فضل العشر من ذي الحجة
أرقام الموقع جديد - GIF - 11/5/2017
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. سلسلة مقالات
  4. ذو الحجة
  5. فضل العشر من ذي الحجة
فضل العشر من ذي الحجة

فضل العشر من ذي الحجة

تاريخ النشر: 6 جمادى الأول 1435 (2014-03-08)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

 

فإن الله -تعالى- جعل في أيام الدهر نفحات، فالسعيد من اغتنمها بالطاعات والتقرب إلى الله ليزداد من الحسنات، والمحروم من حُرم خيرها، ومن هذه المواسم المباركة العشر الأولى من ذي الحجة، التي لها منزلة كبيرة في قلب كل مسلم حريص على التقرب إلى الله -تعالى-، من أجل ذلك، أحببت أن أذكر نفسي وإخواني الكرام بفضل العشر من ذي الحجة، فأقول وبالله التوفيق.

 

العشر من ذي الحجة في القرآن الكريم:

قال الله -تعالى-: وَالفَجرِ (1) وَلَيَالٍ, عَشرٍ, (2) وَالشَّفعِ وَالوَترِ (3) وَاللَّيلِ إِذَا يَسرِ (4) هَل فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجرٍ, [الفجر:1- 5[.

في هذه الآيات المباركة، أقسم الله -تعالى- بالفجر، قال مجاهد وغيره: المراد بالفجر هنا فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر(تفسير ابن كثير 14/337).

وقوله -تعالى-: وَلَيَالٍ, عَشرٍ, (2) وَالشَّفعِ وَالوَترِ قال ابن عباس: «الوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر»(تفسير ابن كثير 14/338).

وقال -سبحانه وتعالى-: وَيَذكُرُوا اسمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ, مَعلُومَاتٍ,[الحج:28]. وقال جل شأنه: وَاذكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ, مَعدُودَاتٍ,(البقرة:203).

قال ابن عباس: «الأيام المعلومات هي أيام العشر من ذي الحجة، والأيام المعدودات هي أيام التشريق»(البخاري كتاب العيدين باب 11).

 

العشر من ذي الحجة في السٌّنَّة:

عن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحبٌّ إلى الله من هذه الأيام»، يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء»[البخاري حديث 969، صحيح أبي داود2130[.

قال ابن حجر العسقلاني: في هذا الحديث تفضيل بعض الأزمنة على بعض، كالأمكنة، وفضل أيام عشر ذي الحجة على غيرها، وتظهر فائدة ذلك فيمن نذر الصيام أو علَّق عملاً من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يومًا منها تعين يوم عرفة، لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور، فإن أراد أفضل أيام الأسبوع، تعين يوم الجمعة. وقال -رحمه الله- أيضًا: (استدل بهذا الحديث على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل).

وقال -رحمه الله- أيضًا: «الذي يظهر في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة، والصيام  والصدقة  والحج، ولا يتأتى في غيره»(فتح الباري 2/533، 534).

 

يوم عرفة المبارك:

سبب التسمية: قيل سُميت عرفات لما رواه عبد الرزاق قال: أخبرني ابن جريج قال: قال سعيد بن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل -عليه السلام- إلى إبراهيم فحج به حتى إذا أتى عرفة قال: عرفت؟ قال: عرفت. وكان قد أتاها قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة»[تفسير ابن كثير 1/255] وقيل: سميت تلك البقاع عرفات لأن الناس يتعارفون بها، وقيل لأن آدم لما هبط دفع بالهند، وحواء بجدة، فاجتمعا بعد طول الطلب بعرفات يوم عرفة وتعارفا، فسمي اليوم عرفة، والموضع عرفات»(تفسير القرطبي 2/407).

 

فضائل يوم عرفة:

إن ليوم عرفة فضائل كثيرة، يمكن أن نوجزها فيما يلي:

1-              يوم عرفة يوم إكمال الدين وإتمام النعمة:

قال الله -تعالى-: اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلاَمَ دِينًا[المائدة: 3]. قال ابن كثير -رحمه الله- هذه أكبر نعم الله -تعالى- على هذه الأمة، حيث أكمل -تعالى- لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خُلف كما قال -تعالى-: وَتَمَّت كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدقًا وَعَدلاً أي: صدقًا في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي، فلما أكمل لهم الدين، تمت عليهم النعمة، ولهذا قال: اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلاَمَ دِينًا أي فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه، وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه».[تفسير ابن كثير 5/46] قال السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام(تفسير ابن كثير 5/47).

وعن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا نزلت، معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: وأي آية؟ قال: اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلاَمَ دِينًا، فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعرفة في يوم جمعة(مسلم جـ4 كتاب التفسير ح5).

2-              يوم عرفة: يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار:

عن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من يوم أكثر من يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، إنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟»(مسلم ح1348).

قال الإمام النووي -رحمه الله-: هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك، ولو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام، فلأصحابنا وجهان: أحدهما تطلق يوم الجمعة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة» كما سبق في صحيح مسلم، وأصحهما يوم عرفة للحديث المذكور في هذا الباب، ويتأول حديث يوم الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع(مسلم بشرح النووي 5/128، 129).

قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: يوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدًا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم، من شهد منهم موسم

الحج ومن لم يشهده لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، وإنما لم يشترك المسلمون كلهم في الحج كل عام رحمة من الله وتخفيفًا على عباده، فإنه جعل الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام، وإنما هو في كل عام فرض كفاية، بخلاف الصيام، فإنه فريضة كل عام على كل مسلم، فإذا كمل يوم عرفة وأعتق الله عباده المؤمنين من النار، اشترك المسلمون كلهم في العيد عقب ذلك، وشرع للجميع التقربُ إليه بالنسك، وهو إراقة دماء الهدي والأضاحي(لطائف المعارف لابن رجب ص482).

3-              يوم عرفة: يوم تقرير حقوق الأخوة الإسلامية:

عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء (اسم ناقته) فَرُحِلت (أي وضع عليها الرَحل) فأتى بطن الوادي (أي وادي عُرنة) فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كُل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دمُ ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد، فقتلته هُذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربانا، ربا عمي عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يُوطئن فرشكم أحد تركوهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح (لا يكسر عظمًا ولا يسيل دمًا) ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصتم به، كتاب الله، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئًا »(مسلم ح1218).

4-              يوم عرفة: يوم الإكثار من شهادة التوحيد:

شهادة التوحيد هي أصل دين الإسلام الذي أكمله الله -تعالى- في يوم عرفة، ولذا كان أكثر دعاء النبي  -صلى الله عليه وسلم- في يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»(حديث حسن: صحيح الترمذي ح2837).

إن تحقيق كلمة التوحيد والإكثار من قولها بإخلاص يوجب العتق من النار. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك)(البخاري ح3293، ومسلم 2691).

5-              أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»[صحيح الترمذي للألباني 2837] الدعاء سلوى المحزونين، ونجوى المتقين، ودأب الصالحين، فإذا صدر عن قلب سليم ونفس صافية، وجوارح خاشعة، وجد إجابة كريمة من رب رحيم ودود. ولذا ينبغي لكل مسلم عاقل أن يجتهد يوم عرفة المبارك فيكثر من الدعاء ويسأل الله -تعالى- من خيري الدنيا والآخرة، وليعلم الناس أن الله يجيب دعوة عبده إذا أخلص في دعائه، قال -تعالى-: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَليَستَجِيبُوا لِي وَليُؤمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ(البقرة: 186).

6-              فضل صيام يوم عرفة:

عن أبي قتادة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»[مسلم ح1162] أخي الكريم: انظر إلى هذا الفضل العظيم، كيف أن صوم عرفة وحده يمحو الله به ذنوب سنتين كاملتين، فالسعيد من اغتنم هذه الأوقات العظيمة وصام يوم عرفة وحفظ فيه لسانه وسمعه وبصره وجميع جوارحه عما يغضب الله –تعالى-.

وينبغي أخي المسلم أن تدعو أهل بيتك وأقاربك وأصدقاءك وجيرانك لصوم يوم عرفة المبارك، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: من دل على خير فله مثل أجر فاعله[مسلم ح1893]، ومن السنة عدم صوم يوم عرفة لحجاج بيت الله الحرام، سُئل سفيان بن عيينة عن سبب النهي عن صوم يوم عرفة للحجاج؟ فقال: (لأنهم زوَّار الله وأضيافه، ولا ينبغي للكريم أن يجيع أضيافه)(لطائف المعارف ص486).

 

منزلة يوم عرفة عند سلفنا الصالح:

كان حكيم بن حزام يعتق مائة رقبة عشية عرفة وينحر مائة بدنة يوم النحر، ويطوف بالكعبة، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نِعمَ الربٌّ، ونعم الإله، أحبه وأخشاه[المستطرف للأبشيهي 1/23] حج عبد الله بن جعفر ومعه ثلاثون راحلة، وهو يمشي على رجليه حتى وقف بعرفات، فأعتق ثلاثين مملوكًا وحملهم على ثلاثين راحلة، وأمر لهم بثلاثين ألف درهم، وقال: أعتقهم لله -تعالى- لعله يعتقني من النار(المستطرف للأبشيهي 1/24).

 

فضل يوم النحر:

يوم النحر (اليوم العاشر من ذي الحجة) يوم عظيم عند الله -تعالى-، يغفل عنه الكثير من المسلمين، عن عبد الله بن قُرط أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أعظم الأيام عند الله -تبارك وتعالى- يوم النحر ثم يوم القُرِّ»[صحيح أبي داود ح1552] يومُ القُرِّ: هو اليوم الذي يلي يوم النحر، لأن الناس يقرون فيه بمنى بعد أن فزعوا من طواف الإفاضة والنحر واستراحوا(عون المعبود ج5 ص142).

 

فضل أيام التشريق:

عن نُبيشة الهذلي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله».[مسلم ح1141] قال النووي -رحمه الله-: أيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر، سُميت بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها، وهو تقديدها ونشرها في الشمس، وفي الحديث استحباب الإكثار من في هذه الأيام من التكبير وغيره[شرح النووي 4/273] وقال ابن رجب الحنبلي: أيام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشرب، ونعيم قلوبهم بالذكر والشكر، وبذلك تتم النعمة، وكلما أحدثوا شكرًا على النعمة كان شكرهم نعمة أخرى، فيحتاج إلى شكر آخر، ولا ينتهي الشكر أبدًا.(لطائف المعارف ص504).

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات