المحاصيل المهندسة .. وباء بيئي !!


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

عادة ما تنصب الاهتمامات التي يفرضها الجدل المحتدم حول الهندسة الوراثية على المخاطر التي تهدد صحة الإنسان، إلا أن هناك مجموعة من المخاطر البيئية الكامنة تهدد النظام البيئي، الأمر الذي يعكس حاجة ماسة إلى قدر مساو من الاهتمام، خاصة إذا تجاوزت تلك التهديدات مجرد صحة الإنسان على أهميتها - إلى المنظومة البيئية التي يرتبط بها وجود الحياة على كوكبنا.

 

وقد زاد الجدل احتدامًا بعد مقال نشرته مجلة \"الطبيعة\" Nature، قررت فيه \"لوسي جون\" الباحثة بجامعة \"كورنيل\" وزملاؤها أن نوعًا من الذرة المعدَّلة وراثيًّا لتقاوم الحشرات، قد تقتل حشرات أخرى نافعة مثل يرقات فراشة الملكة.

 

ومما يؤسف حقًا هو افتقار العلماء لبيانات دقيقة مفصلة، لبحث الآثار السلبية على البيئة نتيجة الاستزراع الواسع لمنتجات هندسة المحاصيل وراثيًا، خاصة إذا ما أخذ في الاعتبار أن التقنية نفسها جديدة، فضلاً عن السرعة البالغة في إنزال تطبيقاتها على أرض الواقع.

 

يذكر في هذا الصدد أن المساحة التي استزرعت عليها الذرة المعدلة جينيًا في الولايات المتحدة وحدها تضاعفت سنة 1996 من 4. 3 ملايين آكر (وحدة قياس تساوي حوالي 4000م2)، إلى ما يزيد على 69. 5 مليون آكر عام 1998م.

 

ويضيف البعض إلى عامل الوقت غير المتاح لمتابعة ومراقبة تلك الآثار أن المال أيضًا ليس متوفرًا، فإذا كنا في حاجة إلى عقد أو عقدين للوقوف على نتائج محددة وواضحة حول الآثار السلبية للهندسة الوراثية على البيئة، فإن التمويل الكافي لإجراء الأبحاث حول تلك الآثار السلبية يبدو سرابًا، بل إن الشركات التي تكسب البلايين من وراء تلك التقنية تنفق بسخاء لإثبات سلامة منتجات الهندسة الوراثية على الصحة والبيئة، وتدعمها في الوقت نفسه بعض الحكومات التي اعتمدت التقنية الواعدة ضمن خططها للنهوض باقتصاديات بلدانها.

 

المعارضون والمؤيدون: شد وجذب

 

وبالرغم من أن المقال قديم نسبيًّا (مايو 1999)، فإنه قد اندلع مؤخرًا خارج الأوساط العلمية- فصل مثير من فصول الحرب الدائرة بين معارضي الهندسة الوراثية الذين تلقفوا المقال كدليل دامغ على الخراب البيئي الذي تنذر به تطبيقات تلك التقنية، إذ لم تكن يرقات تلك الفراشة مستهدفة بحال، وهي ليست ضارة ابتداءً، في حين استبعد المؤيدون من جهة أخرى - انطباق تلك النتيجة التجريبية على المزارع الحقيقية.

 

ومع صعوبة الجزم مؤقتًا - بمدى صحة ما أورده المقال سالف الذكر، فإنه يلفت الانتباه بشدة إلى الأخطار التي قد تسببها المحاصيل المهندسة وراثيًا على البيئة، وبما أنه يمكن فعلاً انتقال جين ما من أي نوع من الحيوانات أو النباتات أو البكتيريا أو الفيروسات إلى أي نوع آخر من الكائنات الحية، بغض النظر على مدى العلاقة بينهما، ومثال ذلك نقل الجين الذي يتوهج به قنديل البحر إلى بعض النباتاتº ترى جماعات السلام الأخضر وحماية البيئة أن هذا العبث العلمي قد يؤدي إلى نشوء كائنات ممسوخة ذات صفات تركيبية جديدة تمامًا، وهي غالبًا ضارة في مجملها، وإن لم يبد ذلك في حينه، بالإضافة إلى الأثر التدميري للبيئة الذي يمكن أن تحدثه هذه التقنية، وأن علينا أن ننتبه جيدًا لبصيص النور الذي يلقيه هذا البحث وأمثاله على سلبية تقنية الهندسة الوراثية بيئيًّا.

 

بينما ترى الشركات التي تربح البلايين ومن يدعمها من الحكومات، أن تلك الثورة في التقنية الحيوية الجزئية لا تعود إلا بالخير على رفاهية البشرية، فعلى سبيل المثال انظروا إلى أحد تطبيقاتها من شركة \"منساتو\" كبرى الشركات الأمريكية العاملة في هذا المضمار، وقد شرعت في إنتاج نوع من النجيلة الملونة المتوهجة في الظلام التي يمكن استخدامها في الملاعب والحدائق، بعدما نجح العلماء في فصل ونقل الجين الذي يتوهج به قنديل البحر في الظلام.

 

كذلك، فإن المؤيدين يُذكِّرون بالرخاء الذي تحدثه أو قد تحدثه المحاصيل المهندسة وراثيًا، ويزايدون على الفوائد الجمة العائدة من هذه التقنيةº كزيادة إنتاجية المحاصيل، وتحسين النكهة والشكل والطعم، وتعظيم القيمة الغذائية، وتقليل أو إلغاء استخدام المبيدات.

 

بينما يحذر المعارضون من أن هذه الفوضى الجينية من الممكن أن تفضي إلى أنواع أخرى من النباتات غير المحصولية، تقضي بدورها على أمم أخرى من الحشرات لها دورها الذي تلعبه في التوازن البيولوجي ضارة كانت أم نافعة. ثم ينشطون ذاكرة المؤيدين بأن الاعتماد الزائد على المبيدات المستخدمة في مقاومة الحشرات والآفات قضى على حشرات نافعة، وأوجد كنتيجة عكسية أنواعًا أخرى من الحشرات أكثر مقاومة للمبيدات.

 

تحذيرات علمية ومخاطر غير منظورة

وبعيدًا عن ذلك، فإننا سوف نسمع أصوات علماء متخصصين، وهم يدلون بدلوهم في هذا الشأن، ونبدأ بالدكتورة \"ميتشيل مارفير\" الأستاذة المساعدة بقسم الأحياء بجامعة \"سانتا كلارا\"، والمتخصصة في مجال التأثيرات المختلفة للمحاصيل المهجنة وراثيًّا والمعدلة جينيًّا على البيئة.

 

تقول الدكتورة مارفير: \"إنه يجب للوقوف على المخاطر البيئية إخضاع هذه المحاصيل للتجارب المباشرة تحت ظروف بيئية مختلفة، بطرق زراعية متباينة في أوقات متعددة من السنة لأنواع مختلفة للجنس نفسه من النبات المحصولي المهندس وراثيًا، للتثبت من خلوه من أي خطر بيئي، وقبل ذلك يصبح لزامًا على منتجي هذه المحاصيل التأكيد على سلامتها بيئيًا، وهو ما ليس متاحا حاليًاº لذا فإن عدم التوقف عن استزراعها على نطاق واسع مخاطرة غير محمودة العواقب.

 

وإذا كانت المخاطر التي ساقها المعارضون على وجاهتها تنقصها البصيرة العلمية، فإن الدكتورة \"مارفير\" تلفت النظر إلى مخاطر أخرى من نوع مختلف لم ينتبه إليها أحد بعد، فتشير إلى أن التطبيق الواسع لاستزراع نبات محصولي مقاوم للحشرات، سيؤدي إلى انتقال جينات مقاومة الحشرات إلى نبات قريب له بري - وهذا أمر شائع جدًّا في الطبيعيةº حيث وجد أن 12 من أهم 13 نباتا محصوليا في العالم تتهاجن في الطبيعة مع أقاربها البريين تلقائيا- مما يؤدي إلى زيادة قدرة ذلك النبات البري على مواجهة الحشرات، وهي طفرة غير مرغوبة، مما يؤدي لزيادة مفرطة في المساحات التي ينتشر عليها النبات البريº مما يعني في النهاية أننا أوجدنا عشبًا ضارًا جديدًا ليتوغل على حساب النبات المحصولي، ويطغى عليه.

 

وإذا كان بعض العلماء يجادل في إمكانية حدوث مثل تلك الزيادة في نمو النبات البري، فإن الخطر الماثل في ظهور أعشاب ضارة جديدة يمكن الوقوف عليه بعد إجراء بعض التجارب البيئية، عن طريق تقدير الأثر الذي قد يحدثه النبات المعدل وراثيًا بعد تعريضه لبعض الحشرات والآفات، ومراقبة الأثر الناجم عن ذلك على نمو وإنتاجية النبات، وهو ما يسمى بالـ Meta-analysis.

 

وبالفعل أجريت هذه التجارب على حوالي 52 تركيبًا مختلفًا من نباتات معدلة وراثيًا لمقاومة الحشرات على امتداد 18 مساحة مزروعة، لنفاجأ بمعدلات نمو وإنتاجية خارقةº حيث كان الأثر المباشر لتعديل النبات جينيًا لمقاومة الحشرات هو زيادة مهولة في البنية التكاثرية للنبات بمعدل 81% عن مثيله الطبيعي غير المعدل.

 

وإذا أخذ في الاعتبار أن زيادة عدد البذور لا يعني بالضرورة زيادة في إنتاجية الأعشاب الضارة الجديدة، وبالتالي قدرتها على الانتشار، إلا أنه لا يستطيع أحد أن ينكر أن قلة عدد البذور تعني محدودية انتشار النبات البري حال تكاثره طبيعيًّا لعدة سنوات، وعليه فإن الاستخدام الواسع لاستزراع النبات المحصولي مقاوم الحشرات سوف يتسبب حتمًا في جعل الأقارب البريين له أعشابًا ضارة.

 

أما عن أن استخدام المحاصيل المهندسة وراثيًّا لمقاومة الحشرات قد يضر حيوانات أخرى غير مستهدفة، فقد لوحظ في الولايات المتحدة أن أحد أنواع البطاطس المعدَّلة وراثيا (بطاطس كلورادو) لمقاومة الخنافس تقتل لسميتها \"خنفساء أبو العيد\" ladybird beetle، وهي خنفساء نافعة.

 

على أية حال لدينا في هذا الشأن دراستان: الأولى ما استهللنا به المقال، وهي التي قامت بها \"لوسي جون\"º حيث درست وزملاؤها تأثير حبوب اللقاح التي تنتجها الذرة المعدَّلة وراثيا لمقاومة الحشرات بعد أن أمكن نقل جين وراثي من أحد أنواع البكتريا bacillus thuringiesnsis للذرة بما يجعلها تكون مركبًا سامًّا يدعى Bt toxin يقتل القمل القارض.

 

فالريح يمكن أن تحمل حبوب اللقاح لتلك الذرة لما يزيد على 60 مترا، لتغطي بذلك أسطح نبات حشيشة اللبنº لتأكل منه يرقات فراشة الملكة فتلقى حتفها، وقد كانت نتيجة التجربة التي قامت بها \"لوسي\" هي بقاء كل اليرقات التي تغذت على حبوب لقاح الذرة العادية، بينما لم تكتب الحياة إلا لحوالي 56% من يرقات الفراشة التي تغذت على حبوب اللقاح التي أنتجتها الذرة المعدَّلة جينيًّا لمقاومة حشرة القمل القارض.

 

والدراسة الأخرى قام بها \"دباك ساكسينا\" من جامعة \"نيويورك\"، والتي كشفت أن جذور الذرة المعدلة جينيًّا لمقاومة الحشرات تفرز كميات من المركب السام Bt toxin، وبالرغم من عدم ثباتهº فإنه يتحد مع حبيبات التربة مما يحافظ على سميته، وبالتراكم على مدى 230 يوما يزداد تركيزه إلى مستويات علياº مما يؤدي بالتأكيد إلى موت العديد من اللافقاريات اللصيقة بالتربة، وهو ما سيؤثر على معدلات التحلل ودورات التغذية للنبات والحيوان في التربة على حد سواء.

 

ومع ملاحظة أن ما لدينا هما دراستان فقط وعلى نوع واحد من المحاصيل المهندسة وراثيًّا، فإنهما تلقيان بأضواء كاشفة على قدرة سميتها على البقاء في التربة والانتقال بالريح، وأنها قاتلة لكائنات تبدو ألا علاقة لها من قريب أو بعيد بالهندسة الوراثية ومحاصيلها.

 

وتبقى النقطة الأهم والفاصلة وهي أن هذه التقنية ما زالت في مهدها، وأن الدراسات التي تكشف عيوبها ما زالت جنينيةº لذا يجب التذكير دائمًا أنه مع بداية ظهور المبيدات الحشرية ومقاومات الآفات الزراعية في أربعينيات القرن الماضي، اعتبرها مبتكروها آمنة تماما، وظل ذلك الاعتقاد سائدا لعقدين من الزمان حتى ظهرت الآثار السلبية لها، واكتشف عظم خطورتها، وتعالت الأصوات منادية بالتخلي عنها، ثم تبع ذلك سن القوانين التي تُرشِّد من استخدامها، ثم القوانين المانعة لاستخدامها أساسًا، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

 

اقرأ أيضًا:

شجرة وتفاحة وحشرة آخر عنقود هندسة الجينات.

ألبا الخضراء المتوهجة والتلاعب بالجينات.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply