حكاية مشتاق إلى بلاد الأشواق
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. سلسلة مقالات
  4. الجنة ونعيمها
  5. حكاية مشتاق إلى بلاد الأشواق
حكاية مشتاق إلى بلاد الأشواق

حكاية مشتاق إلى بلاد الأشواق

التصنيف: الجنة
تاريخ النشر: 27 شوال 1428 (2007-11-08)
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لما علم الموفقون من عباد الله أن كل نعيم زائل إلا نعيم دار النعيم، وأن الدنيا مزرعة الآخرةº شمروا فيها عن سواعد الجد، فقطعوا أعمارهم في طاعة ربهم، يحدوهم في ذلك شوق إلى رؤية وجه الكريم في دار النعيم، وهذا أحدهم ننقل إليكِ نبأه العجيب، وخبره الغريبº ليشعل في قلبك الشوق إلى أعالي الجنان.

 

سعيد قلبه حارث:

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث وهمام)، الحارث: هو الكبير صاحب الهمة العالية، وصاحبنا هذا \"سعيد بن الحارث\" قد جعل الله له نصيباً كبيراً من اسمه، فرزقه علو الهمة في طلب الجنة، وختم له بخاتمة السعداءº نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً.

عن رافع بن عبد الله قال: قال لي هشام بن يحي الكناني: \"لأحدثنك حديثاً رأيته بعيني، وشهدته بنفسي\"، قلت:حدثني يا أبا الوليد، قال: \"غزونا أرض الروم سنة ثمان وثلاثين، وكنا رفقة من أهل البصرة، وأهل الجزيرة، وكنا نتناوب الخدمة، والحراسة، وإعداد الطعام.

وكان معنا رجل يقال له سعيد بن الحارث ذو حظ من العبادة، يصوم النهار، ويقوم الليل, وكنا نحرص على تخفيف النوبة عليه لطول قيامه، وكثرة صيامه، فكان يأبى إلا القيام بكل المهام، وما رأيته في ليل أو نهار إلا في حالة جد واجتهاد، فأدركتني وإياه النوبة ذات ليلة في الحراسة، وكنا قد حاصرنا حصناً من حصون الروم، فرأيت من سعيد في تلك الليلة من الصبر والجلد على العبادة ما جعلني أحتقر نفسي لكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

فلما أصبح الصباح لم ينم، فقلت له: \"خفف على نفسك، فلنفسك عليك حق، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: \"اكفلوا من العمل ما تطيقون\"، فقال لي: \"يا أخي إنما هي أنفاس تعد، وعمر يفنى، وأيام تنقضي، فأنا رجل ينتظر الموت في أي لحظة\" فبكيت لجوابه، ودعوت الله لي وله بالعون والتثبيت، ثم قلت له: \"نم واسترح قليلاً فإنك لا تدري ما يحدث من أمر العدو\"، فنام تحت ظل خيمته، وتفرق أصحابنا في أرض المعركة، وأقمت في موضعي أحرس رحالهم، وأصلح طعامهم.

فبينما أنا كذلك إذ سمعت كلاماً يأتي من ناحية الخيمة فتعجبت، فليس هناك إلا سعيد نائماً، فظننت أن أحداً جاءه ولم أره، فذهبت إلى جانب الخيمة فلم أر أحداً، وسعيد على حاله نائم، إلا أنه كان يتكلم في نومه ويضحك!

أصغيت إليه، وحفظت كلامه، ثم مد يده وهو نائم كأنه يأخذ شيئاً، ثم ردها بلطف وهو يضحك، ثم قال: الليلة إذاً، ثم وثب من نومه واستيقظ وهو يرتعد خائفاً، فاحتضنته إلى صدري حتى سكن وهدأ، وجعل يهلل ويكبر، ويحمد الله، فقلت: \"ما شأنك فقد رأيت منك عجباً، وسمعت منك عجباً، فحدثني بما رأيت\"، فقال: \"أعفني من ذلك\"، فذكرته بحق الصحبة وقلت له: لعل الله ينفعني ما ستقول.

فحدثني بما رأى في منامه، فقال: \"جاءني رجلان لم أر قط مثل صورتهما كمالاً وحسناً، فقالا: أبشر يا سعيد فقد غفر ذنبك، وشكر سعيك، وقبل عملك، واستجيب دعاؤك، وعجلت لك البشرى في حياتك فانطلق معنا حتى ترى ما أعد الله لك من النعيم، قال: فأتيت على حور، وقصور، وجواد، وغلمان، وأنهار، وأشجارº فأدخلوني في قصري، ثم إلى دار فيه، حتى انتهيت إلى سرير عليه واحدة من الحور العين كأنها اللؤلؤ المكنون، فقالت لي: قد طال انتظارنا إياك، فقلت لها: أين أنا، قالت: أنت في جنة المأوى، قلت: ومن أنت؟ قالت: أنا زوجتك الخالدة، فمددت يدي إليها فردتها بلطف وقالت: أما اليوم فلا، إنك راجع إلى الدنيا، قلت: لا أريد الرجوع، فقالت: لابد من ذلك، وستقيم هناك - أي في الدنيا - ثلاثاً، ثم تفطر عندنا، فقلت: بل الليلة، فقالت: إنه كان أمراً مقضياً، ثم قامت من مجلسها، فوثبت لقيامها، فإذا أنا قد استيقظت، وأنا أسألك بالله لا تحدث بحديثي هذا، واسترني ما حييت.

قلت: أبشر فقد كشف الله لك ثواب عملك، فقام واغتسل وتطهر ومس طيباً، ثم حمل سلاحه، ونزل إلى أرض القتال، وظل يقاتل وهو صائم حتى الليل.

فلما انصرف أصحابه وهو فيهم قالوا لي: يا أبا الوليد، لقد رأينا من هذا الرجل عجباً، حرصاً على الشهادة، وطارحاً نفسه تحت السهام والرماح، وكل ذلك يصرف عنه، قلت في نفسي: لو تعلمون خبره لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ثم أفطر على قليل من الطعام، وبات ليله قائماً، فلما أصبح صنع كصنيعه بالأمس ثم في آخر النهار عاد هو وأصحابه، وذكروا عنه مثلما ذكروا عنه بالأمس، حتى إذا كان اليوم الثالث انطلقت معه وقلت: لابد أن أشهد أمره، وأرى ما يكون، فلم يزل يقاتل، ويكبد الأعداء الخسائر، ونكل فيهم، ويصنع الأعاجيب، وهو يبحث عن الموت والقتل مظانه، وأنا أراه وأرعاه بعيني، ولا أستطيع الدنو منه.

حتى إذا نزلت الشمس للغروب وهو أنشط ما كان، فإذا رجل من أعلى الحصن قد تعمده بسهم فخر صريعاً، وأنا أنظر إليه، فصحت بالناس فحملوه وبه رمق من حياة، وجاءوا به إلي.

فلما رأيته قلت له: هنيئاً لك ما تفطر به الليلة، يا ليتني كنت معك فأفوز فوزاً عظيماً، فعض شفته السفلى وأمال لي بصره وهو يضحك، وقال: اكتم أمري والملتقى الجنة، ثم قال: الحمد لله الذي صدقنا وعده، فوالله ما تكلم بشيء بعدها ثم فاضات روحه، وآيات الله تناديه: ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين *)) سورة آل عمران:169-171.

هذا أيتها الغالية من اشتاق إلى الجنان، وأدى ثمنها، فيا ترى هل تشتاقين مثله وهل تدفعين الثمن؟

أختاه: طالما نحيا فلا يزال لدينا الفرصة أن نزاحم مثل هؤلاء الصالحين على جنة رب العالمين، فهيا بنا نتعاهد على طاعة الله - عز وجل - حتى نلتقي في الجنة، وإليك بعض الأسباب اليسيرة التي تعينك على ذلك:

تزودي قبل الرحيل:

1- سلي الله ثلاث مرات كل يوم أن يرزقك الجنة، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: الله أدخله الجنة) صححه الألباني.

2- رباعية الجنة: أربعة أعمال بسيطة من يجمع بينها في يوم واحد حاز وعداً بالجنة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما حازه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة\" رواه مسلم في كتاب الفضائل.

 

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره