من ذاكرة الطنطاوي : دعاية الواعظ للمنكر ( 2 )


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

يروي لنا الشيخ الأديب علي الطنطاوي - رحمه الله - في كتابه الذكريات (1/36) عن أحد شيوخه، فيقول: \"ومن طريف أخبار ذوي الغفلة من الوعّاظ، أن أحد مشايخنا جاءه من يقول له: إن (منيرة المهدية) تغني وترقص في (العباسية)، فأعلن غضبه في درسه في الجامع الأموي، وقال: كيف ترقص هذه المرأة أمام الرجال، وهي كاشفة جسدها، مبدية مفاتنها؟! أين الدين، وأين النخوة؟ فقالوا: نعوذ بالله، وكيف يكون هذا؟! وأين - يا سيدنا - ومتى؟ قال: في العباسية، في الليل، بعد صلاة العشاء. وكان نصف المقاعد خالياً، فامتلأت تلك الليلة المقاعد كلها! فليتنبه الواعظون، فكثيراً ما تكون المبالغة في وصف المنكر دعاية له! \" أهـ.

وبحق، لقد كان هذا الشيخ الواعظ غيوراً على محارم الله - تعالى -، ولكن مع نوع غفلة، وقصر نظر، كانا سبباً في قيامه بوظيفة الدعاية للمنكر من حيث لا يشعرº إذ حشد جمهور هذه المغنية الراقصة من بين أروقة الجامع الأموي، ومن خلال مجلس الوعظ والإرشاد! فبدافع الغيرة، والدفاع عن الدين والنخوة، وصف هذا الواعظ ذلك المنكر بدقة، فوصف الفعل، وسمى الفاعل، بل وحدد الزمان، وعيّن المكان، فأرشد من لم يدُر بخلده ذلك المنكر، ولم يسمع به لحضور ذلكم المشهد الماجن، وبطبيعة الحال فإن الواعظ لم يفطن لهذا الدور الذي قام به! وكان لسان حال عدد من المستمعين لهذا التقريع، و(المتأثرين) بهذا الحدث، والمتلهفين له، هو انتظار وقته الموعودº للتطفل برؤيته، أو الاستمتاع بمشاهدته، وبهذا أصبح الترهيب ترغيباً، وصار التحذير يحمل طابع التشويق، بحيث تشوّف عدد من طلابه، أو من حاضري مجلس وعظهº لرؤية هذا الرقص والغناء، إما بدافع الفضول، وإما لقضاء الوطر، وهذا كله بسبب غفلة ذلك الداعية، وقلة حنكته في مجال التربية والوعظ، ولا يخفى أن من أبرز صفات الداعية، وأهمها أن يكون حكيماً في دعوته، كما قال الله - تعالى -: (ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ).

فإن كان الداعية حكيماً، يضع الأمور في مواضعها، وإلا أصبح ينقض ما يفتله غيره، ويفسد أكثر مما يصلح!

وللأمثلة على غفلة بعض الوعاظ شواهد عديدة في واقعنا المعاصر، أضرب لها مثالاً واحداً، نراه يتكرر كثيراً في بعض الكلمات الوعظية، والمحاضرات التوجيهية، عبر برامج الإذاعات والقنوات، وأشرطة التسجيل، وهو دعوة كثير من هؤلاء الفضلاء إلى البر بالوالدين والإحسان لهما، ولكن من خلال سرد قصص العقوق البشعة التي يقشعر لها البدن، ويشتعل منها الرأس شيباً، وذلك بهدف وصف واقع هذا العقوق، والتنفير منه، والتنديد به، وأحياناً أخرى لأجل بيان عاقبته، وسوء مغبته، وفي ظني أن هذا الأسلوب الوعظي - الصادر بنية حسنة، وغيرة صادقة - يجرئ النفوس على التمرد والعصيان، أكثر مما يحدوها إلى البر والإحسان، فكم من مقصر في حق الوالدين أو أحدهما، يسمع قصص العقوق البالغة في القبح، والموغلة في الوحشية، المتمثلة في قتل الوالدين، أو ضربهما، أو سبهما، أو طردهما من المنزل وإلقائهما في ملاجئ العجزة، أو نحو ذلك مما تشمئز منه النفوس الإنسانية، فضلاً عن المسلمة، فيقارن نفسه المقصرة بهذه الصور الوحشية من العقوق، فيرى نفسه قد بلغت من البر مداه، ومن الإحسان أعلاه، مع كونه مقصراً في جنب والديه، فيهون عليه ما هو فيه من تفريط، ويصغر في عينه ما هو واقع فيه من تقصير، بل ربما يرى أنه قد قام بالبر كما يجبº مقارنة بغيره، ومن هنا كان خطأ الداعية أو الواعظ حين اتخذ من أسلوب هذا القصص مطية له في الحث على البر والصلة والإحسان.

ويتضح هذا أكثر بالنظر إلى أسلوب الشارع الحكيم، حين أمر بالبر بالوالدين، وحذّر من عقوقهما، فهو حين أمر بالبر ضرب أروع الأمثلة، وأعظم القصص في البر، مما تتشوف النفس إلى بلوغه، وتذعن له بالتقصير مهما بلغت من بر وإحسان، كما يتجلّى هذا في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، ومنهم ذلك الولد البار الذي كان له أبوان شيخان كبيران، وكان لا يقدم قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى به طلب الشجر يوماً، فلم يرجع إليهما إلاّ بعد نومهما، فحلب لهما غبوقهما، فوجدهما نائمين، فكره أن يوقظهما وأن يقدم عليهما أهلاً ولا مالاً، فلبث ينتظر استيقاظهما - والقدح في يده- حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، ففرّج الله - تعالى -عنه ما هو فيه من كرب، فانظر إلى هذه الصورة التي يتجسد فيها البر بأبهى صوره، والتي يقف عندها كثير من الأبناء البررة حائرين، عاجزين عن الوصول إلى هذه المرتبة العلية التي دونها خرط القتاد! مكتفين باحتقار النفس أمام هذه المنزلة الرفيعة، مهما كانت الهمة في البر والإحسان، ومهما بلغت المنزلة فيهما.

وبالمقابل، حين يضرب الشارع مثالاً للعقوق، فإنه يمثله بأدنى صورهº ليزجر النفوس المسلمة عما هو أشنع منه فعلاً، وأقبح منه جرماً، ففي القرآن الكريم يضرب الشارع مثالاً للعقوق بقوله: (فَلا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ, وَلا تَنهَرهُمَا). فهذه الكلمة المكونة من حرفين (أفٍ,) اعتبرها الشارع من العقوق، إذاً فكيف بمن تفوّه بما هو أكثر منها عدداً، وأقسى لفظاً، وأقبح معنى! وحين حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من سبّ الوالدين في قوله: \"لعن الله من سبّ والديه\" لم يفسر سبّهما بمواجهتهما بالسبّ والشتم، كلا، وإنما فسره بقوله: \"يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه\"، وكأن سبّ الوالدين- حاضراً، أو مستقبلاً - لا يقع من ولد مسلم لوالده مواجهة، وإنما من حيث لا يشعر من وقع منه السب، بحيث يكون سبه للغير ذريعة لذلك، وإذا كان ذلك كذلك، فكيف بمن يسب والديه، ويقابلهما بالكلام المستهجن والقبيح، لا شك أن إثمه أكبر، وعقوبته أعظم، كما يدل عليه السياق تلميحاً لا تصريحاً، وهو كما ترى أبلغ من أسلوب التصريح الذي تنبو منه الأسماع.

وحين أراد الشارع أن يجسد صورة من صور العقوق بين ولد ووالده، لم يضرب مثالاً صريحاً وبالغاً في القبح والدناءة، ولم يضرب مثالاً ظاهراً للعيان، يبدو للمكلف من أول وهلة بأنه عقوق، وإنما ضرب مثالاً يدع المكلف في حيرة، ويلتبس عليه الأمر كما التبس ذلك على جريج العابد في قصته المشهورة مع أمه، حين نادته وهو في صلاته، مقبل على ربه، فأُرتج عليه، وقال: يا رب أمي وصلاتي، ومع وقوع هذه الحيرة منه، وجهله بالواجب عليه هل يقبل على صلاته، أم يجيب أمه، مع هذا كله، فإنه حين دعت عليه أمه أن يرى وجوه المومسات، استجاب الله دعاءها، وقد جاءت القصة في سياق أثر التأخر عن إجابة نداء الوالدة، وسوء عاقبته، ولاسيما مع حاجتها الملحة، وكونه في صلاة نفل لا فرض، بحيث أصيب جريج بدعوة أمه، مع فرط عبادته، وكأن الشارع أراد من المسلم أن يعتبر بذلك، وألاّ يصل إلى هذا الحد الذي وصل إليه جريج، فيبوء بالعقوبة العاجلة، ولو كان عابداً في صومعته، فضلاً عن أن يجرؤ عاق أن يقدم على ما هو أعظم من هذا وأشنع، وهنا يتجلى الأسلوب الإلهي الحكيم في التحذير من العقوق، والتخويف من مغبته بأدنى صوره، وأخف أشكاله، والله - تعالى - أعلم وأحكم.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply