حركة أحمد بن عرفان الشهيد ( 1201 - 1246هـ ) ( 1786 - 1831م )
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. سلسلة مقالات
  4. التراجم
  5. حركة أحمد بن عرفان الشهيد ( 1201 - 1246هـ ) ( 1786 - 1831م )
حركة أحمد بن عرفان الشهيد ( 1201 - 1246هـ ) ( 1786 - 1831م )

حركة أحمد بن عرفان الشهيد ( 1201 - 1246هـ ) ( 1786 - 1831م )

تاريخ النشر: 27 شوال 1428 (2007-11-08)
  

بسم الله الرحمن الرحيم

كانت الثمار العملية لجهود الإمام ولي الله الدهلوي العلمية والتربوية على يد أبنائه وأحفاده وتلامذته، فقاموا بنشر السنة وإحياء تعاليم الإسلام في كل أرجاء الهند كان للإمام الدهلوي أربعة أنجال، كلهم طلبوا العلم وهم: عبد العزيز، رفيع الدين، عبد القادر، عبد الغني، إلا أن أكبرهم عبد العزيز كان أكثرهم علمًا وتدريسًا وتأليفًا، وقد انتفع به خلق كثير، وظهر في الهند علماء متضلعون من علوم الشريعة.

كانت نهضته علمية لم يسبق للهند أن عرفتها على مدى أزمان متطاولة، واقتفى الشيخ عبد العزيز أثر والده في الاهتمام بالقرآن والحديث ومحاربة البدع والشرك، والاهتمام بأمر المسلمين خاصة وقد وقعت الهند تحت الاحتلال الإنكليزي. ويكفي أن نعلم أن مشاهير علماء الحديث كالشيخ المباركفوري شارح سنن الترمذي والمحدث نذير حسين هم من مدرسة الشيخ عبد العزيز، كما أن من مآثره الجليلة تأليفه لكتاب (التحفة الاثنا عشرية) الذي قاوم فيه فتنة التشيع، وفتنة الفوضى العقلية والفكرية المنتشرة في المجتمع الإسلامي في الهند وفي عهد الشيخ عبد العزيز استطاعت شركة الهند الشرقية الإنكليزية أن تتسلم حكم أجزاء كبيرة في الهند، وقد قاوم هذا التدخل أمراء اشتهروا بالحمية والشجاعة، ولكن قوة الإنكليز تغلبت في النهاية. كان الشيخ يرى هذه الأوضاع، ويرى هذا التغير، وأصدر فتواه الشهيرة بأن الهند أصبحت (دار الحرب) يقول: «إن حكم إمام المسلمين في هذه المدينة (دلهي) غير نافذ، والكفار أصحاب حكم وسلطة في شؤون إدارة البلاد وتنظيم الرعية والفصل في الخصومات، وإن كانوا لا يتعرضون لبعض الأحكام الإسلامية كإقامة الجمعة والعيدين.. » ـ أبو الحسن الندوي: الإمام الدهلوي/287 ـ.

كان من نتائج هذه المدرسة، وهذا الانتشار الواسع للعلم الشرعي وهذه النظرة الصائبة لحكم الإنكليز، كان من نتائج هذا أن ظهرت الحركة التربوية الجهادية التي استطاعت لفترة في الزمن أن تطبق شرع الله في الجزء الشمالي الغربي في الهند، وأن تبدأ الجهاد لتحرير الهند في الإنكليز وفي عصابات (الشيخ) وقاد هذه الحركة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد والشيخ إسماعيل بن عبد الغني حفيد ولي الله الدهلوي، وهي حركة كبرى جديرة بأن تسجل كأكبر المحاولات التجديدية في القرن الثالث عشر الهجري، يقول العلامة صديق حسن خان (1307هـ).

«كان السيد أحمد الشهيد آية في آيات الله في هداية الخلق، وقد طهرت مواعظ خلفائه وخطبهم أرض الهند من الشرك والبدع... »

ولد الشيخ أحمد بن عرفان في بلدة (رأي بريلي) التابعة لمدينة (لكنو) وهو ينتسب في جهة جده لأمة إلى أسرة عريقة في العلم والإمارة، وفي صغره لم يرغب في طريقة التعلم التقليدية كما أراد له والده، وكان ولوعًا منذ صباه بالألعاب والفروسية، وبدا عليه مبكرًا الاهتمام بشؤون الناس والانهماك في الذكر والعبادة، غادر بلدته إلى (لكنو) للعمل، ودخل في سلك الجندية، ثم ترك ذلك وهاجر إلى دلهي لسماع دروس الشيخ عبد العزيز الدهلوي، وهنا أخذ حظًا وافرًا من العلم والمعرفة، وفاق أقرانه، ثم غلب عليه حب الجهاد، فذهب إلى معسكر الأمير المجاهد نواب ميرخان، وخاض معه حروبًا دامية، ولكن وجده يقنع بالمغانم فتركه وعاد إلى دلهي وقام بنشر السنة والطريقة السلفية، والتف الناس حوله وقام معه الشيخ إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي (1193 ـ 1246) هـ وهو الذي ألف كتاب (الإيضاح) شرح فيه السنة والبدعة، وهو مؤلف كتاب (الصراط المستقيم).

وقام هذان الشيخان بجولات في المدن والقرى للدعوة وبيان السنة وكان أثرها كبيرًا، وفي سنة 1241هـ عزم الشيخ أحمد بن عرفان على الهجرة والجهاد، خاصة عندما سمع بأخبار ما يفعله (السيخ) بالمسلمين في مقاطعة البنجاب، وأعلن للناس أنه عازم على ذلك، وشاع حديث الجهاد وحدا بالناس حادي الشوق، وتسابق الآباء والأبناء، وكانت خطة الشيخ أن يهاجر في منطقة نفود الإنكليز، ويستعين بالقبائل الأفغانية وأهل البنجاب التي يتمتع أهلها بالأنفة والفروسية ومن هنا يزحف على الهند التي أصبحت مطية للإنكليز.

اتجه موكب الجهاد غربًا باتجاه السند، ثم بلوشستان فأفغانستان وقد لاقوا في الطريق أهوالاً ومشاقـًا تغلبوا عليها بإيمانهم وصبرهم وفي (قندهار) و (كابل) استقبل الشيخ أحمد بحفاوة بالغة، وتكلم مع أمراء الأفغان وقصده توحيد الصف الإسلامي لمقاومة الإنكليز ثم توجه الشيخ إلى بشاور ثم إلى (نوشهرة) حيث استقر هناك وأسس أول معسكر للمجاهدين عام 1242هـ 1826م ومن هذا المعسكر أرسل الرسائل لزعماء القبائل يدعوهم فيها إلى الالتزام بأحكام الشرع والمساعدة على إقامة فريضة الجهاد وأرسل إلى حاكم بنجاب السيخي (رنجيت سنغ) يدعوه للإسلام ولكنه قابل هذه الدعوة بسخرية، وظن أنه شيخ له أطماع دنيوية.

استجاب للشيخ أحمد كثير من الناس والأمراء وجاءه المتطوعون في الهند وفيهم كبار العلماء، وفي يوم الخميس 12 جمادي الآخرة سنة 1242 هـ اجتمع العلماء والأمراء ورؤساء القبائل وبايعوا الشيخ أحمد بن عرفان على السمع والطاعة في المعروف واختاروه أميرًا لهم وذاق الناس حلاوة الحكم الإسلامي، فانتشر الأمن وعم الرخاء وساد الإخاء، فقد نُصب في كل قرية قاضي ومفتي وصاحب حسبة، وجباة يجمعون الزكاة، وأزيلت المنكرات والعادات الجاهلية، وأرسل الأمير السرايا والجيوش للأماكن القريبة، وانتصر على السيخ في معركة (أكورة) بالقرب من بشاور، وبث الدعاة للوعظ والإرشاد والدعوة للجهاد.

حاول حاكم بنجاب ملاينة الشيخ أحمد فأرسل الهدايا وأطمعه بإمارة مستقلة ولكن هيهات والشيخ إنما يريد إعلاء كلمة الله. كانت العقبة الكبرى التي واجهها الشيخ هي أمراء بشاور الذين لا يهمهم إلا بقاؤهم في الحكم وبقاء صلتهم الودية مع ملك البنجاب، ومع أن معسكر الجهاد انتصر عليهم وفُتحت بشاور، واستبشر الناس خيرًا، بإقامة شرع الله، إلا أن زعماء القبائل لا يروق لهم التنازل عن عاداتهم الجاهلية وإقامة العدالة الإسلامية، وحكام بشاور من أمراء الأفغان يريدون استمرار ظلمهم وعدوانهم، فدبروا مؤامرة لقتل القضاة والعلماء والدعاة الذين كلفوا بمهماتهم من قبل الشيخ أحمد بن عرفان كما استطاع الإنكليز التلاعب بعقول بعض المشايخ الذين كتبوا بمحاربة السيد أحمد بن عرفان لأنه (وهابي) بزعمهم، وكان جرح عميق قطع كل أمل في هذه المنطقة، وقرر أمير الجهاد ترك هذه البلاد واتجه بجيشه وإخوانه إلى كشمير، ولم ينس الشيخ في طريقه تذكير وتعليم أهل القرى التي مَرَّ بها، وفي قرية جبلية اسمها (بلاكوت) كانت معركة فاصلة مع السيخ، مع دولة لاهور التي آذت المسلمين كثيرًا، في هذه القرية وزع الشيخ فرق الجهاد واستعد للمعركة، ودعا دعاء طويلاً، وطلب من الناس التوبة والاستغفار ثم لبس ملابس الحرب وفي صباح يوم 24 ذي القعدة 1246هـ صلى السيد بالناس ثم نزل إلى الميدان ومعه إخوانه يحيطون به والقنابل تنهمر عليهم، استشهد عدد كبير منهم واستشهد السيد أحمد بن عرفان واستشهد الشيخ إسماعيل الدهلوي.

وفي (بلاكوت) انطوت صفحة عظيمة من الجهد والجهاد والدعوة إلى السنة وتطبيق الإسلام، كانت محاولة صادقة جادة لم تكتمل، رحم الله تلك النفوس الكبيرة التي دفنت في (بلاكوت) لقد مات الشهيدان العبدان ولكن الأثر الذي خلفه الإمامان لم يمت، كانت دعوة لإحياء الدين والعودة إلى عزة الإيمان.

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات