الفرح في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ( 4 - 5 )


بسم الله الرحمن الرحيم

 

فرح المنافقين(4/5):

1- فرح المنافقين لما يحل بالمسلمين من مصائب:

{إِن تَمسَسكُم حَسَنَةٌ تَسُؤهُم وَإِن تُصِبكُم سَيِّئَةٌ يَفرَحُوا بِهَا وَإِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرٌّكُم كَيدُهُم شَيئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعمَلُونَ مُحِيط} [آل عمران: 120].

قال ابن كثير: \" وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم- أي من المنافقين- للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد وكثروا وعز أنصارهم ساء ذلك المنافقين وإن أصاب المسلمين سنة أي جدب أو أديل عليهم الأعداء لما لله - تعالى - في ذلك من الحكمة كما جرى يوم أحد - فرح المنافقون بذلك\".

 

قال صاحب الظلال: \".. و إنهم ليفرحون لما يحل بالمسلمين من مصائب و ما ينزل بهم من شقة، ذلك بأنهم يأخذون بظواهر الأمور و يحسبون البلاء شراً في كل حال، و يظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف و القعود. و قد خلت قلوبهم من التسليم لله و الرضى بقدره، و اعتقاد الخير فيه، و المسلم الصادق يبذل جهده و يُقدِم و لا يخشى اعتقاداً بأن ما يصيبه من خير أو شر معقود بإرادة الله و أن الله ناصر له و معين \" [الظلال، (3/1664)].

وقال - تعالى -: {إِن تُصِبكَ حَسَنَةٌ تَسُؤهُم وَإِن تُصِبكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَد أَخَذنَا أَمرَنَا مِن قَبلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُم فَرِحُون} [التوبة: 50]

قال ابن كثير: \" يعلم - تبارك و تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بعداوة هؤلاء له لأنه مهما أصابه من حسنة أي فتح ونصر وظفر على الأعداء مما يسره ويسر أصحابه ساءهم ذلك وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل أي قد احترزنا من متابعته من قبل هذا ويتولوا وهم فرحون\".

قال ابن القيم: \" فالكبائر كالرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله والفرح والسرور بأذى المسلمين والشماتة بمصيبتهم ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله وتمنى زوال ذلك عنهم وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريما من الزنا وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظاهرة ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها والتوبة منها وإلا فهو قلب فاسد وإذا فسد القلب فسد البدن\" [كتاب مدارج السالكين، الجزء 1، صفحة 113].

 

2- فرح المنافقين - المرائين المتكثرون- بما لم يعطوا:

{لاَ تَحسَبَنَّ الَّذِينَ يَفرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبٌّونَ أَن يُحمَدُوا بِمَا لَم يَفعَلُوا فَلاَ تَحسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ, مِّنَ العَذَابِ وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188]

 

\"يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا\".

1- كما جاء في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة).

 

2- وفي الصحيحين أيضا: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور).

 

3- و عن أبي سعيد الخدري: أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا إذا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية.

 

3- عن محمد بن ثابت الأنصاري أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول الله والله لقد خشيت أن أكون هلكت قال: لم؟ قال نهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة) فقال: بلى يا رسول الله فعاش حميداً وقتل شهيداً يوم مسيلمة الكذاب.

 

قال سيد قطب - رحمه الله -: \" الآية تصور نموذجاً من الناس يوجد في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم - و يوجد في كل جماعة. نموذج الرجال الذين يعجزون عن احتمال تبعة الرأي، و تكاليف العقيدة، فيقعدون متخلفين عن الكفاح، فإن غُلب المكافحون و هزموا رفعوا هم رؤوسهم و شمخوا بأنوفهم، و نسبوا إلى أنفسهم التعقل و الحصافة و الأناة.. أما إذا انتصر المكافحون و غنموا، فإن أصحابنا هؤلاء يتظاهرون بأنهم من مؤيدي خطتهم و ينتحلون لأنفسهم يداً في النصر، و يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا!

 

إنه نموذج من نماذج البشرية يقتات الجبن و الإدعاء \" [الظلال، (1/536)].

 

3- فرح المنافقين بالتخلف عن الجهاد:

{فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقعَدِهِم خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَموَالِهِم وَأَنفُسِهِم فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الحَرِّ قُل نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدٌّ حَرًّا لَّو كَانُوا يَفقَهُونَ} [التوبة: 81]

 

قال ابن كثير: \" يقول - تعالى - ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك وفرحوا بقعودهم بعد خروجه {وكرهوا أن يجاهدوا} معه {بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا} أي بعضهم لبعض {لا تنفروا في الحر} وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر عند طيب الظلال والثمار فلهذا قالوا: {لا تنفروا في الحر} قال الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {قل} لهم {نار جهنم} التي تصيرون إليها بمخالفتكم {أشد حرا} مما فررتم منه من الحر بل أشد حرا من النار\".

 

قال صاحب الظلال: \" هؤلاء الذين أدركتهم ثقلة الأرض. ثقلة الحرص على الراحة، و الشح بالنفقة، و قعد بهم ضعف الهمة، و هزال النخوة، و خواء القلب من الإيمان.. هؤلاء المخلفون و التعبير يلقي ظلال الإهمال كما لو كانوا متاعاً يخلف أو هملاً يترك فرحوا بالسلامة و الراحة خلاف رسول الله، و تركوا المجاهدين يلاقون الحر و الجهد، و حسبوا أن السلامة غاية يحرص عليها الرجال!.. إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة، و طراوة الإرادة، و كثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب، و ينفرون من الجهد، و يؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، و يفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز، و هم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات و لكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات و الأشواك لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات و الأشواك فطرة في الإنسان، و أنه ألذ و أجمل من القعود و التخلف و الراحة البليدة التي لا تليق بالرجال.

 

من صفات أصحاب الدعوات:

إن الدعوات في حاجة إلى طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصممة تصمد في الكفاح الطويل الشاق، و الصف الذي يتخلله الضعاف المترفون لا يصمد لأنهم يخذلونه في ساعة الشدة فيشيعون فيه الخذلان و الضعف و الاضطراب.

 

دور الجماعة المسلمة مع من يتخلفون ساعة الشدة:

\"فالذين يضعفون و يتخلفون يجب نبذهم بعيداً عن الصف وقاية له من التخلخل و الهزيمة.و التسامح مع الذين يتخلفون عن الصف في ساعة الشدة، ثم يعودون إليه ساعة الرخاء، جناية على الصف كله، و على الدعوة التي يكافح في سبيلها كفاحه المرير \" [الظلال، \" 3/1682-1683]

 

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply