الأغذية المعالجة وراثيًا


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 [أ] جينات العُقم النباتي:

إن الفلاح الذي يريد محصولاً متفردًا يحلم بحبوب معدلة وراثيًا مما تنتجه شركة \"مونسانتو\" الأمريكية، وهي أكبر شركات التكنولوجيا الحيوية في العالم، التي تنتج بذورًا لمختلف النباتات أدمجت بها مورثات مقاومة للحشرات والأعشاب الضارة، وربما لإنتاج محصول أوفر. ولأن مثل هذه البذور غالية الثمن يطمع الفلاح أن يعاود استخدام البذور التي تنتج عن زراعته، كما اعتاد الفلاحون منذ بداية معرفتهم للزراعة وحتى يومنا هذا، لكن الشركة الأمريكية كانت تشترط على المشتري في عقد الشراء عدم معاودة استخدام البذور، وكان يوقع على ذلك. وإن ظل على حاجته للمحصول الوفير المميز في العام التالي فعليه اللجوء لنفس الشركة ودفع القيمة الإضافية في الثمن المرتفع، لأن الشركة تملك براءة حق الملكية الفكرية، منذ أن سجلت البذور المعدلة وراثيًا. وأصبحت مالكة الحق للتحكم فيها. وبالطبع كان من الصعب على الشركة متابعة تنفيذ هذا الاتفاق، وهنا تفتق ذهن الشركة عن حل جهنمي.

 كانت شركتان من الشركات العاملة في حقل التكنولوجيا الحيوية قد توصَّلتا بدعم من وزارة الزراعة الأمريكية إلى إنتاج مورث يستخدم في تكنولوجيا هدفها الإصابة بالعقم. وحين يجري إدخال هذا المورث في المادة الوراثية للمحصول المعني يصاب بالعقم حين يصل إلى مرحلة تكوين البذور، وبالتالي تستحيل زراعة هذه البذور. وبالطبع حصلت الشركتان على براءة تعطيهما حق التحكم في استخدام هذا المورث.

 هنا تفتَّق ذهن \"مونسانتو\" عن مخططها الجهنميº حيث عرضت شراء الحقوق الخاصة بتكنولوجيا العقم بمليار دولار مع عرض لشراء \"دلتا\" إحدى الشركتين المصنعتين- وتم قبول عرضها توًا، وأعلنت عن عزمها على إدخال المورث في البذور المعدلة وراثيًا التي تبيعها، وبذلك لا تكلِّف نفسها عناءً، وإن حاول أي فلاح معاودة استخدام البذور يضيع عليه المحصول، وتضمن بذلك أن يأتيها من يريد صاغرًا ويدفع ما تريد.

 ومنذ حصول المعنيِّين على براءة مورث تكنولوجيا العقم أطلقت عليه منظمة \"جرين بيس\" اسم المدمِّر وخرجت بسيناريو يرى أن غبار الطلع الناتج عن المحاصيل الحاملة للمدمِّر يمكن أن يتحرك مع الريح كسحابة سامّة، وأن التزاوج الذي يمكن أن يحدث بينه وبين المحاصيل العادية الأخرى وبينه وبين النباتات البرية سيؤدي إلى إصابتها جميعًا بالعقم، مما سيقضي على الحياة في كوكب الأرض تمامًا، وشنّت \"جرين بيس\" حربًا شعواء على المدمّر مطالبة المعنيين في كل مكان بإرسال احتجاجات إلى إدارة الزراعة الأمريكية.

ورغم أن هناك ثغرات علمية كثيرة في سيناريو قيام القيامة المتمثلة في العقم الشامل لعالم النبات فإن \"مونسانتو\" وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه أمام الرأي العام، فالتكنولوجيا ممتازة من حيث آفاق التسويق، لكنها بالمعايير الاجتماعية تكنولوجيا مريضة، ناهيك عن أنها أخذت على عاتقها البتّ في قضية من يتحكم في بذور الحياة.

[ب] الباحث أرباد بوزستاي والتعسف البريطاني: مع ولادة الهندسة الوراثية أخطر فروع علم الحياة..صار بالإمكان \"تفصيل\" كائنات حية دقيقة تقوم بمهامّ متباينة لم تكن تخطر على البال، وتحوّلت جهود الإنسان في تحسين الأحياء من مجرّد متابعة المخلوقات الطبيعية وهي تتكاثر وتتحسن أجيالها إلى التدخل إلى \"الكود\" الوراثي لهذه المخلوقات باستخدام تقنية القطع والوصل والترقيع في بنية المورثات (الجينات) أي تفصيلها، في نهاية المطاف حسب الطلب، لتقوم بمهامّ \"صناعية\" محددة.وبشَّر ذلك بثورة زراعية تتيح وفرة من الغذاء عن طريق زراعة أصناف محسنة وراثيًا.أصناف من القطن والقمح والأرز والبطاطس إنتاجيتها أكثر وتقاوم ظروف الجفاف والصقيع والملوحة والأمراض والحشرات، ويمكنها أن تنمو بأقل قدر من الأسمدة والمبيدات، وأيضًا هناك وعود بنباتات تصنع غذاءها من الهواء مباشرة بدلاً من أن تستنزف التربة أو تعتمد على السماد.

 

لكنه على مدى 3 عقود من السنين تحوّلت الهندسة الوراثية من مجال بحثي إلى تكنولوجيا فاعلة تدرّ بلايين الدولارات، يمسك بدفّتها رجال أعمال كبار، يديرون تطبيقاتهم وسط بحر تزلزله أعاصير السياسة والسوق والاستثمار والإعلام، بل والمناورات التي تستهدف نهب أغنياء العالم لفقرائه.

ولا بأس عند هذا الحدّ من تتبع الأمر وفق الوقائع التي شهدها عالمنا. كان الأمر قد بدأ بإعلان أحد الباحثين البريطانيين (آرباد بوزستاي) في برنامج تليفزيوني بأن الفئران التي تم تغذيتها بنوع من البطاطس المعدلة وراثيًا (على نحو محدّد) قد تعرّضت لعدم اكتمال أجهزتها الداخلية، كما تعرّض جهاز مناعتها للوهن. وحتى هنا كان يمكن أن يمضي الأمر على نحو طبيعي، وتتم مواصلة البحث لمعرفة سبب ما حدث للفئران. خاصة أنه لم يقترح أحد أن يأكل الإنسان هذا النوع من البطاطس المسمّمة. لكن سلسلة ردود الفعل بعد إعلان الباحث اتسمت كلها بالعصبية.

 أقالت المؤسسة البريطانية الباحث من منصبه. وتوالت التداعيات حتى أقدم 20 باحثًا من مختلف أنحاء العالم ضايقهم ما حدث لزميلهم، على الإعلان عن تضامنهم مع الباحث، وطالبوا بعودته إلى عمله وقالوا: إن نتائج أبحاثهم تتفق مع نتائج أبحاثه. وبادر بعض الباحثين إلى تأكيد وجهة نظر مؤدّاها أن المضارّ الناتجة ليست عن السم الذي أدخل في البطاطس، وإنما عن جزيء من مادّة وراثية تستخدم في حفز عملية الخلط نفسها، وهي موجودة في المحاصيل المعدلة وراثيًا ستتكرر حتى مع أي \"بلسم\" تضاف جيناته للنباتات.

المهمّ أن جهات عدة أخذت الموقف المتعقّل الصحيح، وطالبت بتجميد الإنتاج التجاري للنباتات المعدلة وراثيًا حتى يتمّ درس الموضوع، وكان من بين هذه الجهات مجلة \"نيتشر\" العلمية البريطانية -وهي مجلة راقية راسخة القدم- التي اقترحت أن يكون التجميد لـ 3 سنوات. لكن الحكومة البريطانية ركبت رأسها رافضة الأمر، وأعلن \"توني بلير\" أن النباتات المعدلة وراثيًا لا تنطوي على أي أضرار، وأنه شخصيًا يتناول الأطعمة التي تحتوي على مثل هذه النباتات، وفي تصريح رسمي قال: \"إن أسوأ السبل هو إثارة مخاوف العامة قبل أن توضع الأدلة أمام الشعب\"، إبان ذلك.. حدثت وقائع زادت الأمر اشتعالاً حيث ظهر أن قائمة المحتويات الملصقة على المعلبات التي تباع في المخازن لا تنصّ كثيرًا بصورة دقيقة على إن كانت تحتوى على مكونات معالجة وراثيًا أم لا، وأن 60% من المعلبات وأغذية الأطفال وألبانهم تحتوى على مكونات معدلة وراثيًا.. الأمر الذي يعني حرمان المستهلك من أبسط حقوقه، وهو معرفة ماذا يشتري وماذا يأكل في حقيقة الأمر؟.

كما ظهر أن الشركة التي أقالت الباحث المعنيَّ تعمل بدعم من الحكومة البريطانية، وأن السبب وراء موقف الحكومة أن الشركات البريطانية العاملة في مجال التقنيات الحيوية تحتلّ مركزًا طليعيًا على مستوى العالم، وأن عدد العاملين بها يناهز مئات الآلاف، وأن تجميد إنتاج محاصيل تجارية سيضر بوضع هذه الشركاتº لأن هناك بلدانًا في أمريكا الجنوبية مثل البرازيل مستعدّة للإقدام على هذه الخطوة، مما سيفقد الصناعة البريطانية وضعها التنافسي المميز.

 وقد أضفى على المشكلة جوًا متوترًا عدد من الظروف التي تخصّ الوضع البريطانيº أولها: أن تصنيع الغذاء هناك هو الأقدم في العالم كله، وأن جزءاً كبيرًا من تغذية البريطانيين من المعلبات. ثم إن هناك أزمة ثقة بين البريطانيين والسلطة والأجهزة الرقابية في هذا الصددº لأن هذه الأجهزة هي مربط الفرس في حقيقة الأمر، فليس من المعقول أن يحصل كل مستهلك على درجة علمية في الكيمياء الحيوية حتى يتابع عن وعي ما هو مكتوب في \"قائمة محتويات\" ما يشتريه من غذاء.

المهمّ أن ذلك كله عزز ما يروجه البعض من أن الأغذية المعدلة وراثيًا إحدى تجارب العولمة التي يتمّ فيها تحويل البيئة والناس على نطاق العالم كله إلى حيوانات تجارب، وكان هناك ما يؤكد ذلك على مستويات عدة.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply