بغداد بين سقوطين
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. سلسلة مقالات
  4. التاريخ
  5. بغداد بين سقوطين
بغداد بين سقوطين

بغداد بين سقوطين

التصنيف: تاريخ
تاريخ النشر: 27 شوال 1428 (2007-11-08)
 

بسم الله الرحمن الرحيم

ظهور التتار

ظهرت قوة التتار في أوائل القرن السابع الهجري، وحتى نفهم الظروف التي نشأت فيها هذه القوة لابد من إلقاء نظرة على واقع الأرض في ذلك الزمان..

 

الناظر إلى الأرض في هذا الوقت يجد أن القوى الموجودة في ذلك الزمان كانت عبارة عن قوتين رئيسيتين:

 

أما القوة الأولى فهي قوة أمة الإسلام:

المساحات الإسلامية في هذا الوقت كانت تقترب من نصف مساحات الأراضي المعمورة.. كانت حدود البلاد الإسلامية تبدأ من غرب الصين وتمتد عبر أسيا وأفريقيا لتصل إلى غرب أوروبا حيث بلاد الأندلس.. وهي مساحة شاسعة للغاية.. لكن للأسف الشديد فإن وضع العالم الإسلامي كان مؤسفاً جداً.. فمع المساحات الواسعة من الأرض، ومع الأعداد الهائلة من البشر، ومع الإمكانيات العظيمة من المال والمواد والسلاح والعلوم.. إلا أنه كانت هناك فرقة شديدة في العالم الإسلامي، وتدهور كبير في الحالة السياسية لمعظم الأقطار الإسلامية.. والغريب أن هذا الوضع المؤسف كان بعد سنوات قليلة من أواخر القرن السادس الهجري حيث كانت أمة الإسلام قوية منتصرة متوحدة، ولكن هذه سنة ماضية.. وتلك الأيام نداولها بين الناس..

 

ولنلق نظرة على العالم الإسلامي في أوائل القرن السابع الهجري..

1ـ الخلافة العباسية: كانت قد ضعفت جداً حتى أصبحت لا تسيطر حقيقة إلا على العراق، وتتخذ من بغداد عاصمة لها منذ سنة 132 هجرية.. وحول العراق عشرات من الإمارات المستقلة استقلالاً حقيقياً عن الخلافة، وإن كانت لا تعلن نفسها كخلافة منافسة للخلافة العباسية.. فتستطيع أن تقول أن الخلافة العباسية كانت صورة خلافة وليست خلافة حقيقية..

وكان يتعاقب على حكم المسلمين في العراق خلفاء من بني العباس.. حملوا الاسم العظيم الجليل: الخليفة، ولكنهم ما اتصفوا أبداً بهذا الاسم، ولا حتى رغبوا في الاتصاف به.. فلم يكن لهم من هم إلا جمع المال، وتوطيد أركان السلطان في هذه الرقعة المحدودة من الأرض، ولم ينظروا نظرة صحيحة أبداً إلى وظيفتهم كحكام.. لم يدركوا أن من مسؤولية الحاكم أن يوفر الأمان لدولته، ويقوي من جيشها، ويرفع مستوى المعيشة لأفراد شعبه، ويحكم في المظالم، ويرد الحقوق لأهلها، ويجير المظلومين، ويعاقب الظالمين، ويوحد الصفوف والقلوب، ويقيم حق الله - عز وجل - على العباد، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدافع عن كل ما يتعلق بالإسلام.. لم يدركوا هذه المهام الجليلة للحاكم المسلم، إنما كان كل همهم هو الاستمرار أطول فترة ممكنة في كرسي الحكم، وتوريث الحكم لأبنائهم، وتمكين أفراد عائلتهم من رقاب الناس، وكذلك كانوا يحرصون على جمع الأموال الكثيرة، والتحف النادرة، ويحرصون على إقامة الحفلات الساهرة، وسماع الأغاني والموسيقى واللهو والطرب.

حياة الحكام كانت حياة لا تصلح أن تكون لفرد من عوام المسلمين فضلاً عن أن تكون لحاكم أمة الإسلام..

لقد ضاعت هيبة الخلافة.. وتضاءلت طموحات الخليفة!..

كانت هذه هي الخلافة العباسية في أوائل القرن السابع الهجري..

2ـ مصر والشام والحجاز واليمن: كانت هذه الأقاليم في أوائل القرن السابع الهجري في أيدي الأيوبيين أحفاد صلاح الدين الأيوبي، ولكنهم للأسف لم يكونوا على شاكلة هذا الرجل العظيم.. بل تنازعوا الحكم سوياً، وقسموا الدولة الأيوبية الموحدة إلى ممالك صغيرة متناحرة.. فاستقلت الشام عن مصر، واستقلت اليمن كذلك.. بل وقسمت الشام إلى إمارات متعددة متحاربة!!.. فانفصلت حمص عن حلب ودمشق.. وكذلك انفصلت فلسطين، وما لبثت الأراضي التي حررها صلاح الدين من أيدي الصليبيين أن تقع من جديد في أيديهم بعد هذه الفرقة، ولا حول لا قوة إلا بالله..

 

3ـ بلاد المغرب والأندلس: كانت تحت إمرة دولة الموحدين.. وقد كانت فيما سبق دولة قوية مترامية الأطراف تحكم من ليبيا شرقاً إلى المغرب غرباً، ومن الأندلس شمالاً إلى وسط أفريقيا جنوباً.. ومع ذلك ففي أوائل القرن السابع الهجري كانت هذه الدولة قد بدأت في الاحتضار.. وبالذات بعد موقعة العقاب الشهيرة سنة 609 هجرية، والتي كانت بمثابة القاضية على هذه الدولة الضخمة..

 

4ـ خوارزم: كانت الدولة الخوارزمية دولة مترامية الأطراف، وكانت تضم معظم البلاد الإسلامية في قارة أسيا.. تمتد حدودها من غرب الصين شرقاً إلى أجزاء كبيرة من إيران غرباً.. وكانت على خلاف كبير مع الخلافة العباسية.. وكانت بينهما مكائد ومؤامرات متعددة، وحدثت في فترتها حروب كثيرة مع السلاجقة والغوريين والعباسيين وغيرهم من المسلمين..

 

5ـ الهند: كانت تحت سلطان الغوريين في ذلك الوقت، وكانت الحروب بينها وبين دولة خوارزم متكررة..

6ـ فارس: وهي إيران الحالية، وكانت أجزاء منها تحت سلطان الخوارزميين، وكانت الأجزاء الغربية منها والملاصقة للخلافة العباسية تحت سيطرة طائفة الإسماعيلية، وهي من أخبث طوائف الشيعة، ولها مخالفات كثيرة في العقيدة جعلت كثيراً من العلماء يخرجونهم من الإسلام تمام، وكانوا أهل حرب، وكانوا على خلاف دائم مع الخلافة العباسية..

 

وبعد..

فهذه نظرة على الأمة الإسلامية في ذلك الوقت.. ونلاحظ أنه قد انتشرت فيها الفتن والمؤامرات، وتعددت فيها الحروب بين المسلمين وإخوانهم في الدين، وكثرت فيها المعاصي والذنوب، وعم الترف والركون إلى الدنيا.. وهانت الكبائر على قلوب الناس.. حتى كثر سماع أن هذا ظلم هذا، وأن هذا قتل هذا، وأن هذا سفك دم هذا.. يقال هذا الكلام بدم بارد.. وكأن الأرواح التي تزهق ليست بأرواح بشر!.. وقد علم على وجه اليقين أن من كان هذا حاله فلابد من استبداله!!..

وأصبح العالم الإسلامي ينتظر كارثة تقضي على كل الضعفاء في كل هذه الأقطار، لكي يأتي بعد ذلك جيل جديد من المسلمين يغير الوضع، ويعيد للإسلام هيبته، وللخلافة قوتها ومجدها..

 

القوة الثانية في الأرض في أوائل القرن السابع الهجري كانت قوة الصليبيين:

وكان المركز الرئيسي لهم في غرب أوروبا حيث لهم هناك أكثر من معقل.. وقد انشغلوا بحروب مستمرة مع المسلمين.. فكان نصارى إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا يقومون بالحملات الصليبية المتتالية على بلاد الشام ومصر، وكان نصارى أسبانيا والبرتغال وأيضاً فرنسا في حروب مستمرة مع المسلمين في الأندلس.

وشاء الله - سبحانه - تعالى -أن تكون نهاية القرن السادس الهجري سعيدة جداً على المسلمين، وتعيسة جداً على الصليبيين، فقد أذن الله - عز وجل - في نهاية القرن السادس الهجري بانتصارين جليلين لأمة الإسلام على الصليبيين.. فقد انتصر البطل العظيم صلاح الدين الأيوبي - رحمه الله - على الصليبيين في موقعة حطين وذلك في عام 583 هجرية، وبعدها بثمان سنوات فقط انتصر البطل الإسلامي الجليل المنصور الموحدي - رحمه الله - زعيم دولة الموحدين على نصارى الأندلس في موقعة الأرك الخالدة في سنة 591 هجرية.. وبالرغم من هذين الانتصارين العظيمين إلا أن المسلمين في أوائل القرن السابع الهجري كانوا في ضعف شديد، وذلك بعد أن تفكك شمل الأيوبيين بوفاة صلاح الدين الأيوبي، وكذلك انفرط عقد الموحدين بعد وفاة المنصور الموحدي، غير أن الصليبيين كانوا كذلك في ضعف شديد لم يمكنهم من السيطرة على البلاد المسلمة..

 

كان هذا هو وضع العالم في أوائل القرن السابع الهجري..

وبينما كان هذا هو حال الأرض في ذلك الوقت ظهرت قوة جديدة ناشئة قلبت الموازيين، وغيرت من خريطة العالم، وفرضت نفسها كقوة ثالثة في الأرض..أو تستطيع أن تقول أنها كانت القوة الأولى في الأرض في النصف الأول من القرن السابع الهجري..هذه القوة هي قوة دولة التتار أو المغول!!..

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات