الكلمة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الكلمة هي ثقيلةٌ في ميزان العقلاء، بل هي أفضل الجهاد، وأعلى شعب الإيمان، الكلمة يهوي بها المرء في النَّار سبعين خريفاً، ويخرج بها من دائرة الإيمان، الكلمة تبلغ ما لا يبلغه الجيش، الكلمة توقد جذوة الحرب، كما تطفئ لهيب الجمر

فإنَّ النَّار بالعودين تُذكى     وإنَّ الحرب أولها الكلامُ

ولذا كان من وصايا النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد أصحابه لما سأله عن النجاة: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك)( رواه الترمذي برقم 2406، وقال الألباني صحيح)، والكلمة تفضح خبايا القلب، وتكشف أسرار النفس (( وَلَتَعرِفَنَّهُم فِي لَحنِ القَولِ وَاللَّهُ يَعلَمُ أَعمَالَكُم ))(محمد :30)، وقد قال عثمان - رضي الله عنه -: \"ما أسر رجل سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه، وفى فلتات لسانه\"، وكان السلف يتركون الفضول من الكلام حرصاً منهم على استقامة أمرهم، واستدامة عقولهم وعافيتهمº قال عطاء: \"بترك الفضول تكمل العقول\"، وقال بعض الحكماء: \"إذا تم العقل نقص الكلام \"، ومن عظمت هذربته، واستفحلت ثرثرته ولو بالعلمº فدحت أخطاؤه، وكثرت سقطاته، وفى الحديث: ( من صمت نجا )(رواه الترمذي برقم 2501، وقال الألباني صحيح)، وكما قال الشاعر:

من لزم الصمت نجا           من قال بالخير غنم

وكم من كلمة كانت أسيرة رجل، فما لبث حتى صار أسيرها، قال أعرابيُّ: \"الكلمة أسيرة في وَثاق الرَّجل، فإذا تكلَّم بها كان أسيراً في وثاقها\"، وقد عد الحكماء كثرة الكلام من السخافة قال المأمون: \"السخافة كثرة الكلام، وصحبة الأنذال\".

الكلمة طعنها دامٍ,، وجرحها غائر، تبلغ ما لا يبلغه الجيش، فاحذر من كلمة لا تبق لك مع خصمك موضعاً للصلح، ولا موطناً للتلاق، فإن وخز الكلمة لا يبريه الاعتذار، ولا ينسيه تعاقب الليل والنهار.

صمتّ على أشياء لو شئتُ قلتُها     ولو قلتُها لم اُبقِ للصلح موضعاً

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: \"إن كان الشؤم ففي اللسان، ووالله ما على وجه الأرض شيء أحق بطول سجن من اللسان\"، ووالله لقد فكرت:

وما شيء إذا فكرت فيه      أحق بطول سجن من لسانِ

والعاقل اللبيب هو الذي لا يندفع بكلمة حتى يعرضها على قلبه، ويمررها على فكره، وإلا أخطأت الكلمة طريقهاº فكانت وبالاً عليه، \"وإنَّ زلل الكلام لأفدح وأنكى من زلل الأقدام\" كما قال عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: \"زلة الرِّجل عظمٌ يجبر، وزلة اللسان لا تُبقى ولا تذر\"، وكما قال الشاعر:

يموت الفتى من عثرة بلسانه         وليس يموت المرء من عثرة الرِّجل

فعثرته من فيه ترمى بـــرأسه          وعثرته بالرجـــــــل تبرأ على مهل

الكلمة أوبقت على رجل من بنى إسرائيل دنياه وآخرته كما جاء في الحديث الحسن: أن رجلين من بنى إسرائيل كان أحدهما مجتهداً في الطاعة، والآخر مقترفاً للذنوب، ولا يزال المجتهد يقول للمذنب: أقصر، وذات يوم وجد المجتهد في الطاعة المذنب عاكفاً على ذنبه، فقال له:أقصر، فقال له المذنب:خلني وربى، أبعثت على رقيباً؟ فقال المجتهد: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنةº فاجتمعا عند رب العالمين بعد قبض روحيهما، فقال الله للمجتهد: أكنت بي عالماً أو كنت على ما فى يدي قادراً؟، وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة، وقال للآخر:اذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة - وهنا محل الشاهد -:\"والذي نفسي بيده،لقد تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته\"، فإذا كانت الكلمة بهذه المنزلة، وبتلك الحظورة، فليس من اللائق بالعاقل أن يتجاهل قدرها، أو يتجاوز موضعها، أو يهمل تبعاتها، والعجب من رجل يخلص في كل أعماله لله - تعالى-، ويتجه بطاعته لمولاه، لكنه أمام الكلمة مهزوم الجانب، خائر القوى، فاقد السيطرة، لا يستطيع التحكم فيها لتهدم له كل ما بناه، وتوبق عليه آخرته ودنياه!!، يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: \"ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم والزنا، وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك.. ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقى لها بالاً، ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفرى في أعراض الأحياء والأموات لا يبالى ما يقول\"، إن الكلمة ولو في الخير إذا أخطأت موطنها كانت ضرباً من الهذربة، ونوعاً من الهذيان الذي لا ينبغي.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply