زِنة التحشية
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. سلسلة مقالات
  4. التعلم
  5. زِنة التحشية
زِنة التحشية

زِنة التحشية

التصنيف: التربية
تاريخ النشر: 27 شوال 1428 (2007-11-08)
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لا يزال اللاحقُ مِن ذوي المعارفِ يَستدرِكُ على السابق، فيُتَمِّم كلامَه، أو يُقيّده، أو يُخصِّصه، أو يُبِيّنُه، إلى غير ذلك، فكانَ أن وُضِعَ الاصطلاحُ في الاستدراكِ و التَّتَبٌّعِ على هيئة بناءٍ, هرَميº رأسه (المتن)، يليه (الشرح)، تعقبُه (الحاشية)، و يُختَم بـ: (التقرير)، و قد يكون ثَمَّ تجاوُزٌ فيهِ، إذ لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاحِ.

 

و (التحشيةُ) ثالثةٌ في الترتيبِ، و هي مكمَنٌ لدقيق التحقيق، و مخزَنٌ لفهمِ الوهم، فلا يكادُ يجرؤُ عليها إلاّ النَّبَغَةُ ممن نال التمكينَ في العلوم و المعارف، فشحَّ الزمان بِهم فلم يَجُد إلاّ بقِلَّةٍ,، و الكرام قليلُ، و اليومَ طرَقَ بابها من غيرِ بابها مَن جمعَ بين حرفين، و ضبط حركتين، و لمَّ مُتضادَّين، و كثيرٌ ما هُم.

و الأصلُ فيها كينونتها في ذات الفَنِّ المطروقة فيه، و بتحقيقِ و تكميلِ ما لا بُدَّ منه، و ما خرجَ فلا يُحمدُ عند أهل المعارفِ.

 

نُوِّعَت (التحشيةُ) إلى أنواعٍ,:

أوّلها: تأصيليُّ، و هو ما كان مِن موضوعِ الكتابِ أو الفنِّ أصالةً، تكميلاً لنقصٍ,، و استدراكاً لِفَوتٍ,، مما به يكتملُ التحقيقُ للمطروقِ فيه، مِن ذلك حواشي القُدامى، و عليها عَقدُ الحَمدِ و الثناءِ عند أهل المعرفةِ، لجودتها و قيمتها، و ما فيها من منثورِ النٌّكَتِ.

 

ثانيها: تَكميليٌ، يُقَيِّدُ المُحَشِّي فيها ما يقتنصه من لطيف المُنتخباتِ المعرفية، و دقيق الأبحاثِ العلمية، مما يُستَلطَفُ ذكرها، من باب: الشيءُ بالشيءِ يُذكرُ.

 

ثالثها: حَشَويٌ، تنتظمُ تحتَ قالةِ: \"مَن قرأ الحواشي ما حَوَى شَي\"، و أصِفُ هذا النوعَ بـ \"الحواشي لواشي\" و اللَّشٌّ: الطَّردُ كما في \"القاموس\"، و هذه ظاهرةُ الجيلِ الكُتُبِي في عالمِ التحقيقِ لا التأليف، فقد غَدَت (التحشيةُ) صناعةً لا فنّاً تأليفيّاً، ستُقامُ لها أصولٌ هزيلةٌ و قواعدُ مُهتَرِئَةٌ، ليسهُلَ الولوجُ لكلِّ لَجوجٍ,، و تفنَّنَ أهلُ النوعِ الحَشَوي في (التحشيةِ) فكانت الفنونُ الحشويّة:

أولاً: فَنٌّ الفُروق النٌّسَخِيَّةº إذ يَعمَدُ كثيرٌ إلى تقييدِ ما يقفُ عليهِ مِن فُرُوقٍ, بين النٌّسَخِ للكتابِ الواحد، فيقيمُ سطراً لحرفٍ,، جادةَ المستشرقين في النسخِ و الإظهار، يكتبُ: في نُسخةٍ, (وَ) بدلَ (فـ)، و في نسخةٍ,: - صلى الله عليه وسلم -، و في أخرى: - عليه السلام -. و غالبُ الفروق لا تلوي على شيءٍ,، و هذه صنعةُ مَن لا يُدرك إلاّ رَسم الحرفِ فيُحسن الوَقفَ، وَ عجبٌ أنَّ مُتَّخِذَ هذا الفنِّ محمودٌ، و موصوفٌ بالدِّقَةِ، و كم دِقَّةٍ, أورثَت دَقَّةً، و أهل النوعين السابقين يلحقهما ذمٌ جَمُّ.

ثانياً: فَنٌّ السَّرد المَرجعي، عِند العَزوِ لما في المتنِ في الحاشيةِ يَروقُ لبعضٍ, أن يأتي بجرِّ عَزوِ المَرجِعِ، فيسرُدَ: الاسمَ، و المؤلفَ، و لقبَه، و مولدَه و وفاتَه، و المحقِّقَ، و الجزءَ، و الصفحةَ، و الناشرَ، و تاريخَ النشرِ، و رقمَ الطبعةِ، و بلدَ الناشرِ. يهونُ الأمرُ إن كان المرجعُ واحداً، لكن إن كان أكثرَ من مرجعٍ,، و ليتَ الاقتصارَ على جرِّ العزوِ أولَ الأمرِ فحسب، بل عند كلِّ ذكرٍ, للمرجعِ، على أن الاقتصارَ على: الاسم، و الجزءِ، و الصفحةِ، كافٍ,، و لكنَّها آفةٌ أكاديميةٌ، الصبرُ عليها ضرورةٌ على ضررٍ,.

هذا الفنٌّ مُملُّ لما فيهِ مِن طولٍ, مَهولٍ,، و ضخامةٍ, مُسئمةٍ,.

 

ثالثاً: الفنٌّ التسويقي، يَتخذُ البعضُ (التحشيةَ) محلاً تطبيقياً لفنِّ التسويقِ، فيُنَزِّلُ نظرياتِها ليُحسِن الفنَّ، يذكرُ كثيرٌ كثيراً مِن: لنا، كتبنا، حققنا، لن تجده في غير كتابنا.

و من التسويقِ تهميشُ الغيرِ بأدبٍ, في التسويق فيُسطِّرُ: لديه أخطاءٌ كُثُرٌ، صحَّفَ و حرَّفَ، له وهمٌ و خلطٌ، ليس من أهل الفنِّ....

انتقلتُ مِن فنِّ (التحشيةِ) الأصيلةِ إلى صناعةِ (التحشية) الدخيلةِ دون إشارةٍ,، أدعى لِلَفتِ القلبِ، و صرفِ النظرِ، و بين الفنِّ و الصناعةِ فرقٌ يلمعُ كبرقٍ,.

 

كلمات مفتاحية:
العلم الصبر القلب

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات