنى على حسب المتعارف عليه من أساليب العرب في كلامهم وخطابهم إما حقيقة وإما مجازاً، سواء كان المعنى متبادراً بالاستعمال، كتفسير الصراط بالطريق والصيب بالمطر، أو غير متبادر كتفسير {أُخفِيهَا} في قوله {أَكَادُ أُخفِيهَا} … {طـه: من الآية15} بمعنى أظهرها.

والتأويل اجتهاد المفسر في ترجيح المقصود من المعاني المختلفة التي يحتملها اللفظ فكأن التأويل: إخبار عن حقيقة المراد كقوله - تعالى -: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرصَادِ} … {الفجر: 14}

، تأويله: التحذير من التهاون بأمر الله أو الوعيد [لمن يخالف أمر الله] بينما تفسير: {لَبِالمِرصَادِ} أنه من أرصد، يقال: أرصدته أي رقبته، والمرصاد مفعال...

و بالجملة: فالطبري رأس المفسرين على الإطلاق، وأنه جمع في تفسيره بين الرواية والدراية ولم يشاركه في ذلك أحد من قبله ولا من بعده.

وإذا كان يؤخذ عليه أنه يذكر سلاسل الروايات من غير بيان وتمييز لصحيح هذه الروايات من ضعيفها فلأنه على ما يظهر أنه من المؤلفين الذين يرون أن ذكر السند يخلي المؤلف من المؤاخذة والتبعة ولو لم ينص على درجة الرواية.

رحم الله الطبري رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جناته بخدمته الإسلام والمسلمين.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply