ملامح الأدب الإسلامي الأوردي


  

بسم الله الرحمن الرحيم

أثر الإسلام في نشأة اللغة الأورديّة:

تحدث الدكتور سمير عبد الحميد إبراهيم عن نشأة اللغة الأورديّة، وتساءل: ماذا نعني بالأدب الأورديّ؟ وقال: لقد كان للإسلام أثرٌ عظيم في شبه القارة الهندية، وشهدت تلك المنطقة عصرها الذهبيّ زمان الحكم الإسلاميّ في ميادين الحضارة والآداب والفنون، إذ تصدّرت اللغة العربيّة لغات المناطق الإسلاميّة بالهند، كما اختلطت باللغتين التركيّة والفارسيّة، وكان السكان يستخدمون لغاتهم المحليّة ممزوجة باللغة العربيّة واللغتين الفارسيّة والتركيّة، بفعل عامل العقيدة الإسلاميّة، والتزواج الاجتماعيّ بين العرب وأهل السّند الأصليّين، ولذلك ظهرت اللّغة الأورديّة خليطاً من لغة أهل البلاد ولغات الفاتحين، وقد اتسعت رقعة اللّغة الأورديّة مع الدولة المغوليّة التي حكمت الهند، وفي زمان الإمبراطور شاهجهان تأصلت جذور اللّغة الأورديّة لأنه كان يجيدها، وأصبح على أي موظف في البلاط أن يعرف الأورديّة، وكانت الأشعار الدينيّة تمتزج بالألفاظ العربيّة والأورديّة، وهكذا ولدت الأورديّة في ظلّ الإسلام فأصبحت لغة التفاهم والتخاطب، ولغة البلاط.

 

محمد ولي الدكني رائد الشعر الأوردي:

يعدّ الشاعر وليّ الدكني رائد للشعر الأوردي، وظل الشعراء بعده ينهلون من حوضه الذب إذ مزج باقتدار لغة الشمال بلغة الجنوب وجعل منهما اتجاهاً أدبياً واحداً، وقد سافر محمد ولي الدكني إلى (دلهي- دهلي) عام 1112هـ/1700م والتقى هناك (بشاه سعد الله كلش) ولعلّ هذه المقابلة كانت نقطة تحوّل مضيئة في تاريخ الأدب الأورديّ، إذ استمع شاه سعد الله إلى أشعار (محمد ولي) وأشار عليه بقراءة الأدب الفارسيّ والاستفادة منه، فأخذ هذا الشاعر يعبّ من معين هذا الأدب، وصاغ شعره بعد ذلك متأثراً باتجاه المدرسة الفارسيّة، واستطاع محمد ولي الدكني أن يمزج بأسلوب ماهر بين لغته الأورديّة بأسلوبها، واللغة الفارسيّة، وكان ديوان شعره في هذا الاتجاه قمة في البهاء والروعة، وقلدّه كثير من شعراء الأورديّة مستفيدين من الشعر العربيّ والفارسيّ، وكان محمد ولي الدكني قد أرسى بحور الشعر التي تناسب الشعر الأورديّ من خلال معرفته بإيقاع البحور العربية والفارسية يقول ولي الدكني في إحدى قصائده:

(الشّمس الحقيقيّة تضيء في كلّ ذرّة

وهكذا فأنا بلبل كل روضه

وكان محمد ولي الدين زاهداً تقياّº لذا نراه يمزج الحبّ بالزهد والتّقوى فيشدو مغرّداً للقناعة:

(أيّها القلب نزّه داخلك من الأنانية

إذا أردت لضوء الشّمس أن يستمر

يا \"ولي\" لقد نلت دولة القناعة

وهكذا صارت الأرض لك بمثابة القناعة

وصارت السّماء لك كالمِظلّة الملكيّة

طمع المال عيبٌ كُلّه عيب

وعيبٌ أن تراودك أفكار

الحصول على كنوز العالم)

وممن تأثر بولي الدكني الشّاعر شاه حاتم، واعترف بفضله، وحاتم شاعر كبير اعترف بمقدمة ديوانه (زاده) بأستاذيّه محمد ولي الدكني.

ويقول: (أستاذي في الشعر الأوردي هو وليّ الدكني)

ويقول في بيت من أشعاره:

(أنا لست بشيء هيّن في فنّ الشعر

أما ولي الدكني فهو ولي الشعر

ففي داخله بذرة شجرة الأدب)

كما تأثر سيد محمد فراقي بولي الدكني في أشعاره، وإن كان يميل إلى السّهولة والبساطة والتّسامح والزهد.

أما سيد سراج الدين فيُعدّ أعظم شعراء العصر التالي لولي الدكني، وهو من أفصح شعراء الأورديّة، وأقواهم بياناً، ويتميّز بعاطفته المتدفّقة الجيّاشة من خلال روحانيّة طاهرة صافية، وكان زاهداً تقيًّا، مُتمكّناً من الفارسيّة وأدبها، يقول في إحدى قصائده متواضعاً مُنكسِراً لله:

(أيها الرّفاق استمعوا إلى حكاية آلامي

اقطفوا البراعم من روض قلبي

إنّ الآلام التي مرت بي آلام عجيبة

فقد شملت كلّ معاناتي

ماذا أقول وقد ثقبت كبدي بإصابتك لي؟

وحكايتي حكاية لا تنتهي

لو سمعها الحجر

لتفتّت منزعجاً متحيّراً

 

خصائص الأدب الأوردي:

تأثر الأدب الأوردي بمدرسة الإيهام الشعريّ (التعقيد) وكان ذلك واضحاً حتى عند الشّعراء الكبار مثل: مرزا رفيع سودا، وقيام الدين قائم، وغيرهم، مع أنّهم ارتقَوا بالشعر الأوردي من خلال مزجه بالتّراكيب العربيّة والفارسيّة لا سيما الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة الشّريفة وهذا الاقتباس أثرى الأدب الأوردي كما كان للقيم الدينيّة والثقافة الإسلاميّة دورها، كما اهتموا بعلوم البديع والمعاني والبيان متأثرين بالعربيّة كذلك حافظ الشعراء على القوافي في ظل قواعد الشعر العربيّة.

أما الموضوعات فكانت موضوعات جادة مثل: الزهد، ومدح العلماء وأصحاب الدين وتصوير الدنيا الفانية، وحسن الأخلاق، وفضائل الأعمال، كما اهتمّ الشعراء بتصوير الأحوال الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعية، أما الشعراء الذين هاجروا من (دهلي) إلى (الكهنو) فقد كان شعرهم ينبض بالشّوق والحنين والحزن على بلادهم التي هجروها، بل ظهرت مدرسة في تاريخ الأدب الأوردي هي (مدرسة الكهنو، ومن أبرز شعرائها: ناسخ، وغالب، وذوق، ومؤمن) ولعل من أهم مميّزات هذه المدرسة الاهتمام والتركيز على هموم المسلمين والتعبير عن وجدانهم وآمالهم، كما ظهرت فيما بعد حركة الإحياء الإسلامي في الشعر الأوردي والتي قادها محمد إقبال ثم ظفر علي خان، وكان لها الأثر العظيم في الأدب الأوردي.

أما في مجال النثر، فقد برز أبو الكلام آزاد في أدب المقالة الإسلاميّة وعبد الحليم شرر في فن الرواية الإسلاميّة وغيرها.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply