لا تدلل على عملك


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يحلو لبعض الناس الكلام الكثير عن إنجازاتهم وأعمالهم، فكلما جلس أحدهم مجلساً قال: فعلت كذا وعملت كذا. إن هذا الفعل مذموم، وتمجه النفوس السوية، بل ربما يضع فاعله نفسه في موضع السخرية والاستخفاف.

 

إن الإنسان في غالب الأحيان لا يحتاج إلى التدليل على عمله، فالأعمال هي التي تدل على نفسها دون الحاجة إلى الكلام الكثير.

وربما يظن بعض الناس أن الذي يعمل بصمت لن ينتبه له أحد ولن يكون له نصيب من التقديم والتقدير، وهذا فهم خاطئ لطبائع البشر ونفسياتهم. إن النفوس المتزنة لا تميل إلى الذي يصرف وقته في ذكر منجزاته، خاصة إذا كان عمله الحقيقي لا يدل على ذلك وأن إنجازاته ما هي إلا كلمات رنانة، وعبارات فضفاضة ولا شيء من ذلك.

 

والحقيقة التي ينبغي أن يعيها الناس هي أن العقلاء يجلّون ويقدرون من يعمل العمل الحسن الواضح بصمت ودون ما مزايدة خرقاء لا حقيقة لها.

لقد أبانت التجارب أن الإنسان مهما حاول التستر وإخفاء حقيقته فإنه سيأتي اليوم الذي يكتشف أمره ويفتضح شأنه، وفي هذا يقول زهير بن أبي سلمى:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة  *** وإن خالها تخفي على الناس تعلم

لذا ينبغي للإنسان أن يعز نفسه فلا يجعلها رخيصة بالتدليل على أفعاله، وليكن همه العمل لا الكلام عن العمل، فإن ذلك خير له وأدعى لمحبة الآخرين واحترامهم، وإن بدا غير ذلك للوهلة الأولى. ويمكن لهما التحدث عن منجزاتهما وأفعالهما، وهما:

من يقع عليه الظلم فلا يُعطى حقه، فيضطر بعد صبر طويل أن يتكلم عن إنجازاته وحسناته حتى يحصل على حقوقه، خاصة إذا وجد أن من غمطه حقه لا يمكن أن يعطيه إياه إلا بالكلام وذكر المنجزات.

من يرى أنه لا يوجد غيره من يستطيع القيام بمهمة من المهام بكفاءة، فيضطر هنا أن يتكلم عن منجزاته وقدراته حتى يتصدى لهذه المسؤولية، ولا ينبغي أن يكون قصده التصدر وإنما العمل. ولذا يقول الله - تعالى - على لسان يوسف - عليه السلام -: " قال اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم" ( سورة يوسف: الآية 55).

ولكن مع هذا الاستثناء، فإننا نذكّر ببعض الأمور المتعلقة بهذا الموضوع والتي نظن أنها مهمة ويحسن تذكرها دائماً، وهي: 

أن يكون الإخلاص ديدن المسلم، فقد روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أنه قال: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه...( متفق عليه).

 

إذا اضطر الإنسان أن يدل على عمله فليكن ذلك في حدود ضيقة، فلا يستطرد في ذكر إنجازاته، ويتمادى في مدح أعماله.

 

أن يحرص المرء على قول الصدق دون مبالغة، أو زيادة على الحقيقة.

أن لا يستمرئ المسلم ذكر الآخرين بسوء ( لا سيما الصالحين منهم) لكي يبرز وينفرد في الساحة، فإن هذا الفعل مذموم ومحرم شرعاً.

وختاماً نود أن نشير إلى ملاحظة مهمة وهي: أن ثمة فرق بين أن تمدح نفسك وبين أن يمدحك الآخرون، فالأول مذموم شرعاً وعرفاً، والثاني ليس كذلك، بل لربما يكون مطلوباً، خاصة إذا كثر المفسدون وعلا صوتهم وقويت شوكتهم، فإنه قد يكون من الواجب شرعاً أن يعرف الصالحون، وأن يبرزوا، وأن تذكر حسناتهم بين الخاصة والعامة ليكونوا رموزاً، وليقفوا في وجه الفساد والمفسدين، وليستمع إلى كلامهم، وليقودوا الناس إلى ما يحبه الله ويرضاه.

 

وصلى الله على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين .

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply