المسجد والتربية السياسية


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

للمسجد مكان الصدارة في المجتمع المسلم، قال - تعالى -: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين) [آل عمران: 96]. قال ابن كثير - يرحمه الله - [1/383]: (يخبر - تعالى -أن أول بيت وضع للناس، أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به ويصلون إليه، ويعتكفون عنده، (للذي ببكة) يعني الكعبة التي بناها إبراهيم - عليه السلام -).

كما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستقر به المقام عندما وصل إلى حي بني عمرو بن عوف في قباء حتى بدأ ببناء مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في المدينة كما ذكر ابن كثير - يرحمه الله -(3/209). وعندما واصل سيره إلى قلب المدينة (يثرب – يوم ذاك) كان أول عمل قام به هو بناء مسجده - صلى الله عليه وسلم -[1]. وهذا يدل على المكانة العظيمة للمسجد في المجتمع المسلم، فهو بيت الله، وكفاه شرفاً بهذا النسب (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً) [الجن: 18].

 

وظائف المسجد في المجتمع المسلم:

للمسجد وظائف متعددة في المجتمع المسلم أولها وأهمها إقامة الصلاة وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، حيث يلتقي المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة، بعد أن يسمعوا النداء إليها مذكراً بتوحيد الله (الله أكبر....أشهد أن لا إله إلا الله.... ).

والوظيفة الثانية للمسجد التربية الإسلامية (الروحية والعقلية والسياسية والجسدية... ) ونشر العلم، وتعليم المسلمين ما ينفعهم في آخرتهم، ثم ما ينفعهم في معاشهم. وعندما انطلق العلم من المسجد كان مباركاً خالصاً لله - عز وجل -، ومن ثم نشأت الكتاتيب في المساجد، ثم تحولت إلى مدارس وجامعات[2].

وفي المسجد تعقد المؤتمرات لمناقشة أحوال الأمة وما يواجهها من مشكلات، وفيه تتخذ قرارات الشورى وفيه يجتمع أهل الحل والعقد لرسم السياسة العليا للمجتمع، كما كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.

ومن المسجد كان العلماء يسيرون الجيوش المسلمة للدفاع عن المسلمين، فهذا ابن تيمية والعز بن عبد السلام - يرحمهما الله - يقودون المسلمين لمواجهة التتار، وحتى أثناء الحملة الفرنسية على مصر كان علماء الأزهر يقودون المسلمين في مصر لمواجهة الفرنسيين مثل عبد الله الشرقاوي، والإمام أحمد الدردير، وكان للأزهر دور كبير في ثورة (1919) ضد الإنجليز ووقفت الدوريات العسكرية الإنجليزية أمام الأزهر لتمنع العلماء والطلاب من المظاهرات[3].

هذه بعض وظائف المسجد في المجتمع المسلم، ولا يسمح المقام للتفصيل، لأننا سنعود للحديث عن التربية السياسية في المسجد:

الصلاة والتربية السياسية

وللصلاة فوائد كثيرة منها التربية السياسية التي تربي الفرد المسلم ليكون مواطناً صالحاً في المجتمع المسلم، ويمكن تعريف التربية السياسية بأنها: إعداد المواطن الصالح للمجتمع المسلم، الذي يعرف واجباته فيؤديها تقرباً لله - عز وجل -، ويعرف حقوقه فيطالب بها بالطرق المشروعة، ومن المسلمات أن الإنسان لا يعيش بدون مجتمع، والمجتمع سابق على الفرد، فلا يوجد الفرد إلا ضمن مجتمع، ولا يستطيع الفرد أن يحقق وجوده الإسلامي إلا ضمن المجتمع، وثلاثة أرباع الفرائض والواجبات الإسلامية لا تتم بدون مجتمع مسلم[4].

 

المسجد وصلاة الجماعة:

وللمسجد أهمية كبيرة في تماسك المجتمع ليبقى حياً كالجسد الواحد كما وصفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما قال: [مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى][5]. وكيف يتراحم المسلمون إذا لم يرَ بعضهم بعضاً!!؟ لذلك كانت صلاة الجماعة ليلتقي المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة، ويعيش الفرد المسلم متفاعلاً مع المجتمع، ولا ينعزل عنه.

(إن أهم رسالات المسجد لقاءات المؤمنين في رحابه خمس مرات يومياً في عبادة وتذاكر وتراحم، وتعاون، متماسكين كصفوفهم في الصلاة، وصلاة المسلم في المسجد أفضل من صلاته في بيته أو سوقه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه خطيئة، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، وتصلي عليه الملائكة مادام في مجلسه الذي يصلي فيه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه][6]. ويتعلم المسلم في المسجد الكثير، ومنه اتباع النظام والتعود عليه، عند تسوية الصفوف، القدم بالقدم، والكتف بالكتف، كما يتعلم التواضع، فالفقير بجوار الغني، كتف بكتف، وقد يكون الإمام أقل الناس مالاً، والمأموم أكثر منه ثراء[7].

وقد رغّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الجماعة، وحث المسلمين عليها فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة][8]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً][9].

هذه الأحاديث الشريفة وغيرها كثير، تحض المسلمين على صلاة الجماعة في المسجد، لأن في صلاة الجماعة طاعة لله ورسوله، ثم تربية روحية، وتربية سياسية ينتج عنها التكافل الاجتماعي والتوادد والتراحم، حتى يصبح المسلمون كالجسد الواحد.

 

الإمام والمصلون في المسجد

ولصلاة الجماعة في المسجد قيم ومعاني إسلامية كبيرة وكثيرة، منها هذا الموقف العظيم، حيث يصطف المصلون خلف الإمام، والإمام أقرؤهم لكتاب الله، وليس أغناهم، أو أعظمهم جاهاً، أو أشرفهم نسباً، وكلهم ينفذون تعليماته رغبة في ثواب الله - عز وجل -، يتابعونه ولا يسبقونه، يركعون بعد أن يركع، ويسجدون بعد أن يسجد، يطيعونه طاعة لله - عز وجل -، ورغبة في ثواب الله - عز وجل - عندما يقبل صلاتهم.

وقد يدخل المسجد مسبوق أقرَأُ من الإمام، فيلتحق بالجماعة حالاً، وقد يدخل المسجد أمير والإمام شاب يافع فيلتحق بالجماعة فوراً، وينفذ أوامر الإمام في الصلاة، لأن المسلم يعلم جواز إمامة المفضول، وما أعظم هذا المعنى في المجتمع المسلم، فالإمام في الصلاة وهي أعظم شعائر الإسلام يجوز أن يكون مفضولاً، وفي المصلين خلفه من هو أفضل منه، وأحق منه في الإمامة، ومع هذا تجوز إمامة المفضول، وصلاة الجميع صحيحة مقبولة إن شاء الله. فمتى ينتبه المسلمون إلى هذا، فينظرون إلى الإمامة أي إمامة بأنها تكليف وليست تشريفاً، والمهم أن يوجد إمام، فلا صلاة جماعة بدون إمام، ولا مجتمع مسلم بدون إمام. وإمام مطاع يتقرب الناس إلى الله بطاعته كما يتقرب المصلون إلى الله بطاعة إمامهم في الصلاة. وينظر إليه المواطنون في المجتمع، كما ينظر المصلون إلى إمام الصلاة.

وقد يخطأ الإمام إمام الصلاة بالقراءة فيرده أقرب المصلين إليه، بصوت لا يكاد يسمعه غيره، وما أشبه هذا بتقديم النصيحة إلى أمير المسلمين، فالأمير يخطأ لأنه بشر، والمسلم مأمور بنصيحة الإمام كما وصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم][10]. ولا خير في أمة لا تنصح لحاكمها، ومسؤولية العلماء والمصلحين في نصح الحكام أكبر وأعظم، ومن آداب النصيحة أن تكون سراً، قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه، والمؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير.

 

خطبة الجمعة والتربية السياسية

ومن أكبر جوانب التربية السياسية في المسجد خطبة الجمعة، عندما يكون الخطيب كفؤاً لها، حيث يجتمع لصلاة الجمعة مالا يجتمع في صلاة الجماعة، وكثير من المسلمين يتقاعسون عن صلاة الجماعة، ولكنهم يحضرون صلاة الجمعة، وأمام هذا العدد الكبير فإن الخطيب الداعية يستطيع أن يبث الوعي السياسي في أذهان المسلمين من خلال خطبة الجمعة، عندما يعالج قضايا الساعة معالجة إسلاميةº محددة بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن نافلة القول أن للإسلام حكم في كل قضية مستجدة، ويجب أن يعرف المسلمون حكم الإسلام فيها، وخطبة الجمعة من أعظم الوسائل لتعريف المسلمين بحكم الله - عز وجل - في تلك المستجدات. ومن منا لا يذكر الشيخ عبد الحميد كشك - يرحمه الله -، و أثره في بث الوعي بين المسلمين من منبر يوم الجمعة.

ومن آداب صلاة الجمعة أن يغتسل المسلم ويلبس ثياباً نظيفة ويتطيب، ويبكر إلى المسجد، وينصت المصلون إذا صعد الإمام المنبر، ويستمعون له، وإنه لمنظر رائع عندما ترى الألوف من الناس ينظرون إلى الخطيب صامتين يسمعون كلامه، فقد أخرج البخاري - يرحمه الله - عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور، ويدهن من دهنه، ويمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى][11].

فما أعظم هذا الملتقى الأسبوعي حيث يلتقي المسلمون، ويتصافحون بعد الصلاة، وقد وعظهم الخطيب، وذكرهم بما يحيي القلوب، كما علمهم حكم الله في قضية من قضايا الساعة.

 

المسجد والانتماء:

يبحث الفتى عن الرفقة لأنها تغذي حاجة نفسية ملحة عنده، وينتقي أقرانه من الفتيان المشابهين له في الطباع، ويختارهم ممن يكثر لقاؤه بهم، وأقران المسجد يلتقي بهم خمس مرات في اليوم والليلة، بالإضافة إلى درس تحفيظ القرآن، ومن خلال هذه المعايشة ينتقي الفتى المواظب على المسجد أقرانه من رواد المسجد.

وليتمكن العاملون في المسجد من الإشراف على هؤلاء الفتيان تشكل لهم أسر مسجدية يشرف عليها الإمام والمدرس ومن يعاونهم من أهل الحي، وتهدف هذه الأسر المسجدية، إلى توفير جماعة أقران صالحة للفتى، حيث يمارسون أنشطتهم ضمن المسجد، وتحت إشراف العاملين فيه[12].

يقول الشيخ محمد قطب - يحفظه الله -: (لم يعد الفتى متمركزاً حول ذاته، إنما صار مشغولاً بالآخرين، ومن أين يبدأ الإصلاح، ومن هذا الخيط يسعى الشباب إلى (الانتماء)، كما تتسارع الجماعات والأحزاب إلى جذب الشباب إليها من هذا الخيط ذاته[13].

ويقول أيضاً: (لابد من انتماء الشباب إلى الجماعة، لأن هذا الشعور الجماعي فطري لدى الإنسان، ولأن الحاجة إلى الانتماء من الحاجات الأساسية لدى الشباب. )[14].

وعندما ينتمي الشاب إلى المسجد يكون انتماؤه إسلامياً، ويسد الطريق على الأحزاب العلمانية، والهيئات الملحدة، وغيرهم التي تخرب عقائد الشباب.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply