إياكم وهيشات الأسواق
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. إياكم وهيشات الأسواق
إياكم وهيشات الأسواق

إياكم وهيشات الأسواق

تاريخ النشر: 27 شوال 1428 (2007-11-08)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم -ثلاثاً- وإيّاكم وهيشات الأسواق" [رواه مسلم - كتاب الصلاة - باب تسوية الصفوف].

 

 معاني الألفاظ:

- ليلني: ليدنو مني.

- أولو الأحلام: البالغون العقلاء.

- النهى: مفردها نُهية، وهي العقل. وسمي العقل نهية: لأنه ينهى عن القبائح.

- هيشات الأسواق: الهيش هو الإفساد. وهاش القوم إذا تحركوا وهاجوا، وهيشات الأسواق: ما يحصل فيها من المنازعة، والخصومات، وارتفاع الأصوات، واللغط، والفتن.

 

أحكام فقهية ودروس مستفادة من الحديث:

1.    تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام، وأفقه للأحكام.

2.    لا يختص تقديم الأفضل بالصلاة فقط بل يقدم أولو الأحلام والنهى في كل مجلس ومجمع كريم.

3.    من السنة التزام السكينة والوقار في المساجد، ومجالس العلم، وحلقات الذكر.

4.    النهي عن المنازعة، والخصومة، واللغط، وارتفاع الأصوات في المساجد، وغيرها من المجالس التي يرتادها الأفاضل.

5.    وجوب توقير العلماء، والأفاضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مكانتهم.

6.    معرفة مراتب العلماء وأقدارهم، وإنزالهم منازلهم.

 

من الدروس المستفادة من الحديث:

إنزال الناس منازلهم:

خلق الله الناس من نفس واحدة، ورفع بعضهم فوق بعض درجات حيث قال -سبحانه-: {وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم}[الأنعام: 165].

وقال -تعالى-: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضكم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون}[الزخرف: 32].

ولوجود هذا التفاوت بين الخلق فيما أعطاهم الله في الأموال، والأرزاق، والعقول، والفهوم، وغير ذلك فإن معنى {ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً}: أي ليسخر بعضهم بعضاً في الأعمال، وغيرها من أمور الحياة.

فالمزارع بحاجة إلى الصانع، والبناء بحاجة إلى الخياط، والفني بحاجة إلى الخادم، والفقير بحاجة إلى الغني المنفق، وهكذا تظهر حاجة الناس بعضهم إلى بعض لتنظيم أمور الحياة. وحاجة الجميع إلى العلماء من أمس الحاجات لأنهم مصابيح الهداية، وهذه الحاجة الفطرية في البشر اقتضت وجود التخصصات في أفراد المجتمع حسبما يتيسر لكل فرد من الأعمال والمهام، وربك الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فمنهم القاضي، ومنهم القائد، ومنهم الخادم، ومنهم الفلاح، ومنهم المعلم.. وطبيعة الحياة تقتضي أن لا غنى لأحد عن الآخر، كما أن منهم الأغنياء والفقراء، والفطناء والبلداء، والكرماء والبخلاء، والشجعان والجبناء، والأفاضل والأراذل.

وبذلك تتميز مكانة الأفاضل، وتعرف أقدار الناس ويتميز العلي عن الدني، والضعيف على القوي لذلك يُقال: (لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا). قال -تعالى-: {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب}[الزمر: 9]. وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات، إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور}[فاطر: 19 - 22]. وقال -تعالى-: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار}[ص: 28].

فكيف يتساوى العلماء والغوغاء؟! وكيف يتساوى الجهلة الذين هم قتلة الأنبياء مع الصالحين من العلماء؟! وكيف يتساوى الأتقياء الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر مع المنافقين والعملاء؟! حقاً "لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا". وكم هي ثقيلة على النفس، منغصة لعيش الفتى، ومكدرة لصفاء القلوب، مقولة الصغار الموتورين، وأشباه الرجال عن الأئمة، وكبار علماء الأمة المتفق على عدالتهم والمقتدى بهم. (هم رجال ونحن رجال)!! ما أثقلها وما أصعبها على نفوس الأحرار وقلوب الرجال.

إن دعوى المساواة ومطاولة الكبار ومناوشتهم أفسدت حياة الأمة، وأحدثت الخبط وعدم الفهم والضبط ونتج عنها العبث والكفر والطغيان. ولذلك ظهر في هذه الأمة من أشباه الرجال من أجاز للناس إفطار رمضان، ووضع عنهم الصيام، فهو رجل وعمر -لما وضع عن الناس حد السرقة في عام الرمادة- رجل!! ووجد في أمتنا من يخالف إجماع المسلمين من عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم باعتماد التاريخ الهجري فاعتمد طريقاً آخراً للتاريخ من وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-! ووجد فيها من يبيح الربا! ووجد فيها أيضاً من يدعو إلى المؤاخاة بين المسلمين والكفار! ووجد فيها من يبيح قتل النساء! والأيام حبالى يلدن كل عجيب.

جرأة عجيبة على دين الله -عز وجل- واستهانة غريبة بشرع الله -تعالى- ما أظن أحداً يجترىء عليها في أمور الدنيا الدنيّة! ولا بد من وضع حد لهذه الفوضى وهذا الاضطراب بالتمسك بشريعة الإسلام، وفهم سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أمرنا رسول الله الله -صلى الله عليه وسلم- أن ننزل الناس منازلهم). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا".

 

هيشات الأسواق:

ذكرت في موضوع سابق أمثلة على ما صدر من بعض الجهلة والغوغاء من هيشات وجهالات وبدع منكرات، كما فعل من كان الخوارج من ضئضئه إذ طلب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعدل! وكما فعل أهل الكوفة في شكواهم من سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل بين الرعية، ولا يحسن يصلي! وكما فعل نهيك بن سنان الحمصي الذي رد على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قراءته للقرآن، وهو من أفقه صحابة رسول الله صلى الله في وقت كان الحمصي فيها مخموراً!

وأزيد إلى ذلك المثالين التاليين:

- الأول: ما رواه الخطيب البغدادي عن أبي أويس قال: حضر رجل من الأشراف عليه ثوب حرير قال: فتكلم مالك بكلام لَحَنَ فيه، قال: فقال الشريف: ما كان لأبوي هذا درهمان ينفقان عليه ويعلمانه النحو؟ قال: فسمع مالك كلام الشريف فقال: لأن تعرف ما يحل لك لبسه مما يحرم عليك خير لك من ضرب عبد الله زيداً وضرب زيد عبد الله(1).

- الثاني: جاءني شخص يخبرني أن صديقاً له جلس مع أحد شيوخنا الأفاضل ثلاث ساعات! ثم بدأ ينقل لي وجهة نظر صديقه وانطباعه عن الشيخ! رغم جهالة حال صديقه وقلة بضاعته في العلم.. ثم عرض علي أن أجلس مع صديقه فوافقت لعلمي بأن الشيخ لا ينفق من وقته الثمين تلك الساعات إلا مع شخص له أهميته. فعرّفته بنفسي -على طريقة السابقين- وطلبت منه أن يعرّفني على نفسه بالطريقة التي بدأته بها فتنصل! ثم أخذ يهذر، وذكر مثالاً يُستشنع ذكره أمام العقلاء فضلاً عن الأكابر والعلماء! قلت له: وماذا قال لك الشيخ حينما ذكرت المثال؟ فقال: قال لي الشيخ: (إنني لست حريصاً على أمثالك). ثم سألني ذلك الشخص الذي عرض عليّ الجلوس مع صديقه عن اللقاء فتثملت بقول الشاعر:

فــلا تقنــع بــأول ما تــراه *** فأول طــالع فجــر كــذوب

ونصحته بالابتعاد عن المجهولين والمشبوهين لكنه ركب رأسه، وأبى النصيحة. مع أن له تجربة مرة مع هؤلاء المشبوهين من قبل، والسعيد من اتعظ بغيره.

ولقد تأسفت لحاله وحال الأمة الإسلامية وما وصلت إليه من الفوضى والاختلال وتدني المستوى التعليمي.. فإن هذا وأمثاله كثيرون ممن يفتقدون الثوابت والموازين الصحيحة في معرفة مراتب الناس وفي تقييم الرجال، وفي نقل الأخبار وتصديقها، وما أسرع مهمة الدجال في أمثال هؤلاء. والحزين من ليس له رجال فإنه كالعطشان يركض وراء السراب... وهل يروي السراب ظمآن؟!

أخي المؤمن: ابحث عن الصالحين، واستمسك بغرزهم فإني مشفق عليك، ومبتغ لك الخير، فإن سيل الفتن جرار. ثم تأمل: أيصح أن نترك رجالاً نزل بهم من البلاء والمحن ما يساوي عمر جيل من الناس، ومع ذلك لم تزدهم المحن والابتلاءات إلا ثباتاً واستقامة على منهج أهل السنة والجماعة والدفاع عن دين الإسلام؟!

أيصح أن نترك أولئك العلماء الثقات ونتبع أشخاصاً مجاهيل نكرات، ممن لا يبالون بغير أنفسهم، عمرت الدنيا أو خربت؟! وهل من الدين والأمانة أن ندع العلماء الذين أمضوا أعمارهم مهاجرين في سبيل الله ولسان حالهم يقول:

فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت وأين مكاني ما عرفن مكانيا

ثم كيف يؤخذ كلام المجهولين بالثقات العدول؟! وكيف يعترض على من هم غاية في الضبط والاتقان؟! لكنها والله هيشات الأسواق بل أشد وأظلم، إذ هيشات الأسواق تحصل في مجال البيع والشراء، وإنها اليوم على العلماء وورثة الأنبياء، وعلى أدلة الناس ودعاتهم إلى عبادة مالك الأرض والسماء.

حينما صنف ابن حجر -رحمه الله- كتابه تقريب التهذيب ذكر في مقدمته مراتب الجرح والتعديل وجعلها اثنتي عشرة مرتبة، فالناس مراتب ودرجات. ولا تنس أن الفضل للمتقدم.

إن علماءنا وشيوخنا قد اشتهروا بالتوثيق والضبط والتدقيق، واستفاضت عدالتهم، وشاع الثناء عليهم بين أهل العلم والمعرفة من الطائفة الناجية المنصورة بإذن الله. ولا تجتمع أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- على ضلالة. فلماذا هذا اللغط والمنازعة والتشويش؟! لماذا هذه المجازفة والحط من قيمة الأئمة والعلماء العاملين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ونهش لحومهم، والطعن فيهم؟! وأين أخلاق الإسلام، وأثر الإيمان على الجوارح والأبدان؟! أين من يعرفون أقدار الأكابر ومكانة العلماء؟!

سُئل الإمام أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه فقال: مثل إسحاق يُسئل عنه؟! وسُئل ابن معين عن أبي عبيد فقال: مثلي يُسئل عن أبي عبيد؟ أبو عبيد يُسئل عن الناس(2).

نأمل أن يتحلى طلبة العلم في هذا الزمان بأخلاق السلف، ويقتدوا بهم، ويتبعوا منهجهم، لأننا نعاني من مشاكل أخلاقية مستعصية. وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف... إنها لبدعة شنيعة استهانة المسلم بعرض أخيه، أو تتبعه لعورات المسلمين، أو تجريحه في العلماء العاملين.

وأجرأ من رأيت بظهر غيب على عيب الرجال ذوو العيوب

قال الشيخ عبد الوهاب السبكي: (الجارح لا يُقبل منه الجرح، وإن فسره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه، ومادحوه على ذامّيه، ومزكّوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأنّ مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه: من تعصب مذهبي، أو منافسة دنيوية، كما يكون بين النظراء أو غير ذلك)(3).

ولابد من وضع حد لهذه الهيشات التي لم يسلم من شرها الأموات من العلماء العاملين والدعاة الصالحين حتى لا تستمر الاجتهادات الخائبة.

ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن يؤخذ بعين الاعتبار الأمور التالية:

أ - لا تجوز العصمة من الخطأ لأحد غير الأنبياء، قال عبد الرحمن بن مهدي: من يبرىء نفسه من الخطأ فهو مجنون.

ب - السعيد من عدت غلطاته وما اشتدت سقطاته، وكل إنسان يؤخذ من كلامه ويترك إلا محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ج - العلماء العاملون من أهل السنة والجماعة الذين جانبوا السلطان، وحرصوا على حماية الدين والأوطان، وعملوا على تحكيم شريعة الرحمن، وجاهدوا في سبيل الله -تعالى- باللسان والسنان، هم أولياء الأمر الذين أمرنا الله بطاعتهم حيث قال: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، وكذا قال كثير من علماء السلف(4).

د - يجب الاحتياط بكشف أحوال نقلة الأخبار، والتفرقة بين من يوثق بقوله ويركن إلى روايته، وبين من يجب الإعلام بحاله، فرب مبلغ أوعى من سامع.

هـ - مقولة المؤيد للحق هي: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً، والحق أحق أن يتبع، والدق والرأس المبطل أوفق إن لم يقطع.

و - الذين يُعتمد عليهم في تقييم المناهج، والكلام في الجرح والتعديل هم أكابر العلماء، المشهود لهم بالتقوى والورع، المعروفون بالضبط والاتقان، وممن يُقتدى بهم واشتهروا بالعدالة والثقة.

أما من عرف بعدم الاستقامة والتقلب من حال إلى حال، والانتقال من منهج إلى منهج، وعرف عنه الكذب، فلا يحل لمن كانت هذه حاله أن يتكلم في الجرح والتعديل، ولا في تقييم مناهج الجماعات الإسلامية أو تمثيلها، لاسيما من يتكلم فيمن وقرّه أهل الحق والصدق، وأثنوا عليه، واتفقوا عليه، فإن كل من لم يتكلم في تقييم المناهج أو في الجرح والتعديل على الديانة والصدق والأمانة، فإنما يعطب نفسه.

 

هيشان الأسواق ومنهج الرافضة:

أساءت الرافضة إلى الإسلام إساءات بالغة فقد كفروا معظم صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهم-، واتهموهم بالظلم والغدر والتزوير!! وشوهوا محاسن الخلفاء الراشدين، وطعنوا في أئمة المسلمين، وذموا السلف الصالحين، دفعهم لذلك الحسد والحقد والبغضاء الناجم عن عدم تمسك الإيمان في قلوبهم.

وفي المقابل عمدوا إلى تقديس فئة قليلة حيث ادّعوا عصمة الأئمة، فهم على طرفي نقيض، ثم أجازوا الكذب واتخذوه ديناً، فأطلقوا لمخيلاتهم وعقولهم العنان، فرووا ما يروق لهم من الكذب، والبهتان على من يبغضونه، ومدح من يحبونه، واللاحق منهم يأتي بما لا يعلمه السابق ولا يدري به!

التقى الشيخ طاهر الجزائري -رحمه الله- مع محمد حسين كاشف الغطاء في منزل أحمد تيمور باشا بالاسكندرية، وفي أثناء السمر توسع كاشف الغطاء في الحديث عن أدباء الشيعة ومؤرخيهم وشعرائهم، وافتخر بهم بأن عددهم أكثر من نسبة عدد الشيعة إلى مجموع أهل السنة فقال له الشيخ طاهر: ليست العبرة بكثرة عدد الأدباء والمؤرخين والشعراء بل بكثرة من يقيم الحق ويتحراه صادقاً مخلصاً أينما ذهب به الحق، ولو خالف مذهب طائفته، ونحن قد راقبنا سيرة أهل العلم والأدب في مختلف الطوائف فرأينا أكثر ما خولف به الحق تعصباً وتعنتاً كان من ناحيتكم بل لاحظت أن كل أديب ومؤرخ منكم يرى فرضاً عليه أن يخترع مالم يسبقه إليه سلفه، من خبر موضوع، أو قصة مخترعة تشويهاً لسيرة السلف، فإذا رجعنا إلى الكتب المتقدمة عليه لانجد لذلك أثراً! فكأن الواحد منهم يرى من زكاة تشيعه أن يخترع ما يشين سيرة خيار المسلمين ليتناقله الناس من بعده، ويحسبه الجاهلون حقاً.

إن الفضيلة التي كان يدعو إليها الأنبياء والحكماء ورجال الإصلاح في كل عصر، تكاد تنحصر في تحري الحق، وإقامته، والرجوع إليه، والنزول عنده عن رضا وارتياح، ولو شئنا أن نعد في رجالكم من تنطبق عليه هذه الأوصاف لا نكاد نجد أحداً. اهـ (5).

ولما كان الكذب والشغب كثيراً عند الرافضة بسبب طعنهم في معظم سلف هذه الأمة لذا فقد منع الأئمة الموثوق بدينهم وعلمهم الأخذ عن الرافضة أو قبول رواياتهم.

سئل الإمام مالك عن الرافضة فقال: (لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يذكبون)(6). وقال الإمام الشافعي -رحمه الله: (لم أر أحداً أشهد بالزور من الرافضة)[7]. وقال يزيد بن هارون: (يكتب عن كل مبتدع إذا لم يكن داعية إلا الرافضة، فإنهم يكذبون)[8]. وقال شريك بن عبد الله النخعي: (احمل العلم عن كل من لقيته إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه ديناً)[9]. وقال أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق، لأن الرسول حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودناº ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة).

وقال عبد الله بن المبارك: (قال أبو حنيفة: تكتب الآثار ممن كان عدلاً في هواه إلا الشيعة فإن أصل عقدهم تضليل أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومن أتى السلطان طائعاً، حتى انقادت له العامة، فذاك لا ينبغي أن يكون من أئمة المسلمين(10).

هذا الكلام من أبي حنيفة -رحمه الله- جدير أن يكتب بماء الذهب، ويعيه العلماء والمتعلمين، فإن تقوى الله -عز وجل- والعمل بمرضاته، والتزام شرعته -وإن سخط الحكام وأذنابهم- هو الذي يورث العزة والهيبة والتمكين، ومن أعان ظالماً سلطه الله عليه. فهل من مدكر؟!

وحال المسلمين اليوم ليست خافية على ذي بصيرة، فالذين اتبعوا الشهوات، وضيعوا الأمانات، واستباحوا الحرمات، وارتكبوا الفواحش والمنكرات، وأهانوا أولياء الله من العلماء والدعاة، وتركوا الحكم بشريعة رب السموات، هؤلاء من جانب، ومجموعة أخرى من العلماء العاملين، والدعاة المخلصين، رفضوا أن يركنوا إلى الدنيا، ومداهنة الحكام والسلاطين، والتزموا كتاب الله -عز وجل- وعضوا بالنواجذ على سنة سيد المرسلين، ولأجل ذلك تجد منهم السجناء... ومنهم المهاجرين والمطاردين... ومنهم من قضى نحبه... ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، هؤلاء أيضاً في جانب آخر، والصفوف إلى تمايز أكثر.

فانظر لنفسك أيها المسلم، الطريق المستقيم والمنهج القويم، فالدنيا لا تغني عن الآخرة، ودع عنك هيشات الأسواق، وتشويش الرافضة وكذبهم، وغطرسة الحكام وتجبرهم، فكل ذلك غثاء، فإنما العاقبة للمتقين، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

رحم الله ابن معين والبخاري وابن أبي حاتم والمزي والذهبي وابن حجر وغيرهم من علماء الجرح والتعديل، وبقية العلماء العاملين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) (11).

وعن عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نظر إلى السماء يوماً، فقال: هذا أوان رفع العلم، فقال له رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد: يا رسول الله يرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب؟ فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة! ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله، فلقيت شداد ابن أوس، فحدثته بحديث عوف بن مالك، فقال: صدق عوف... ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ قلت: بلى، قال: الخشوع، لا ترى خاشعاً)(12).

قال -تعالى-: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب}[سورة الرعد: 41].

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين 

[1] اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي ص (213) تحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني - طبعة دار الأرقم الكويت.

[2] الباعث الحثيث لأحمد شاكر، ص: 77.

[3] قاعدة في الجرح والتعديل - تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، ص: 24.

[4] انظر تفسير ابن كثير 1/530.

[5] انظر تعليق الشيخ محب الدين الخطيب على (المنتقى في منهاج الاعتدال) للذهبي ص 200.

[6] المنتقى من منهاج الاعتدال، ص 23.

[7] المصدر السابق.

[8] المصدر السابق.

[9] المصدر السابق.

[10] الآداب الشرعية لابن مفلح 2/148.

[11] رواه البخاري - كتاب العلم (باب كيف يقبض العلم).

[12] اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي ص 189.

 

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات