الأرض الحطيبة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

شدت الشمس رحلها للرحيل وآذنت بالوجوب، على أدؤر وبيوتات صغيرة، تقتحمها العين، قد رُفعت قواعدها على سفح جبل أجرد، بين يديه واد موحش، في قلب سَبسَب خالية من أسباب الحياة، تمتد إلى غير ما حد، قد تَقَبضت عليها السماء واقشعرت تحتها الأرض.

 

مالت الشمس ومازال (أحمد) ابن السبع مستغرقا في خلوته و لعبه وأنسه في أرضه الحَطِيبة، المظاهرة لدارهم التي اعتاد الاختلاف إليها وكان(أحمد) مجموعا على نفسه، يحب اللعب وحده، يأنس بمفرده يقضي الساعات ذوات العدد فلا يستشعرها إلا ثوان، فتارة تجده في الطين يبني ويهدم مفتر الثغر، وأخرى يُقمش الأعواد ويذكي النيران مشرق الوجه.

 

وبينا هو كذلك إذ بسكون الليل قد دب في قلب القرية، فكلُّ قد اقترب من منزله، وعاد من متجره، وقل السابلة في الأزقة إلا من بعض الأعقاب، وهدأ حنين السيارات، وعلا رغاء الدواب، فانتبه!! واقشعر جلده، وخفق قلبه، فقد أخذه اللعب، وعلم أن تريثه هذا سيعرضه للعقاب، لأنه سيقلق قلب أمه عليه، فلما أدار وجهه شطر داره حداه الشوق إلى حضن أمه الآمن، وإلى طعامها الدافئ، وإلى حبها وحَدَبِها.

 

كيف لا يحدوه الشوق إلى من تظمأ لتسقيه وتجوع لتشبعه وتعرى لتواريه وتتعب لتريحه؟!

كيف لا يحدوه الشوق إلى من خف لحمها وتساقط شعرها وكبر همها بعد أن عرفته؟!

اشتاق لها ولطعامها فقد أنسته سكرة اللعب ولذة اللهو لسعة الجوع وحرقة العطش.

 

فلما هم أن يطلق قدمه للريح اعترض طريقه رجل في عقده الرابع، قد تعجر وتعمم بالسواد، طويل ذاهب في السماء، كبير الرأس، ضخم اليدين والرجلين، بطن ممتلئ الجسم أحمر العين، أسود الشفة، قد وقّف خلفه دابة حديدية، كأنها نهدة مطهمة.

فأوجس (أحمد)في نفسه خيفة، وانحبس في مكانه، وامتلأ قلبه خشية، وظنه جان قد تشبح على صورة إنسان، فلما رآه الخبيث خائفا راهبا، ابتسم له عن ثغر لم ير أقبح منه، كأنه مزبلة أسنان ومقبرة أضراس، قد أسود وأصفر، فزاد طينة الطفل بلة، وقال له بصوت أجش خرج معه نكهة فمه ونتنه: ما اسمك يا بني؟

فرد الطفل بصوت قد حُصر: أ..أحـــ..أحمد!

 

فقال الخبيث: ما شاء الله أكرم بهذا الاسم وأنعم ـ أصلحك الله وحفظك ـ اركب معنا لنوصلك دارك، فإني أرى هذا الوقت يخشى على السائر فيه، ويتهيب منه الرجال الأشداء، فكما ترى السحب ثقيلة، والريح قد تَنَاوحت، ولا أعصمك من دواب الأرض، فإنها تهوى الانتشار في الظلمة.

 

فاطمأن(أحمد) لما سمع لأنه طفل، وهذه قلوب الأطفال صادقة لا تكذب مخلصة لا ترائي رحيمة لا تقسو، وإن تعجب فعجب قلوب أخذت منها الرحمة، وانتزع منها الحدب قد لبست جلد الذئاب، وأديم السباع، تقسو على أطفال غُمر وتظلمهم! ما أدم الظلم في حق من لم يظلم حتى نفسه! ما أقبح القسوة في حق من لم يقس على أحد!

 

كيف تقتل الحياة في الحياة، وكيف تؤد السعادة في السعادة، إن أردت أن تنسى همومك وتجلي غمومك، فانظر للطفل وهو يلعب مع لداته، انظر إلى ابتسامته التي تعيد لك الحياة في عروقك، انظر لضحكاته التي ترد روحك وتشرح صدرك، وربما أبكتك فتختلط فرحتك بهم بخوفك عليهم. ما أرى هذه القلوب إلا قد حرمت اللذة والأجر في الدنيا والآخرة! ولا أرى أحلام أصحابها إلا طافية طائشة!

 

اطمأن (أحمد) لما سمع وأَنعَم له، فأردفه في سيارته، وانطلق يسابق الريح، ويطوى المفاوز، وحين رآه اتجه شمالا ارتاب وطارت نفسه شعاعا، وقال له: يا عم دارنا في الجنوب، وأراك أميت الشمال؟!

فقلب له ظهر المجن وقال له: اسكت فوالله لأقطعن لسانك، ولأرمينك لذئب الجبل، فحاول الهرب، لكنها محاولة ما تمُِر وما تحلي، ولا تنفع ولا تضر، أحفظت السارق، وأغارت صدره، فلطمه لطمة، تصفر منها الأنامل، كادت أن تخلع أضراسه، فحين علم أنه لا يستطع أن يَنضَح عن نفسه، بكى بكاء مرا كاد يحرق مقلته الصغيرة، ولما انثالت على قلبه الغَمر، وجسمه اللدن، هذه الأرزاء، ذُهِل عقله، وغشي عليه.

 

وأَفظَعت حادثة (أحمد) القرية، ونزلت على قلب أمه كالموت، فكاد قلبها يتصدع، فأمضت ليلها تنوح وتلطم، لم تذق طعاما ولا شرابا ولا مناما، فاتخذ أهله الليل جملا، وأمضوا الرجال والسيارات في طلبه، فلم يتركوا حجرا ولا مدرا ولا وبرا إلا نقبوا عنه، وبحثوا فيه، وكانت ليلة كجناح الغراب، بطيئة الكواكب، كأنها بلا أسحار ولا أنوار.

فلما استيأست أمه منه، وسلت ثيابها من ثيابه، بكته حتى ابيضت عيناها، وتفطر فؤادها فرَنّقَت عليها المنية، ورفرف فوقها الحِمام، وشارفت على الموت! وكانت تقول: لو رُمس في التراب ووري الثرى، كان أحب إلي من أن يغيب ذكره، وتجهل أرضه، فلا هو حي فيرجى ولا ميت فيرثى!

سبحان الله! إن هناك مصائب أعظم رزية من الموت! وأشد وقعا من المنية! فليحمد الله من مات ابنه ودفنه بيديه، فإن هناك من يتمنى هذه النعمة!

غشي على (أحمد)، فما عاد لبه إليه إلا بقدم هذا الخَتّار المخادع تطأ على صدره، وتركله على شِقه، فنهض على غير ما اعتاد من طمأنينة، وأمن وفرح وانبساط، ولا بِدَع فقد شَبُل بين أحضان أمه وأبيه، وتفيأ ظلال الخفض عندهما، ومُد عليه رواق النعيم تحتهما!

انتبه وهو خائف جائع! قد خَرُس من الرهبة! فلكم أن تتصوروا طفلا خِيط بجوفه الخوف واحتواه الرعب كيف تكون حالة! فرمى الخبيث بصحفة فيها طعام، بُيّت من ليالٍ,، قد امتلأ رَهَجًا، فانكب عليها (أحمد) فقد بلغ منه الجوع مبلغا لا يحتمله الراشد، ثم نزعها الخبيث من فيه ولما يقض أحمد نهمته!

وأشار إلى قطيع من الغنم قد اعترضت بيته، وقال: هذه البهم أنت مكلف بحمايتها ورعايتها، ستلحقها والشمس في خدر أمها، وستجد أمامك رعاة قد ثَقِفُوا هذه الصنعة فتتعلم منهم وتأخذ عنهم، ولا أريد أن أرى وجهك إلا والشمس قد مالت!

فصعق (أحمد)! أيعمل ويصبح راعيا وهو لم يعرف إلا اللعب واللهو في أرضه الحطيبة! أيعمل ولما يعتد قلبه على الصوارف والشواغل! فبكى (أحمد)! وتوسل للخبيث أن يرده إلى أهله، وإلى أمه، يريد أن يعود لأرضه التي يلهو فيها أمام منزله، ثم يَستَروح خبز أمه فيجري تعلو ضحكاته، حتى يرمي نفسه على الحصير، ويرفع بصره إلى السماء ونَفَسُه يتصاعد، فيرى الطيور تسبح فيها، ويراقب السحب تمشي متمهلة فتتعانق، وربما تساقطت على وجنتيه قطرات نميرة باردة، يجلبها النسيم الرخي، ويبصر أمه الحنون، وهي تنضح الماء على أرض الدار، كي تبرد إذا عسعس ليل الصيف الفضي المسكي، ويصغي لثغاء الغنم، وهماهم الإبل، وحمحمة الخيل، وصياح الديكة، وسجع العصافير، وهدهدة الطيور، وهديل الحمام، وجلبة الرعاة، وحنين السيارات، ثم تهدأ هذه الأصوات، وكأنها تنتظر ختام يومها، فيرتفع أذان المغرب بنغمة شجية، تبعث في قلبه طربا وسرورا، فيتوضأ محاكاة لأبيه وجده، ثم يؤم المسجد ثم يعود ويأكل خبز أمه الدافئ، ولا يدري إلا والشمس تداعب صفحة وجهه، وإذا هو قد حمل إلى فراشه، وهو لا يشعر فيقفز منه كالأرنب، ليبدأ يوما جديدا!

وإذا كان الشتاء، يجلس بجوار أبيه أمام الموقد، يمتع مقلتيه بألسنة النار، ويطرب أذنيه بِنَشِيش الحليب، ويمني بطنه الصغير بمذقة منه، ثم يغوص تحت ركام من الأغطية بجانب أبويه حتى يتنفس الصبح!

توسل إليه! وتعلق بأسماله! وهو يبكي فلم يحرك فيه شعرة! فضربه ضرب غرائب الإبل، وحمله على الذهاب! ثم إنه خشي أن تتكشف الأمور، فتبناه وألحقه بأبنائه وادعى أنه لطيم من امرأة كان قد فارقها منذ سنين!

مرت ثلاثة عقود و(أحمد) يعالج وُعُوثَة الصحراء وخشونة العيش حتى تألَّفها بعد مكابدة يتتبع بأغنامه منابت الكلأ ومساقط المطر وكان أمينا يحرص عليها رحيما يرفق بها حتى أَرَاعَت وكثرت ولم يشفع له ذلك عند السارق الظالم فقد كان معه شرسا شَكِسا فكم أذاقه بغفلة شديد العذاب! وكم حرمه بزلة الطعام والشراب!

وكان (أحمد) لا يعرف عن أصله إلا ما يعرف النائم بعد قيامه، يتذكر أمه طيفا لا يتبين، وأباه خيالا لا يرى، وقريته شبحا لا يتصور، فكم أعمل عقله وأجهد فكره فلا يجد رجعا إلا الدموع، فاشتهر أنه اتخذ البكاء عادة، والصمت سجية، والسهاد طبعا!

طويت الأيام فشاخ السارق وشَمُط وحضرته الوفاة فدعا أكبر أولاده وأفضى إليه بأن (أحمد) جُنُب لا حق له في التركة فهو كما يقول دعي النسب وتكتمه حتى يموت!

نعوذ بالله! لا تعجب ـ أخي المسلم ـ لهذه الجلاميد التي في الصدور فقد اعتادت السيئات وتربت على الذنوب فالخطيئة تأخذ بيد أختها حتى تهلك صاحبها!

قضى الله أمره ولفظ السارق أنفاسه فلما رُمس في قبره وخلي بينه وبين سيئاته وأقبل على الله - عز وجل - محملا بظلمه وفجوره اجتمع أبناؤه لقسمة تركته وأخبرهم كبيرهم بوصية أبيهم فأجابوه وحرموا (أحمد) الميراث وأخبروا أنه دعي لقيط لا أهل له وطروده من القرية كلها!

فهام (أحمد) على وجهه يضرب حياته مثلا لقسوة الظلمة وبشاعة جريمتهم ويثبت للعالم أن الظلم ظلمات يوم القيامة!

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply