نقولات مختارة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

1- وأما عزلة الأبدان ومفارقة الجماعة التي هي العوام فإن من حكمها أن تكون تابعة للحاجة، وجارية مع المصلحةº وذلك أن عظم الفائدة في اجتماع الناس في المدن، وتجاورهم في الأمصار إنما هو أن يتضافروا، فيتعاونوا على المصالح، ويتآزروا فيها، إذا كانت مصالحهم لا تكمل إلا به، ومعايشهم لا تزكو إلا عليه. وللإنسان أن يتأمل حال نفسه، فينظر في أي طبقة يقع منهم، وفي أية جنبة ينحاز من جملتهمº فإن كانت أحواله تقتضيه المقام بين ظهراني العامةº لما يلزمه من إصلاح المهنة التي لا غنية له به عنها، ولا يجد بداً من الاستعانة بهم فيها، ولا وجه لمفارقتهم في الدار، ومباعدتهم في السكن والجوار - فإنه إذا فعل ذلك تضرر بوحدته، وأضر بمن وراءه من أهله وأسرته. وإن كانت نفسه - بكلها - مستقلة، وحاله في ذاته وذويه متماسكة فالاختيار له في هذا الزمان اعتزال الناس، ومفارقة عوامهمº فإن السلامة في مجانبتهم، والراحة في التباعد منهم. ص15 - 16

2- ولسنا نريد - رحمك الله - بهذه العزلة التي تختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات، وترك حقوقهم في العبادات، وإفشاء السلام، ورد التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهمº فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سبلها، ما لم يحل دونها حائل شغل، ولا يمنع عنها مانع عذر، إنما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة، ونبذ الزيادة منها، وحط العلاوة التي لا حاجة بك إليهاº فإن من جرى في صحبة الناس، والاستكثار من معرفتهم، على ما يدعو إليه شغف النفوس وإلف العادات، وترك الاقتصاد فيها، والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه - كان جديراً ألا يحمد غِبَّه، وأن يستوخم عاقبته، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجتهº فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مدنفة، وأسقام متلفة، وليس من علم كمن جهل، ولا من جرب وامتحن كمن ماد وخاطر. ص16

3- قال الشيخ أبو سليمان: وكان ابن عمر من أشد الصحابة حذراً من الوقوع في الفتن، وأكثرهم تحذيراً للناس من الدخول فيها، وبقي إلى أيام فتنة ابن الزبير، فلم يقاتل معه، ولم يدافع عنه، إلا أنه كان يشهد الصلاة معه، فإذا فاتته صلاها مع الحجاج، وكان يقول: إذا دعونا إلى الله أجبناهم، وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم. ص26

4- لا يستوحش مع الله من عمر قلبه بحبه، وأنس بذكره، وألف مناجاته بسره، وشغل به عن غيره، فهو مستأنس بالوحدة، مغتبط بالخلوة. ص28 - 29

5- قال بعض الحكماء: إنما يستوحش الإنسان بالوحدةº لخلاء ذاته، وعدم الفضيلة من نفسهº فيكثر حينئذ بملاقاة الناس، ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم، فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدةº ليستعين بها على الفكرة، ويتفرغ لاستخراج الحكمة. ص29

6- أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرنا إسماعيل بن أسد قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: بلغني عن الحسن- رحمه الله -أنه كان يقول: كلمات أحفظهن من التوراة: قنع ابن آدم فاستغنى، اعتزل الناس فسلم، ترك الشهوات فصار حراً، ترك الحسد فظهرت مروءته، صبر قليلاً فتمتع طويلاً. ص30

7- أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرني المطهر بن عبدالله قال: حدثني أبو الحسن محمد بن العباس النحوي قال: كتب إلي ابن لمجة يستزيرني، فكتبت إليه:

أنست نفسي بنفسي *** فهي في الوحدة أنسي

وإذا آنست غيري *** فأحق الناس نفسي

فسد الناس فأضحى *** جنسهم من شر جنس

فلزمت البيت إلا *** عند تَأدِيتِي لخمسي ص32 - 33

8- أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرني محمد بن أحمد بن سليمان قال: حدثنا ابن شبيب قال: حدثنا إبراهيم بن محمد النحوي قال: حدثنا الرياشي قال: حدثنا الأصمعي قال: سألني الرشيد عن أعراب البادية، وعن أخبارها، فحدثته: أني كنت في مكان يقال له الطخفة، وهي قرية لبني كلاب، رأيت فيها أعرابياً في عنقه طوقٌ ملتوٍ, من فضة، وبيده زكرة(1) ومعه قدح نبع(2) فتتبعت أثره فجاء إلى جذم حائط(3) فجمع رميلة ثم اتكأ عليها، وجعل يصب من شكوته نباذة له في قدح النبع ويشربه، ويرجز عليه، فسلمت عليه ووقفت عنده فقال: إن فيه(4) خلالاً ثلاثاً إن سمع مني حديثاً لم ينمه علي، وإن تفلت في وجهه احتمل، وإن عربدت عليه لم يغضب، قال الأصمعي: فقال الرشيد: زهدتني في الندماء. ص33

9- قال أبو سليمان: أما ما شجر بين الصحابة من الأمور، وحدث في زمانهم من اختلاف الآراء - فإنه من باب كلما قل التسرع فيه، والبحث عنه كان أولى بنا وأسلم لنا، ومما يجب علينا أن تعتقد في أمرهم أنهم كانوا أئمة علماء قد اجتهدوا في طلب الحق، وتحروا وجهته، وتوخوا قصدهº فالمصيب منهم مأجور، والمخطئ معذور، وقد تعلق كل منهم بحجة، وفزع إلى عذر، والمقايسة عليهم، والمباحثة عنهم اقتحام فيما لا يعنينا، والله - تعالى - يغفر لنا ولهم برحمته. وليس التهاجر منهم، والتصارم بأكثر من التقاتل في الحروب، والتواجه بالسيوف، ولا أعجب من التباهل فيما شجر بينهم من الاختلاف والتنازع في التأويل، وكل منهم في ذلك مأجور على قدر اجتهاده في طلب الحق، وحسن نيته، والله يغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ونسأله أن لا يجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا إنه رؤوف رحيم. فأما من بعد الصحابة من التابعين، ومن وراءهم من طبقات المتأخرين - فلنا مناظرتهم في مذاهبهم، وموافقتهم عليها، والكشف عن حججهم، والقول بترجيح بعضها على بعض، وإظهار الحق من أقاويلهمº ليقتدى بهم، والتنبيه على الخطأ منهمº لينتهى عنه. ص36 - 37

10- أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرني إسماعيل بن محمد قال: سمعت ابن إبراهيم يقول: لو لم يكن في العزلة أكثر من أنك لا تجد أعواناً على الغيبة لكفى. قال أبو سليمان: صدق أبو محمد - رحمه الله - فإنه ما من أحد جالس الناس في هذا الزمان وعاشرهم إلا قلت سلامته من الغيبةº فإن من شأنهم اليوم أن يقع بعضهم في بعض، وأن يشبع بعضهم بعضاً، وأن يتمضمضوا بذكر الأعراض، ويتفكهوا بها، ويتنقلوا بحلاوتها، فإما أن يساعدهم جليسهم على إثم وترك مروءة، وإما أن يخالفهم عن قلى وشنآنº فمجالستهم داء يعدي يضر ولا يجدي، قال: ولو لم يكن في العزلة إلا السلامة من آفة الرياء، والتصنع للناس، وما يدفع إليه الإنسان إذا كان فيهم من استعمال المداهنة معهم، وخداع المواربة في رضاهم - لكان في ذلك ما يرغب في العزلة ويحرك إليها. ص41

11- قال أبو سليمان: ومن مناقب العزلةِ السلامةُ من آفات النظر إلى زينة الدنيا وزهرتها، والاستحسان لما ذمه الله - تعالى - من زخرفها، وعابه من زِبرِج غرورها، وفيها منع النفس من التطلع إليها والاستشراف لها، ومن محاكاة أهلها، ومنافستهم عليها، قال الله - تعالى -: [وَلا تَمُدَّنَ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعنَا بِهِ أَزوَاجاً مِنهُم زَهرَةَ الحَيَاةِ الدٌّنيَا لِنَفتِنَهُم فِيهِ] طـه: 131، ص42 - 43

12- قال: ومن مناقب العزلة أنها خالعة عنك ربقة ذل الآمال، وقاطعة رق الأطماع، ومعيدة عز اليأس عن الناسº فإن من صحبهم وكان فيهم ومعهم لم يكد يخلو من أن يحدث نفسه بنوع من الطمع فيهمº إما في مال، أو جاه، والطمع فقر حاضر، وذل صاغر. ص44

13- قال أبو سليمان: وفي العزلة السلامة من التبذل لعوام الناس، وحواشيهم، والتصون عن ذلة الامتهان منهم، وأمان الملال عند الصديق، واستحداث الطراءة عند اللقاءº فإن كل موجود مملول، وكل ممنوع مطلوب. ص52

14- وفي العزلة أنها تستر الفاقة، وتكثف جلباب التحمل، فلا يظهر على عورة إن كانت وراءه تسوء صديقاً، أو تشمت عدواًº فإن التجمل من شيم الأحرار، وشمائل ذوي الهمم والأخطار، وقد وصف الله - تعالى - به الأبرار من عباده فقال - تعالى -ذكره -: [يَحسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغنِيَاءَ مِنَ التَّعَفٌّفِ] البقرة: من الآية273، ص52

15- وفي العزلة أنها معينة لمن أراد نظراً في علم، أو إثارة لدفين رأي، أو استنباطاً لحكمةº لأن شيئاً منها لا يجيء إلا مع خلاءِ الذرع، وفراغِ القلب، ومخالطةُ الناسِ ملغاةٌ ومشغلة. ص53

16- أخبرنا أبو سليمان قال: حدثنا ابن الأعرابي قال: حدثنا أحمد بن عمر القطواني قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: حدثنا زائدة عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق قال: المرء حقيق أن تكون له مجالس يخلو فيهاº فيذكر ذنوبه، ويستغفر منها. قال: وفي العزلة السلامة من صحبة الثقيل، ومؤونة النظر إليهº فإن ذلك هو العمى الأصغر. ص54

17- قيل للأعمش: ممَّ عمشت عيناك؟ قال: من النظر إلى الثقلاء. ص54

18- وقال الأعمش: قال جالينوس: لكل شيء حمَّى، وحمَّى الروح النظر إلى الثقيل. ص54

19- قال أبو سليمان: وأنشدني ابن الزيبقي قال: أنشدنا الكديمي قال: أنشدني الأصمعي لأعرابي:

لقد زاد الحياة إلي حباً *** بناتي إنهن من الضعاف

مخافة أن يذقن الفقر بعدي *** وأن يشربن رنقاً بعد صافي

وأن يعرين إن كُسِي الجواري *** فتنبو العين عن كرم عجاف ص58

20- قال أبو سليمان: قوله \"المرء على دين خليله\" معناه: أن لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانتهº فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، ولا تُغَرِّر بدينك، ولا تخاطر بنفسك، فَتُخالِلَ من ليس مرضياً في دينه ومذهبه.

قال سفيان بن عيينة: وقد رُوي في هذا الحديث \"انظروا إلى فرعون معه هامان، انظروا إلى الحجاج معه يزيد بن أبي مسلم شر منه، انظروا إلى سليمان بن عبدالملك صحبه رجاء بن حيوةº فقومه وسدده\". ويقال: إن الخلة مأخوذة من تخلل المودة القلب، وتمكنها منه، وهي أعلى درج الإخاءº وذلك أن الناس في الأصل أجانب، فإذا تعارفوا ائتلفوا، فهم أَوُدَّاء، وإذا تشاكلوا فهم أحباء، فإذا تأكدت المحبة صارت خلة. ص71 – 72

21- أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرنا محمد بن مكي قال: حدثنا الصائغ قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن سالم بن غيلان، عن الوليد بن قيس، عن أبي سعيد الخدري عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: \"لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي\". قال أبو سليمان: قوله- صلى الله عليه وسلم -لا يأكل طعامك إلا تقي إنما أراد به طعام الدعوة دون طعام الحاجةº ألا تراه يقول - تعالى -ذكره -: [وَيُطعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً] الإنسان: 8. ومعلوم أن أسراهم الكفار دون المؤمنين ودون الأتقياء من المسلمين، وإنما وجهُ الحديث ومعناه: لا تَدعُ إلى مؤاكلتك إلا الأتقياءº لأن المؤاكلة توجب الألفة، وتجمع بين القلوب. ص72

22- أخبرنا أبو سليمان قال: حدثنا الكراني قال: حدثني ابن شبيب قال: حدثني المنقري، عن الأصمعي قال: قال أعرابي: عداوة الحليم أقل ضرراً عليك من مودة الجاهل. وفي هذا لبعض الشعراء:

ولأن يعادي عاقلاً خيرٌ له *** من أن يكون له صديقٌ أحمق

فارغب بنفسك أن تصادق جاهلاً *** إن الصديق على الصديق مصدق ص75

23- أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرني ابن أبي الدق قال: حدثنا محمد ابن المنذر قال: حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثني عبدالرحمن بن أبي عطية الحمصي، عن الحطاب بن المعلى المخزومي أنه وعظ ابنه فقال: إياك وإخوان السوءº فإنهم يخونون من رافقهم، ويخرفون من صادقهم، وقُربُهم أعدى من الجرب، ورَفضُهم من استكمال الأدب، والمرء يُعرف بقرينه. قال: والأخوان اثنانº فمحافظ عليك عند البلاء، وصديق لك في الرخاءº فاحفظ صديق البلية وتجنب صديق العافيةº فإنهم أعدى الأعداء. وفي هذا قول الشاعر:

وكل خليل بالهوينا ملاطف *** ولكنما الإخوان عند النوائب ص75 – 76

24- أخبرنا أبو سليمان قال: حدثنا ابن الزيبق قال: حدثنا موسى بن زكريا التٌّستَري قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا العتبي قال: كنا عند سفيان بن عيينة فتلا هذه الآية: [وَمَا مِن دَابَّةٍ, فِي الأَرضِ وَلا طَائِرٍ, يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إِلا أُمَمٌ أَمثَالُكُم] الأنعام: من الآية38. وقال: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من شبه البهائمº فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي لها الطعام الطيب عافته فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه، فكذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، وإن أخطأ رجل عن نفسه، أو حكا خطأ غيره تروَّاه وحفظه. قال أبو سليمان: ما أحسن ما تأول أبو محمد - رحمة الله عليه - هذه الآية، واستنبط منها هذه الحكمةº وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعاً لظاهره وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر الله - تعالى - عن وجود المماثلة بيننا وبين كل دابة وطائر، وكان ذلك ممتنعاً من جهة الخلقة والصورة، وعدماً من جهة النطق والمعرفة، فوجب أن يكون مصرفاً إلى المماثلة في الطباع والأخلاق، وإذا كان الأمر كذلك فاعلم - يا أخي - أنك إنما تعاشر البهائم والسباعº فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم على حسب ذلك. ص84

25- قال أبو سليمان: وسأفيدك فائدة - يا أخي - يجل نفعهاº ويعظم عائدتُها، وما أقولها إلا عن ودٍّ, لك، وشفقة عليكº فإن البلوى في معاشرة أهل زمانك عظيمةº فاستعن بها على ما يلقاك من أذاهمº فإنك لا تخلو من قليله وإن سلمت من كثيره، وذلك أنك قد ترى الواحد بعد الواحد منهم يتكالب على الناس، ويتسفَّه على أعراضهم، وينبح فيها نباح الكلب، فيهمك من شأنه ما يهمك، ويسوؤك منه ما يسوؤك أن لا يكون رجلاً فاضلاً يرجى خيره ويؤمن شرهº فيطول في أمره فكرك، ويدوم به شغل قلبكº فأزح هذا العارض عن نفسكº بأن تعده على الحقيقة كلباً خِلقَةً، وزد به في عدد الكلاب واحداً، ولعلك قد مررت مرة من المرار بكلب من الكلاب ينبح ويعوي، وربما كان -أيضاً- قد يساور ويعض فلم تحدث نفسك في أمره بأن يعود إنساناً ينطق ويسبحº فلا تتأسف له ألا يكون دابة تركب، أو شاة تحلب، فاجعل أيضاً هذا المتكلب كلباً مثله واسترح من شغله، واربح مؤونة الفكر فيه، وكذلك فليكن عندك منزلة من جهل حقك وكفر معروفكº فاحسبه حماراً، أو زد به في عدد العانة(1) واحداً، فبمثل هذا تخلص من آفة هذا الباب وغائلته، والله المستعان. ص8 -87

26- أخبرنا أبو سليمان قال: حدثني محمد بن منصور قال: حدثنا شكر قال: حدثنا أحمد بن بكر بن سيف المروزي قال: قال: حدثنا محمد بن الحسين، عن أبي زكريا، قال: كان أعرابي بالكوفة وكان له صديق، فكان يظهر له مودة ونصيحة، فاتخذه الأعرابي من عدده للنوائب، فأتاه فوجده بعيداً مما كان يظهر له، فأنشأ يقول:

إذا كان ود المرء ليس بزائد *** على مرحباً أو كيف أنت وحالكا

ولم يك إلا كاشراً أو محدثاً *** فَأُفٍّ, لِودٍّ, ليس إلا كذلكا

لسانك معسولٌ ونفسك بشةٌ *** وعند الثريا من صديقك مالُكا

فأنت إذا همَّت يمينُكَ مرة *** لتفعل خيراً قابلتها شمالكا ص94

27- قال وأنشدني عبدالعزيز بن عبدالله لمحمد بن حازم:

وإن من الإخوان إخوانَ كشرةٍ, *** وإخوانُ حياك الإلهُ ومرحبا

وإخوانَ كيف الحالُ والأهلُ كلٌّه *** وذلك لا يَسوي نقيراً مترَّبا

جواداً إذا استغنيت عنه بماله *** يقول إلي القرضَ والقرضَ فاطلبا

فإن أنت حاولت الذي خلف ظهره *** وجدت الثريا منه في البعد أقربا ص94 – 95

28- قال أبو سليمان: حدثنا إبراهيم بن فراس، حدثنا أحمد بن علي بن سهل قال: حدثنا العباس بن الحسين قال: أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تتمثل بهذين البيتين:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خَلف كجلد الأجرب

يتحدثون مخانة وملاذة *** ويعاب قائلهم وإن لم يشغب

قال أبو معاوية: قالت عائشة - رضي الله عنها -: ويح لبيد لو أدرك هذا الزمان. قال عروة: وكيف لو عاشت عائشة - رضي الله عنها - إلى هذا الزمان. قال هشام: فكيف لو بقي عروة إلى هذا الزمان. وقال أبو معاوية: فكيف لو بقي هشام إلى هذا الزمان. وقال العباس بن الحسين: نحو ذلك. وقال أحمد بن علي: وقال ابن فراس مثله. ص103 29- أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرني محمد بن الحسين بن عاصم قال: أخبرني محمد ابن الربيع بن سليمان، وابن حوصا قالا: سمعنا يونس ابن عبدالأعلى يقول: قال لي الشافعي - رحمة الله عليه -: يا أبا موسى رضاء الناس غاية لا تدرك، ليس إلى السلامة من الناس سبيلº فانظر ما فيه صلاح نفسكº فالزمه، ودع الناس وما هم فيه. ص 113

30- قال أبو سليمان وأنشدني ابن مالك قال: أنشدني الدغولي في سياسة العامة:

إذا أمن الجهالُ جَهلَكَ مرةً *** فَعِرضُك للجهال غنم من الغُنم

وإن أنت نازيت السفيهَ إذا نزا *** فأنت سفيهٌ مثلُه غيرُ ذي حلم

ولا تتعرض للسفيه ودارِه *** بمنزلة بين العداوة والسلم

فيخشاك تاراتٍ, ويرجوك مرةً *** وتأخذ فيما بين ذلك بالحزم ص119

31- قال أبو سليمان: وبلغني عن سفيان الثوري أنه قال: من ترأس في حداثته كان أدنى عقوبته أن يفوته حظ كبير من العلم. ص122

32- أنشدنا أبو سليمان قال: أنشدني سهل بن إسماعيل قال: أنشدنا منصور بن إسماعيل لنفسه:

الكلب أكرمُ عشرةً *** وهو النهاية في الخساسة

ممن ينازع في الريا *** سة قبل أوقات الرياسة ص122

33- أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرني أبو عمر الحيري قال: حدثنا مسلم ابن إبراهيم قال: حدثنا الحسن بن أبي جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: أجيز شهادة القراء في كل شيء إلا بعضهم على بعضº وجدتهم أشد تحاسداً من التيوس، توثق الشاة فيرسل عليها التيس، فيهب هذا، ويهب هذا. ص129

34- قال أبو سليمان: إن من عادة الفتيان(1) ومن أخذ بأخذهم بشاشةَ الوجه، وسجاحةَ الخلق، ولين العريكة. ومن شيمة الأكثرين من القراء الكزازة، وسوء الخلق، فمن انتقل من الفتوة إلى القراءة كان جديراً أن يتباقى معه تلك الذوقة والهشاشة، ومن تَقرَّأَ في صباه لم يخلُ من جفوة أو غلظة. وقد يتوجه قول سفيان إلى وجه آخرº وهو إنه إذا انتقل من الفتوة إلى القراءة كان معه الأسف على ما مضى والندم على ما فرط منه، فكان أقرب له إلى أن لا يعجب بعمل صالح يكون منه، وإذا كان عارفاً بالشر كان أشد لحذره، وأبعد من الوقوع فيه. ص130

35- أخبرنا أبو سليمان قال: حدثنا ابن الأعرابي قال: حدثنا أحمد بن زيد القزاز قال: حدثنا حسين المروزي قال: حدثنا ابن المبارك، عن سفيان قال: قال: أبو حازم: إن الرجل ليعمل السيئة إن عمل حسنة قط أنفع له منها، وإنه ليعمل الحسنة إن عمل سيئة قط أضر عليه منها. قال أبو سليمان: قال ابن الأعرابي: معناه: أن يعمل الذنب فلا يزال منه مشفقاً حذراً أن يعاودهº فينفعه ذلك، ويعمل الحسنةº فيحتسب بها على ربه - تعالى - ويعجب بها، ويتكل عليها، فتهلكه. ص130

36- فالعزلة إنما تنفع العلماء العقلاء، وهي من أضر شيء على الجهال. ص132

37- قال: أنشدني بعض أهل العلم: بذنوبنا دامت iiبليتنا * والله يكشفها إذا تبنا ص139

38- وأنشدنا أبو سليمان:

تسامح ولا تستوفِ حقَّك كلَّه *** كلا طرفي قصد الأمور ذميم

ولا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد ***وأبقِ فلم يستوفِ قَطٌّ كريمُ ص141

 39- أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرنا محمد بن هاشم قال: حدثنا الدبري عن عبدالرزاق قال: أخبرنا بشر بن رافع قال: أخبرني شيخ من أهل صنعاء يقال له أبو عبدالله قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إني وجدت في حكمة آل داود: حق على العالم أن لا يُشغَلَ عن أربع ساعات: ساعةٍ, يناجي فيها ربه، وساعةٍ, يحاسب فيها نفسه، وساعةٍ, يفضي فيها إلى إخوانه الذين يَصدُقونه عيوبه وينصحونه في نفسه، وساعةٍ, يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها مما يحل ويجملº فإن هذه الساعة عون لهذه الساعات، واستجمام للقلوب، وفصل، وبُلغة. وعلى العاقل أن يكون عارفاً بزمانه، ممسكاً للسانه، مقبلاً على شأنه. ص142

40- أخبرنا أبو سليمان قال: حدثنا الخلدي قال: حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا هدبة بن خالد قال: حدثنا حزم القطعي قال: سمعت الحسن يقول: يقولون المداراة نصف العقل، وأنا أقول هو العقل كله. ص142

ـــــــــــــــــــ

[1]- زكرة: وعاء من جلد يوضع فيه الخمر ونحوه.

[2]- نبع: شجر مخصوص يتخذ منه القسي.

[3]- جذم الشيء: أصله أو بقيته، والحائط: البستان.

[4]- الضمير يعود على الشجر الذي في البستان.

[5]- يقصد بالعانة: الحمير.

[6]- يعني بالفتيان: جمع فتى من الفتوَّة وهو من يتصف بالشهامة، والمروءة، ومكارم الأخلاق.  

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply