في رحاب ليلة القدر
أرقام الموقع جديد - GIF - 11/5/2017
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. في رحاب ليلة القدر
في رحاب ليلة القدر

في رحاب ليلة القدر

تاريخ النشر: 27 شوال 1428 (2007-11-08)
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي هدى إلى الإحسان، وجعل كتابه دليلاً لأهل الإيمان، والصلاة والسلام على مَن زانه ربه بالقرآن، وحباه بليلة القدر في رمضان، وعلى آله سادة الأزمان، وصحبه نجوم الأكوان، وعلى مَن تبعهم من أهل الحق والإتقان، وبعد:

 

فسلام من الله عليكم ورحمة من لدنه وبركات.

 

يقام هذا الاحتفال الكبير المبارك بليلةِ القدرِ التي أشرقت منها هويةُ هذه الأمة وأينعت حضارتُها،

 

لذا كانت ليلةً عظيمةَ الشأنِ رفيعةَ الشرفِ، والشريف والعظيم يرفع قَدر مَن يلوذ به ويكون معه.

 

أيها المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها: إن للمناسبات الكريمة والأحداث العظيمة آثاراً بعيدة المدىº تسمو بالناس بقَدر ما لها من قوة دافعة، وبقَدرِ ما يقتربون منها، ويعرفون قَدرَها.

 

وإنّ اللياليَ والأيام لَتكتسِب مِيزتها من الحدث الذي يقع فيهاº

 

وإننا في ليلةٍ, مباركةٍ, عظيمٌ نفعُها، كثيرٌ خيرُهاº تُعَلِّمُنَا حركةَ الحياة، وتُرشِدنا إلى وسائل الإحياء.

 

فرمضان زمان، وليلة القدر وعاء حوى رسالة، واستقبل أمانة، أدَّاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -º ومطلوب منَّا متابعة هذه الأمانةº حفظاً وتبليغاً،

 

هذه الأمانة هي القرآن، قال - تعالى -: [وَإِنَّهُ لَذِكرٌ لَكَ وَلِقَومِكَ وَسَوفَ تُسأَلُونَ] ([1])

 

 أي: شرف ومكانة، وعز وكرامةº لك يا محمد ـ اللهم صل وسلم عليه ـ ولقومك من بعدك.

 

وسوف تُسألون أيها العرب عن أمانة القرآن، وسوف تُسألون عن حمل رسالة الإسلام، ففي ذلك قَدركم، قال - تعالى -: [لَقَد أَنزَلنَا إِلَيكُم كِتَابَاً فِيهِ ذِكرُكُم] ([2])

 

 أي: فيه عزكم ومجدكم، فيه شرفكم وكرامتكم ومكانتكم بين الأمم.

 

فلنأخذِ القرآنَ بقوةº قوةِ الفهم والعقل، قوة الخُلُقِ والعمل.

 

والمطلوب من المسلمين أن يتعاملوا مع ليلة القدر بما فيها من معانٍ, سامية، وقيمٍ, راقية.

 

· فالقدر يعني فيما يعني: الموازنةَ والتقدير، والنية والتخطيط، لتحقيق الآمال والمقاصد، والوصول إلى المرامي والأهدافºفماذا تريد أيها المؤمن من ربكº لنفسك وأسرتك ومجتمعك، لوطنك وأمتك،

 

فالبدءُ بالأعمال يمر عبر النية والتخطيط، وتقديرُ الأمورِ منوطٌ بمقاصدها، والعاقبة للمتقين.

 

وبعد النية والموازنة ومباشرة العمل وأدائه تأتي مرحلة المحاسبة والمراجعة، لوضع التقدير الصحيح.

 

· فليلة القدر تعني فيما تعني: إعطاءَ الدرجةِ والعلامةِ والتقديرº لأعمالك وأقوالك، وتصرفاتك وسلوككº على أساسٍ, من القرآن والسنةº

 

لترى نتيجة عملك: أمن الناجحين الفائزين، أم من الخائبين الخاسرين؟!!.

 

فيا لسعادةِ مَن كانت نتيجةُ عمله نجاحاً وتشريفاً،

 

ومراجعةُ أمورِ دنياه تقدماً وازدهاراً،

 

وتقديرُه الروحي رقياً وفلاحاً.

 

· وبعد الموازنة والتقدير يأتي دور التشريف والوقار والتعظيم، والعزة والتمكين والتكريمº

 

بعلوّ الدرجة ورفعة المنـزلة عند اللهº

 

وذلك بمقدار ما تحمل في فكرك وعقلك وقلبكº

 

فتَشَرَّف أخي المؤمن بالقرآن حملاً، وارفع قَدرَك به عملاً.

 

· وإلى أولئك الذين فاتتهم هذه الحركة الانسيابية من الموازنة والتخطيط، والتقدير بالتشريفº

 

فليلة القدر لا تفوتهمº إذ هي ليلة العزم والتأكيد:

 

فمَن عاش ليلة القدر بخشوع وصفاء، وطهر ونقاءº متوكلاً على خالق الأرض والسماءº

 

فتح الله عليه، وألهمه رشدهº وكانت ليلةُ قَدره يومَ تعظيمِ ربه، وتوقيرِ دينه.

 

ألا وليُعلم أن ليلة القدر ليست ظاهرةً كونيةً تلمع، ولا شبحاً غامضاً في أرجاء السماء يُلمح، ولا رؤيةَ ملاكٍ, في الفضاء يسبح.

 

ليلة القدر ليست مجرد نوراً في الظلام يسطع، ولا كنـزاً مالياً بالصدفة يُدفَع.

 

ليلة القدر ليست كوكباً درياً في سماء الكون يوقد، ولا صورةً جميلة في مخيلة الذهن تظهر.

 

فهذه وأمثالها أوهام في فهم العبادة، وانحرافات في وعي الدين، وذلك حين يكون التطلع إلى شكل العبادة بعيداً عن مضمونها، وحين يكون النظر إلى السطحيات لا إلى العمق والهدف، وعندها يُجَمَّد الدين عن الواقع ويُعزل، ويتحوّل إلى مجرد طقوسٍ, وعاداتٍ, وتقاليد.

 

ليست ليلة القدر كذلكº بل هي ليلة حصاد جهود أعمال أديتها على مدار العامº عبر سنوات عمرك، وأشهرِ سنتك وعامك، وأيام شهركº لا للحظات أو سويعات، بل بأوقات مستديمات،

 

نعم، ليست ليلة القدر عبادةَ ساعاتٍ, أو أيام، بل يكون ذلك دأبك على الدوام.

 

ويتحقق المراد: عندما يتحول كلُ مسلم إلى قرآنٍ, بالحق ناطق، ولخير البشرية فاعل، ولنفع الخلق ساعٍ,º بتلاوة القرآن حق تلاوتهº

 

ففعل: (تلا) لا يعني (قرأ) فقط، بل أصل معناه اللغوي: (تبع)، قال - تعالى -: [وَالقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا] ([3])

 

 أي: تبعها،

 

وأنتم يا أهل القرآن، ويا مَن أوتيتم الكتاب: اتَّبِعوا ما فيه واعملوا بأحكامه، وتخلقوا بأخلاقه، قال - تعالى -: [الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الكَتَابَ يَتلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ، أُولَئِكَ يُؤمِنُونَ بِهِ] ([4])

 

وكان - صلى الله عليه وسلم - خُلُقه القرآن.

 

أيها الأخوة والأحبة: بالقرآن أضاءت الأرض بنور السماء، وسمت الأمة وارتفعت بخير النداءº مستخدمة العلم وسيلة للرقي والتقدم، وأداة للرفعة والتمدنº إذ كان أول توجيه في القرآن: [اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ] ([5])

 

ومنها انطلقت الحضارة الإسلامية الإنسانية وانتشرت.

 

فيا قارئ القرآن لا تقرأ وَرَقَه، بل اقرأ وارق، وفي الحديث: \"يُقَال لصاحبِ القرآن يوم القيامة اقرأ وارقَ ورتِّل كما كنت تُرَتِّل في الدنياº فإن منـزلتَك عند آخر آية تقرؤها\"([6])، هكذا شأن مَن عرف قَدر قرآنِ ربه، وقرأ القرآن في ليلةِ قَدرِه.

 

ليلة القدر[سَلاَمٌ هِيَ]([7]) بين الناس، وطمأنينة هي بذكر الله في القلوب، وصفاء هي في النفوس.

 

ليلة القَدر لحظةُ [مَطلَعِ الفَجرِ] ([8]) نوراً يشع من قلبك الذاكر لله على جوارحك، وينتقل قيماً وأخلاقاً إلى سلوكك وأعمالك.

 

فمَطلَع الفجر مولد النهار بضيائه بعد ليل مظلم مدلهم، مولد السعادة بعد الشقاء، مولد الطاقة بعد المعصية، مولد القرب إلى الله بعد الجفاء، مولد العهد بينك وبين ربك على الثبات والاستقامة.

 

وما أحوج الأمة اليوم لطلوع فجر نصرها الكامل، وبزوغ نهار عدلها المشرق، وزوال الغيوم عن شمس حضارتها، وفي الحديث: \"إن الله لَيَرفَعُ بهذا الكتاب أقواماً ـ اللهم ارفعنا بالقرآن وانفعنا ـ ويَضَعُ به آخرين\"([9]).

 

فَأَقبِلُوا ـ عباد الله ـ على القرآنِ بصدورٍ, منشرحة، وقلوبٍ, منفتحة، وعقولٍ, واعية، ونفوسٍ, مطمئنةº ليُعتمد القرآن ركيزة للعلوم، وأساساً للمعارف والفهوم، ومنطلقاً للدراسات والأبحاث، ومُحَدِّدَاً للقيم والمفاهيم، ومفتاحاً للانتصاراتº باستخدام أسلوب الإحياء والتطوير، والانبعاث والتحديث.

 

فليس هناك أرقى من نهضةٍ,º تقومُ على العلم.

 

ولا أبقى على حضارةٍ,º تكون الحكمةُ رائدها.

 

ولا أخلدَ من أمةٍ, تقومُ على الصلةِ الربانية والطهارةِ النفسية.

 

وكل هذا مبثوث موجود في كتاب ربك.

 

فالقرآن الكريم نورُ العلم الذي خرجت به الأمة من ظلمات الجهل وترهات الجاهلية.

 

وهو الهدى نحو الرقي الإنساني بعد حيرة الضلالات السابقة واللاحقة.

 

وبكلمة جامعة: القرآنُ حركةُ إحياءٍ, وانبعاثº ونهضةٍ, وعُمرانº يُصلِحُ الزمانَ والمكانَ والإنسانَº لطي صفحات الخمول والموات، وتذويب التحجر والجمود، وتجاوز المحاكاة والتقليدº للوصول إلى حركة الفعل والإبداع، وتجدد الجهاد والاجتهاد والتلازم بينهما، وللوصول إلى خير المواكبة والتحديث، ونعمةِ الواقعية والتطوير، قال - تعالى -: [يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا استَجِيبُوا لِلَّهِ وِلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحيِيكُم] ([10]).

 

ففي الإحياء حياة لكل شؤون الناس، وتنمية اقتصادية واجتماعية على أوسع مجال.

 

ففي إحياء ليلة القدر حياة للإنسان الفردº

 

طوبى لِمَن أحيا ليلة القدر ببذل الخير وفعل المعروفº برفع مستوى معيشةٍ, لفرد.

 

وطوبى لِمَن خفف آلام أسرة، ونقلها من حالة فاقة وضيق، إلى ساحة كفافٍ, وَسَعَةٍ,، بتحقيق الكفاية الحياتية لها.

 

في مثل هذا إحياءُ ليلةِ قَدرِك، وبمثل هذا تشريفٌ لمنـزلتك، فهذه الأعمال وأشباهُها هي الرافعة لشأنك، والمشرِّفة لِقَدركº عند الله وعند خلقه.

 

ونلمح في الإحياء نورَ تنميةٍ, في المجال الاقتصادي الخاص والعامº بتحويله من مشروعِ إنفاقٍ, خِدمي صِِرفٍ,º إلى مشروعٍ, تنموي مثمرٍ, منتج، وفي هذا عملية إحياءٍ,، وحسنُ تقديرٍ,º متوافقٌ مع ليلة القدر.

 

في الإحياء للحياة: تنمية للواقع المادي بما يُحَسِّنه، وللأعمال بما يجعلها مُتقَنَة، وللفنون بما يُجَمِّلُهاº مع ربط كل ذلك بالخالق المكوِّن، بالرحيم الرحمن، بِمَن عَلَّم الإنسانَ القرآنº متجاوزين التعلق بالشكل والمظهر، واصلين إلى الحقيقة والجوهرº

 

فالعلوم مرتبطة بالله العليم، والعمل مرتبط بالله الرقيب، والحكمة مرتبطة بالله الحكيم، والصنعة والصناعة مرتبطة بالله الخبير، والزراعة مرتبطة بالله المحيي، والتجارة مرتبطة بالله الحسيب، والطب مرتبط بالله الشافي، والهندسة مرتبطة بالله المبدع، والقضاء مرتبط بالله العادل، والمحاماة مرتبطة بالله الحق، وهكذا في كل شؤون الحياة.

 

فهنيئاً لكم أيها السالكون سبل إحياء الإنسان، هنيئاً لكم أيها العاملون في سبيل التنميةº وقد اتخذتم سبل التحديث من مفاهيم القرآن، واستخدمتم أدوات التطوير من نتاج حضارة الإسلامº بعيداً عن التقليد والمحاكاة للآخر، ليس نبذاً أو تنكراً، بل تأصيلاً وتحققاً.

 

فلسطين والعراق:

أيها المؤمنون في كل مكان: يحتفل المسلمون بليلة القدر وشعبنا في فلسطين الحبيبة، وفي العراق الجريحº يعيش حالة تُدمِي القلب، وتَعصِر الفؤاد.

 

فمع لحظات الغروب يفطرون على صوت المدافع، لكنها المدافع القاتلة والقنابل المتفجرة.

 

ويصومون مع هدير الطائرات ودوي الدبابات وأزيز الرشاشاتº تخترق أجسامهم، وتدمِّر أحلامهم، وتخطف بالموت مواليدهم وأطفالهم.

 

ولهم علينا حقº فإن لم نتمكن اللحظةَ واليومَ من أداء كامل هذا الحق هواناً وضعفاًº فلا أقل من المحافظة على هذا الحق وصيانته، وتوريثه لأجيالنا وأبنائنا عزة وقوةº

 

فالقدس أمانة، ووحدة الأمة والشعب أمانة، ووحدة المسار والمصير أمانة، ومأمورون من الله بأداء الأمانة.

 

تذكروا عباد الله: أنه في الوقت الذي تمتلأ فيه مساجد المسلمين في شتى بقاع العالم بالعُبَّاد والداعين، الراكعين الساجدين في ليلة القدر المباركةº فإن هناك مسجداً أسيراًº

 

الأقصى وراء القضبان صامد، وخلف الأسوار ثابت، يرنو بعين حزينة، نحو أمة ضعيفة عن نصرته، كليلة عن تأييد حق شعبه.

 

المسلمون وتهمة الإرهاب:

أيها المسلمون: يأتي احتفالنا اليوم وسط ظروف عالمية تحتم العمل الدؤوب بمسئولياتناº كلُّ في موقعه على أكمل وجه، وأعلى درجة من الإحكام والتقدير، إذا أردنا أن نحيا ليلة القدر بمعناهاº للحفاظ على خصوصياتنا الدينية والثقافية والاجتماعية.

 

فلقد اُتخذت بعضُ الأحداثِ ذريعةً للإيحاء للعالم بوجود صلة بين أمتنا المسلمة، وبين القتل والتدمير والإبادة والتطرف، وقاموس التهم جاهز.

 

وحُوِّلَت أنظارُ المؤسساتِ الدوليةِ الكبرى إلى أعمال عنف فردية أو جماعية، وتناست بل تعامت عن أعمال العنف المنظَّمº الذي يُجرِّف الأرض، ويُهدِّم الحجر، ويُحرِّق الشجر، ويقتلع الإنسان من جذوره، ويغتال شعباً أعزل بأكمله.

 

وماذا يُسمى احتلالُ أرض الغير، وامتهانُ كرامة الإنسان، وإذلالُ الشعوبº إن لم يكن إرهابَ دولة؟!!!.

 

الدعاء:

اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، وأدم اللهم نعمة الاستقرار في بلادنا، ونعمة التقدم والازدهار في ربوعنا.

 

اللهم إنك عفو تُحب العفو فاعفو عنا، واقض حوائجنا فيما يرضيك عنا.

 

وصلى الله وسلم على نبيه الأمين، وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر الميامين، والحمد لله رب العالمين.

 

___________________  

([1]) سورة الزخرف، [43/44].

([2]) سورة الأنبياء، [21/10].

([3]) سورة الشمس، [91/2].

([4]) سورة البقرة، [2/121].

([5]) سورة العلق، [96/1].

([6]) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو.

([7]) سورة القدر، [97/5].

([8]) سورة القدر، [97/5].

([9]) رواه مسلم.

([10]) سورة الأنفال، [8/24].

 

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات