وليعفوا وليصفحوا ..
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. سلسلة مقالات
  4. التراجم
  5. وليعفوا وليصفحوا ..
وليعفوا وليصفحوا ..

وليعفوا وليصفحوا ..

تاريخ النشر: 27 شوال 1428 (2007-11-08)
  

بسم الله الرحمن الرحيم

عن أبي هريرة عن رسول الله قال: \"ما نقصت صدقة من مالٍ,، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله\". [رواه مسلم]

 

معـــاني الألفاظ:

- ما نقصت صدقة من مال: معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، ومعنى آخر: أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المترتب عليه جبر لنقصه ومضاعفة له.

 

وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً: من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزّه وإكرامه في الدنيا والآخرة.

 

وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله: يجلّ مكانه وقدره ويجعل له في قلوب الناس منـزلة ويعلي درجته في الدنيا والآخرة.

 

أحكام فقهية ودروس مستفادة من الحديث:

1- المال الذي تخرج صدقته يبارك الله فيه.

2- العفو والصفح يزيد العبد عزّة وكرامة في الدنيا والآخرة.

3- العفو والصفح منـزلة رفيعة لا يصلها إلا من بلغ مرتبة الإحسان، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

4- العفو والصفح من أهم أسباب انقياد الرعية للراعي وبقاء الملك.

5- الحث على العفو والمسامحة في جميع المعاملات إلا في الحدود والتزام محارم الله - تعالى -.

6- التواضع وعدم التكبر والإعجاب بالنفس من أسباب الرفعة وعلوّ الشأن.

7- التواضع يزيد الإنسان محبة في قلوب الناس، وهو من أسباب الألفة والمودة.

8- الحث على الاقتداء بسنة رسول الله  لأنه الأسوة الحسنة المبعوث رحمة للعالمين والداعي إلى مكارم الأخلاق.

 

فاعفوا واصفحوا:

العفو أقرب للتقوى، والصفح أكرم في العقبى، والترك أحسن في الذكرى، والمنٌّ أفضل في الآخرة والأولى. وهو أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة. ومعناه أن تستحق حقاً فتسقطه وتؤدي عنه قال - تعالى - في وصف المتقين وأعمالهم: ]الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين[[آل عمران: 134].

 

ولا بد لمن ولاّه الله أمر جماعة أو أمة من قائد أو أمير أو زعيم أن يتحلى بـهذا الخلق لكي تستقيم له الأمور وتنقاد له الرعية بالسمع والطاعة، قال الله - تعالى - مخاطباً نبيه - عليه الصلاة والسلام -: ]فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين[[آل عمران: 159]. قال العلامة السعدي في تفسير الآية المذكورة[1]:

 

\"فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدنيا تجذب الناس إلى دين الله وترغبهم فيه مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص. والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول فكيف بغيره. أليس من أوجب الواجبات وأهم المهمات الاقتداء بأخلاقه الكريمة ومعاملة الناس بما كان يعاملهم به  من اللين وحسن الخلق والتألف امتثالاً لأمر الله وجذباً لعباد الله لدين الله. ثم أمره - تعالى - بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه ، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله فيجمع بين العفو والإحسان\". اهـ.

 

وفي نطاق الدعوة إلى الله ومعاملة أهل الكتاب، أمر - سبحانه وتعالى- المؤمنين بالعفو والصفح بعد أن بين كيد الكفار وخيانتهم فقال: [ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير][البقرة: 109]. وقد جاء أمر الله بأن قذف الرعب في قلوبـهم وخرّبوا بيوتـهم بأيديهم وأخرجهم من ديارهم وأمر المؤمنين بجهادهم. كل هذا بسبب فسادهم وانحرافهم عن أمر الله.

 

وقال - تعالى -: [ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلاً منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين][المائدة: 13]. إذ العفو والصفح هو عين النصر والظفر كما قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وبـهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق ولعل الله يهديهم، ولهذا قال - تعالى -: [إن الله يحب المحسنين]أي بالصفح عمن أساء إليك[2].

 

فالعفو والصفح إذاً هو الطريق الموصل لتحقيق القاعدة الربانية: \"العاقبة للمتقين\".

وفي مجال العقوبات قال - تعالى -: [وجزاء سيئةٍ, سيئةٌ مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله إن الله لا يحب الظالمين][الشورى: 40] وقال - تعالى -: [ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأموري[الشورى: 43]. وقال - تعالى -: [لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً عليماً. إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً][النساء: 148-149]. وقال - تعالى -: [والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له][المائدة: 45]. وقال - تعالى -: [وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين][النحل: 126].

 

وفي المعاملة الزوجية في حال الطلاق والفراق حث على العفو والمسامحة فقال - تعالى -: [وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم][البقرة: 237].

 

وخلاصة القول في هذا: إن أوثق عرى الروابط الاجتماعية وأدعاها للتماسك والألفة مبناها على العفو والصفح، وهذه الصفة لا ينالها إلا أصحاب الحظوظ العظيمة والقلوب السليمة التي يعمرها الإيمان بالله - عز وجل -، وأولئك هم المحسنون. قال - تعالى -: [ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم][فصلت: 34-35].

 

وفي الحديث:

- عن عقبة بن عامر قال: \"لقيت رسول الله  فابتدأته فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال: يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك\"[3].

 

- وعن أبي عبد الله الجدلي قال: \"سألت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق رسول الله  فقالت: لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح\"[4].

 

- وعن مالك بن نضلة الجشمي قال: \"قلت يا رسول الله الرجل أمرٌّ به فلا يقريني ولا يضيفني، فيمرٌّ بي أفأجزيه قال: لا، أقره. قال: ورآني رث الثياب، فقال: هل لك من مال، قلت من كل المال قد أعطاني الله، من الإبل والغنم، قال: فليُرَ عليك\"[5].

 

- وعن عبد الله بن عمر قال: \"جاء رجل إلى النبي  فقال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم؟ فصمت النبي عنه النبي ، ثم قال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم؟ قال: كل يوم سبعين مرة\"[6].

 

- وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: \"قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلةٍ, ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني\"[7].

 

- وعن عبد الله بن عمرو عن النبي  قال: \"ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويلٌ لأقماع القول، ويلٌ للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون\"[8].

 

وفي سيرة النبي - عليه الصلاة والسلام - مواقف كثيرة يتجلى فيها عفوه وصفحه عمن آذاه وأساء إليه، منها عفوه عمن آذاه من أهل مكة الذين كادوا له وأخرجوه منها، فلما جهز الجيش لفتح مكة وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة فلما مرّ بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشاً، فلما بلغ رسول الله  ما قاله سعد قال : بل اليوم يوم المرحمة، اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً، ثم أرسل إلى سعد فنـزع منه اللواء ودفعه إلى ابنه قيس\"[9].

 

صور من العفو عند السلف: الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.

- قصة الإفك مذكورة في سورة النور، ومعروفة ومشهورة وثابتة في الأحاديث الصحيحة، وكان مسطح بن أثاثة ممن خاضوا في حديث الإفك على عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -، فلما نزلت براءة عائشة في القرآن الكريم ونزلت براءتـها من فوق سبع سماوات، حلف أبو بكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح بعد ما رمى عائشة بالإفك ظلماً وزوراً، فأنزل الله - تعالى - في ذلك: [ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفورٌ رحيم][النور: 22].

 

- قال أبو عمر بن عبد البر: روينا أن جارية لصفية أتت عمر بن الخطاب فقالت: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت قالت: الشيطان، قالت: فاذهبي فأنت حرة\"[10]

 

- أخذ مصعب بن الزبير رجلاً من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه، فقال: أيها الأمير ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك الحسنة هذه، ووجهك هذا الذي يستضاء به فأتعلق بأطرافك وأقول: أي ربِّ سل مصعباً فيم قتلني. قال: أطلقوه قال: اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض، قال: فأعطوه مائة ألف. قال: بابي أنت وأمي، أشهد الله أن لابن قيس الرقيات خمسين ألفاً، قال: ولم؟ قال: لقوله فيك:

 

إنما مصعب شهاب من اللَّـ *** ـه تجلت عن وجهه الظلماء

 

ملكه ملك رحمة ليس فيه *** جبروت يخشى ولا كبرياء

 

يتقـي الله في الأمـور وقــد *** أفلـح مـن كـان همّـه الاتقـاء

 

فضحك مصعب وقال: أرى فيك موضعاً للصنيعة، وأمره بلزومه وأحسن إليه، فلم يزل معه حتى قتل\"[11].

 

- امتحن الإمام أحمد بن حنبل وعذب في عهد ثلاثة من الخلفاء العباسيين في مسألة القول بخلق القرآن التي تبناها المعتزلة وحملوا الناس على القول بذلك، لكن الإمام أحمد - رحمه الله - صبر حتى انجلت تلك المحنة وظهر الحق وخذل الباطل قال الإمام أحمد بعد ذلك: \"كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعاً، وقد جعلت أبا إسحاق يعني المعتصم في حلّ ورأيت الله يقول: ]وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم[. وأمر النبي  أبا بكر بالعفو في قصة مسطح. قال أبو عبد الله: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم بسببك\"[12].

 

- قال ابن قيم الجوزية - رحمه الله - في معرض ثنائه على شيخ الإسلام وبيان عفوه وصفحه قال: \"جئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزّاهم وقال: إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، فسرّوا به ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، ف- رحمه الله - ورضي عنه\"[13].

 

ثم هذا هو الحجاج الذي تكلم العلماء عن ظلمه وفجوره وفسقه تؤثر عنه بعض الوقائع في العفو. فعن الأصمعي عن عثمان الشحام قال: \"أتي الحجاج بالشعبي فقال له: أخرجت علينا يا شعبي. قال: أجدب بنا الجناب وأحزن بنا المنـزل واستسهلنا الخوف واكتحلنا السهر وأصابتنا خزية لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء. فقال الحجاج: لله أبوك. ثم أرسله\"[14].

 

فأين هذه الأخلاق والصفات من واقع أناس في هذا الزمان يلبسون جلود الضأن ويحملون قلوب الذئاب، وقد أدمنت في قلوبـهم كوامن الإحن واندفنت فيها أواحن الضغن وثوت فيها حفائظ الغل ونبتت عليها حسائك الحقد، وعبسوا وبسروا وأدبروا واستكبروا.

 

أليس من الواجب على من يزعم العروبة فضلاً عن الإسلام أن يمتثلوا قول الشاعر العربي فيتحلون بنصيب من كلامه حيث قال:

 

وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا

 

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

 

ولا أحمـل الحقـد القـديم عليـهم وليس رئيس القـوم من يحمل حقدا

 

 

 

ما قيل في مدح العفو:

- قال المهلب بن أبي صفرة: ما شيء أبقى للملك من العفو. خير مناقب الملك العفو.

 

- وخطب خالد بن عبد الله القسري بواسط فقال: إن أكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظم الناس عفواً من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل عن قطيعة.

 

- وقال المنتصر بالله عندما عفا عن أبي العمرّد الشاري: لذة العفو أعذب من لذة التشفي، وأقبح فعال المقتدر الانتقام.

قال - تعالى -: [وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين][آل عمران: 133-134].

وقال - تعالى -: [ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم][فصلت: 34].

 

----------------------------------------

[1] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.

[2] انظر تفسير الآية (13) من سورة المائدة في تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

[3] مسند الإمام أحمد بتحقيق حمزة الزين. رقم الحديث 17267.

[4] رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. أبواب البر والصلة. باب ما جاء في خلق النبي .

[5] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. أبواب البر والصلة. باب ما جاء في الإحسان والعفو.

[6] رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب. أبواب البر والصلة. باب العفو عن الخادم.

[7] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. أبواب الدعوات. رقمه في تحفة الأحوذي 3744.

[8] رواه الإمام أحمد في المسند.

[9] انظر \"الرحيق المختوم\" لصفي الرحمن المباركفوري ص 402.

[10] نقلاً عن سير أعلام النبلاء للذهبي 2/231.

[11] عيون الأخبار لابن قتيبة 1/103.

[12] سير أعلام النبلاء، ترجمة الإمام أحمد بن حنبل 11/177.

[13] تـهذيب مدارج السالكين ص 437.

[14] عيون الأخبار لابن قتيبة 1/104.

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات