أحكام الحرمين الشريفين


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فنعرض في هذا المقال جملة من الأحكام المتعلقة بالحرمين الشريفين فنقول مستعينين بالله - عز وجل -:

 

الدعاء عند رؤية الكعبة:

انتشر بين الناس أن للمسلم عند رؤية الكعبة للمرة الأولى دعوة مستجابة، وذلك لما رواه البيهقي في سننه في باب الاستسقاء عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف ونزول الغيث وإقامة الصلاة ورؤية الكعبة». وهذا غير صحيح، وذلك لأن الحديث ضعيف، وفي إسناده عُفير بن معدان، قال أبو حاتم الرازي: لا يعتد به، والصحيح أن الدعاء في حرم مكة مستجابº لما ورد في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود لما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - على قريش شق عليهم، وكانوا يرون أن الدعوة في تلك البلد مستجابة.

 

حكم استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط:

يحرم استقبال الكعبة أو استدبارها عند قضاء الحاجة وذلك في الصحراء، وذلك لما رواه البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستبدبروها ولكن شرقوا أو غربوا». قال أبو أيوب: «فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة فننحرف ونستغفر الله تعالى».

وعند مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: رقيت بيت أختي حفصة فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعدًا لحاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة. فالجمهور على الجمع بين النصوص بحيث يكون المنع في الفضاء والصحراء والإباحة في داخل البنيان.

- ما يستلم من الكعبة:

للكعبة الكريمة أربعة أركانº الركن الأسود، ثم الركنان الشاميان، ثم الركن اليماني، ويقال للأسود واليماني: اليمانيان، فالأسود واليماني مبنيان على قواعد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، والشاميان ليسا على قواعده، وللركن الأسود فضيلتان كون الحجر الأسود فيه، وكونه مبنيًا على قواعد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وللركن اليماني فضيلة واحدة وهي كونه على قواعد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وليس للشاميين شيء من الفضيليتن.

فالسنة في الحجر الأسود استلامه وتقبيله، والسنة في الركن اليماني استلامه ولا يقبل، والسنة أن لا يقبل الشاميان ولا يستلمان، فخص الأسود بالتقبيل مع الاستلام لأن فيه فضيليتين واليماني بالاستلام لأن فيه فضيلة واحدة، وانتفت الفضيلتان في الشاميين.

وفي الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني. ومن ثم ينصح عدم جواز التمسح والتعلق بأستار الكعبة، أو التمسح بالركنين الشاميين لعدم ورود ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم -، ويستلم الملتزم وهو ما بين باب الكعبة والحجر الأسود لما ثبت عند عبد الرزاق الصنعاني عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: هذا الملتزم بين الركن والباب.

[إسناده صحيح]

 

الصلاة فيه بمائة ألف صلاة:

المقصود بالمسجد الحرام: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح صححه الألباني عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه».

وقد اختلف أهل العلم في مضاعفة أجر الصلاة بمكة، هل هو خاص بمسجد الكعبة فقط أم هي عامة في جميع الحرم.

 

الرأي الأول: ذهب إلى أن المضاعفة تعم الحرم كله.

الأدلة: قوله - تعالى -: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدٌّوكُم عَنِ المَسجِدِ الحَرَامِ [الفتح: 25]، ووجه الدلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إنما صدوا عن الحرم فدل على أن المراد بالمسجد الحرام عموم الحرم.

قوله - تعالى -: إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقرَبُوا المَسجِدَ الحَرَامَ بَعدَ عَامِهِم هَذَا [التوبة: 28]، وجه الدلالة فلا يقربوا الحرم فلو كان المقصود بالمسجد الحرام مسجد الكعبة لجاز للمشركين دخول الكعبة.

- قوله - تعالى -: سُبحَانَ الَّذِي أَسرَى بِعَبدِهِ لَيلاً مِنَ المَسجِدِ الحَرَامِ [الإسراء: 1]، وقد روى أنه أسري به من بيت أم هانئ بنت أبي طالب بمكة.

- ما أخرجه أحمد بسند صحيح عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل.

 

الرأي الثاني: ذهب إلى أن المضاعفة خاصة بمسجد الكعبة فقط.

الأدلة: قوله - تعالى -: فَوَلِّ وَجهَكَ شَطرَ المَسجِدِ الحَرَامِ [البقرة: 144]، والمقصود هنا الكعبة وليس الحرم.

- ما أخرجه مسلم عن ميمونة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة».

 

الرأي الراجح: هو رأي من قال: إن المسجد الحرام عام في جميع الحرم وممن قال بهذا: - الإمام التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح المكي إمام أهل مكة في زمانه، فقد سأله الربيع بن صبيح فقال له: «يا أبا محمد، هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام وحده أو في الحرم كله؟ فقال عطاء: بل في الحرم كله، إن الحرم كله مسجد». [مسند الطيالسي] - الإمام ابن القيم.

 

ومن المعاصرين: الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -.

وهذا الرأي هو الموافق لقواعد الشريعة في التيسير ورفع الحرج ولو قيل إن المضاعفة خاصة بمسجد الكعبة فقط لحصل في هذا عنت ومشقة لا يسايران ما قصدته الشريعة من اليسر ورفع الحرج وسعة فضل الله على عباده.

 

تنبيه: المصلي خارج المسجد الحرام عند اتصال الصفوف يحصل على فضيلة الصلاة فيه وذلك لأن خارج المسجد يأخذ حكم المسجد في حال اتصال الصفوف.

- من صلى في بناء منفصل عن المسجد مقتديًا بإمام المسجد لم يصح اقتداؤه لعدم اتصال الصفوف، وأما في المسجد الحرام فلو صلى على جبل الصفا أو المروة (قبل دخولهما المسجد)، أو جبل أبي قبيس مقتديًا بصلاة الإمام في المسجد الحرام قال الشافعي - رضي الله عنه -: يجوز لأن كل ذلك متصل وهو في حكم العرف غير منقطع. حكاه الماوردي في الحاوي، ويشترط لصحة الائتمام من سماع التكبير يمكنه الاقتداء فإن لم يسمع لم يصح. وعلى هذا فالصلاة في البنايات المحيطة بالحرم (كأبراج مكة مثلاً فإن بها مصلين مرتبطتان بالحرم بإذاعة داخلية) جائز لا سيما مع امتداد الصفوف إلى خارج المسجد لمسافات بعيدة.

 

هل المضاعفة تخص الفرض والنفل أم لا؟

اختلف الفقهاء في المضاعفة هل تخص الفرض والنفل معًا أم لا على رأيين: الأول: وهو رأي أكثر أهل الفقه على أن المضاعفة تخص الفرض والنفل معًا وذلك لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة في مسجدي هذا...» نكرة والنكرة تفيد العموم.

2- الثاني: قال أبو جعفر الطحاوي: إنما تختص بالفضيلة المكتوبات دون ما سواها من النوافل والتطوعاتº فأعظمها أجرًا صلاتها في البيت لما رواه البخاري عن زيد بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذ حجرة من حصير في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم فقال: «قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». رواه أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن سعد.

قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد؟

فقال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة.

قال العلامة أحمد شحاتة في كتابه النبذة اللطيفة في فضائل المدينة الشريفة: «والذي احتج به في ذلك كافٍ, في الدلالة على أفضلية النوافل في البيوت عليها في المساجد، ولكنه غير نافٍ, لهذا القدر من الفضل، فيكون المعنى بدخول النوافل في الأفضلية: أنه لو صلى نافلة في المسجد النبوي كانت بألف صلاة، ولو صلاها في بيته كانت أفضل وأعظم أجرًا من ألف صلاة، وهذا بين الدلالة لمن تدبره». اهـ.

 

هل المضاعفة خاصة بالصلاة أم بسائر الطاعات؟

ذهب بعض أهل العلم إلى مضاعفة الحسنات عمومًا في البلد الحرام وهو قول الإمام أحمد واختيار النووي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والصلاة وغيرها من القرب بمكة أفضل، والمجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان، وتضاعف السيئة والحسنة بمكان أو زمان فاضل. اهـ. ذكره القاضي وابن الجوزي». اهـ.

مفاد ما سبق أن الحسنات تضاعف في البلد الحرام، ولكن لا يوجد دليل صحيح على أنها تضاعف إلى مائة ألف، وألف بالمدينة كالصلاة حيث إن حديث عبد الله بن عباس والذي أخرجه ابن ماجه وفيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك شهر رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر كتب له مائة ألف شهر رمضان فيما سواها، وكتب له بكل يوم وليلة عتق رقبة، وفي كل يوم حملان فرس في سبيل الله». حديث موضوع كما بين ذلك العلامة الألباني في ضعيف ابن ماجه.

هل المضاعفة تشمل السيئات؟

اختلف العلماء في ذلك على رأيين: الرأي الأول: ذهب إلى أن السيئات تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، وممن قال ذلك مجاهد وابن عباس وابن مسعود وأحمد بن حنبل.

الرأي الثاني: ذهب إلى عدم المضاعفة واستدل بقوله - تعالى -: مَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجزَى إِلاَّ مِثلَهَا وَهُم لاَ يُظلَمُونَ [الأنعام: 160]، وما جاء عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من هم بسيئة وعملها كتبت له سيئة واحدة». [أخرجه مسلم]

 

حكم المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام:

اختلف الفقهاء في حكم المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام على رأيين: الأول: يحرم المرور في غير حالة الضرورة والحاجة، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان». [رواه البخاري ومسلم]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر من يديه». [رواه البخاري]

الثاني: يجوز المرور بين يدي المصلي داخل المسجد الحرام وهو قول للإمام أحمد، اختاره بعض أصحابه والإمام مالك ورجحه الطحاوي في مشكل الآثار والشيخان محمد بن إبراهيم وعبد العزيز بن باز - رحمهما الله -.

 

دليل هذا الرأي: ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه صلى ثَمَّ ليس بينه وبين الطواف سترة. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه وما جاء عن عبد الله بن الزبير أنه جاء يصلي والطواف بينه وبين القبلة تمر المرأة بين يديه فينظرها (أي فيمهلها) حتى تمر ثم يضع جبهته في موضع قدمها». [أخرجه عبد الرزاق في مصنفه]

قال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر أدلة جواز المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام: «وذلك لأن الناس يكثرون بمكة لأجل قضاء نسكهم، ويزدحمون فيها، ولذلك سميت بكةº الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون ويدفع بعضهم بعضًا فلو منع المصلي من يجتاز بين يديه لضاق على الناس». اهـ.

وأجاب العلامة ابن باز - رحمه الله - عن حكم المرور بين يدي المصلي في الحرم فقال: «لا حرج في ذلك وليس في الحرم - أعني المسجد الحرام - أن يمنع المار بين يديه،

لما ورد في ذلك من الآثار الواردة على أن السلف الصالح كانوا لا يمنعون المار بين أيديهم من الطائفين، منهم ابن الزبير - رضي الله عنه - ولأن المسجد الحرام مظنة الزحام والعجز عن منع المار بين يدي المصلي فوجب التيسير في ذلك». انتهى. والحمد لله رب العالمين.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply