المنافسات الرياضية ومفاسدها ( 1 )


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الخطبة الأولى:

أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ عنهم فمات، فميتته جاهلية.

إن قضية إشغال الفراغ باللهو واللعب والفرح لهي قضية مهمة نراها في مضمار الحياة اليومية، لا يمكن تجاهل الحديث عنها في كثير من المجتمعات، بل قد يشتد الأمر ويزداد عند وجود موجبات الفراغ، كأوقات الإجازات ونحوها، حتى أصبحت عند البعض منهم مصنفة ضمن البرامج المنظمة في الحياة اليومية العامة، وهي غالباً ما تكون غوغائية تلقائية ارتجالية، ينقصها الهدف السليم، لا تحكمها ضوابط زمانية ولا مكانية، فضلاً عن الضوابط الشرعية، وما يحسن من اللهو وما يقبح.

أيها المسلمون، إن العالم اليوم يموج بفتن متلاحقة وأحداث متتالية يراد لأمة الإسلام فيها الذلة والهوان والبعد عن دينها. ولقد تولت قيادة العالم اليوم أمم الكفر من أصحاب النظرة المادية العلمانية البحتة البعيدة كل البعد عن دين الله وما شرعه الله.

أيها المسلمون، وفي هذه الأيام تنظم هيئة من هيئات الكفر منافسات رياضية وهي ما يعرف بكاس العالم لكرة القدم، والتي شغلت كثيراً من أبناء المسلمين وافتتن بها كثير منهم كما فتنوا من قبل بمنافسات رياضية دورية محلية وأخرى دولية وقارية.

ولما فيها من مفاسد جمة أحببنا بيان بعض المفاسد الخطيرة المتعلقة بهذه اللعبة وغيرها مما هو على شاكلتها حتى نحذرها ونحذر أبناءنا منها وحتى نقوم بواجباتنا تجاه أبنائنا ومن ولانا الله أمرهم..

المفسدة الأولى: وقوع حب الكافر ومودته وتعظيمه وتبجيله في قلب المسلم. إن من أخطر مفاسد هذه المنافسات كسرُ الحاجز الديني بين المسلمين والكفار، ألا وهو حاجز البراء الذي هو من أوثق عرى الإيمان. فترمي هذه المنافسات ـ فيما ترمي إليه ـ إلى أن لا يبقى في قلوب المسلمين بغضٌ للكفار من أجل الله - تعالى -، ولا كراهيةٌ لهم لأجل ما هم عليه من الكفر والدين الباطل ومحاربةِ الحق وأهله بشتى الطرق والوسائل، وأعظم من ذلك أن يقع في قلب المسلم حبٌّ الكافر وتبجيله، وأن يجري على لسانه مدحه والثناء عليه، وأن ينظر إليه نظر التعظيم والإعجاب، فيحمل صورته في فانلات على صدره وفي سيارته ويعلقها في بيته، ويغضب له إذا نيل منه وطُعن فيه، ويسعى جاهداً في الوصول إليه لمصافحته وأخذ قميصه أو توقيعه، وكثيراً ما يبلغ الأمر إلى أن يُحمَلَ هذا الكافر بالله من لاعبٍ, أو مدرب أو مسئول على أكتاف المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قدم عائذ بن عمرو - رضي الله عنه - يومَ الفتح مع أبي سفيان بن حرب على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال الصحابة: هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو، فقال رسول الله: ((هذا عائذ بن عمرو وأبو سفيان، الإسلام أعزٌّ من ذلك، الإسلام يعلو ولا يُعلَى)) قال الحافظ ابن حجر: "وفي هذه القصة أن للمبدأ به في الذكر تأثيراً في الفضل لما يفيده من الاهتمام، فإذا كان هذا في مجرد التقديم في اللفظ فكيف بالمدح والثناء والتعظيم ؟! ثم كيف بالرفع على الأكتاف والوقوف للأعلام؟!

المفسدة الثانية: تضليل المسلمين عن قضايا أمتهم وشغلهم عن التفكير في الاستعداد لجهاد أعدائهم. لقد استطاع أعداء الإسلام أن يغرقوا المسلمين في هذه المنافسات، وأن ينسوهم قضايا الأمة الكبرى ومهمتها العظمى في تبليغ هذا الدين، وأن يميتوا فيهم الحس الإسلامي، فتجد كثيراً من المتابعين لهذه المنافسات لا يكترث ولا يأبه بما يحدث لإخوانه المسلمين المستضعفين في شتى بقاع العالم، من تشريد وتقتيل وتعذيب وتنكيل، وانتهاك للحرمات وتدنيس للمقدسات، بل شغلهم الشاغل تقصي أخبار المنافسات وتتبع نتائج المباريات والشغف بمعرفة وضعية اللاعبين المادية والاجتماعية، إلى غير ذلك من السفاسف والمهازل.

قال الشاعر واصفًا حالهم أمام المباريات:

 

أمضى الجسور إلى العلا  * * *   بزماننا كـرة القـدم

 

تحتـل صـدر حيـاتنا  * * *   وحديثهـا في كل فم

 

وهي الطريق لمن يريد * * *   خميلة فـوق القمـم

 

أرأيت أشـهرَ عندنـا   * * *  من لاعبي كرة القدم

 

أهــم أشـدٌّ توهجـاً  * * *   أم نار برقٍ, في علم؟!

 

لهم الجبايـة والعطـاء * * *   بلا حـدود والكـرم

 

لهم المزايـا والهبـات  * * *  وما تجود به الهمـم

 

المفسدة الثالثة: صرف همم المسلمين عن الاشتغال بمقاصد الشرع ومعالي الأمور، وشغلُهم بالسفاسف والمهازل.

إن هذه المنافسات هي في الحقيقة معول هدم في بناء الأمة الإسلاميةº استخدمها أعداء الإسلام وشجعوا عليها للقضاء على الهمم وإماتتها وتحقيرها في نفوس المسلمين، ومما يؤكد ذلك ما جاء في البروتوكول الثالث عشر من برتوكولات حكماء صهيون، وهذا نصه: "ولكي تبقى الجماهير في ضلال لا تدري ما وراءها وما أمامها ولا ما يراد بها، فإننا سنعمل على زيادة صرف أذهانها بإنشاء وسائل المباهج والمسليات والألعاب الفكهة وضروب أشكال الرياضة واللهو... ثم نجعل الصحف تدعو إلى مباريات فنية ورياضية".

 

المفسدة الرابعة: تضليل المفاهيم ونكس المعايير.

نجد التلاعبَ بالألفاظ على أشُدِّه، فهم يسمون اللاعب الذي يكفيه حِطةً ودناءة أنه يلعب ويلهو، يسمونه بطلاً ونجمًا وصانعَ تاريخ ومحققَ أمجاد، ويسمون غلبةَ أحد المتنافسين نصراً ونجاحاً وفوزاً وفلاحاً، وما كانت العرب تقول قبل الإسلام ولا بعده إلا: سابقه فسبقه، وصارعه فغلبه.

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن واجباتكم تجاه أبنائكم عظيمة فلا تفرطوا فيها.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب..

 

الخطبة الثانية

 الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا أيها الناس، اتقوا الله - تعالى -حق التقوى. وراقبوه ولا تعصوه.

أيها المسلمون، وعوداً على بدء نقول:

أما المفسدة الخامسة: فهي تقديم القدوة السيئة الدنيئة للطفل والشاب المسلم. إن التربية بالقدوة من أعظم الوسائل التربوية تأثيراً في النفس، وقد أرشد إليها القرآن الكريم فقال الله - تعالى -: قَد كَانَت لَكُم أُسوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبراهِيمَ [الممتحنة: 4]، وقال - سبحانه -: أُولَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى ?للَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتَدِه [الأنعام: 90]، واعتنى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرا فمن ذلك قوله: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)).

وإن من أهداف هذه المنافسات غرس القدوة السيئة والأسوة الدنيئة في أذهان النشء، والحيلولة بينهم وبين القدوات الزكية التي ينبغي أن تُتَّخذ.

ومن وسائلهم في تحقيق ذلك تكثيف اهتمام أجهزة الإعلام بأولئك الرياضيين، وتتبع أخبارهم وما يتعلق بهم من صغير أو كبير، ووصفهم بالأبطال والنجوم والأسود غير ذلك من الألفاظ النافخة، مما يجعل الطفل والشاب لا يهتم بعلم ولا عمل، وليس له في تحقيق العزة والتمكين همُّ ولا أمل، بل همٌّه الوحيد وأمله الفريد أن يصبح بطلاً من الأبطال الورقية ونجماً من النجوم الواهية!! وقد بلغ الأمر بكثير من الشباب إلى حد تقليد أولئك الذين لا خلاق لهم والتشبه بهم، بل ربما اقتدوا بهم في عاداتهم وحركاتهم الخبيثة والكفرية.

فاتقوا الله عباد الله، وقوموا بواجباتكم تجاه أبنائكم ومن ولاكم الله أمرهم، واعلموا أن الأمانة ثقيلة فقوموا بها حق القيام، أعاننا الله وإياكم على أدائها على الوجه الذي يرضي ربنا عنا، إنه جواد كريم.

ألا وصلوا عباد الله على خير خلق الله...

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply