كشمير : أليس لهذا الليل من آخر ؟!


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموقع والسكان:

 تقع ولايتا (جامو) و (كشمير) شمال شبه القارة الهندية الباكستانية،  وحدودها متاخمة لخمس دول وتحدها باكستان من جزء من شمالها الغربي، ومن غربها، ومن جزء من جنوبها الغربي بطول 700 ميل تقريباً، وتحدها الصين في جزء كبير من شمالها ومن شرقها، ومن جزء صغير من جنوبها الشرقي وتحدها الهند في جزء من جنوبها بطول 200 ميل تقريباً، وتبلغ مساحتها 84471 ميلاً مربعاً، وهي بلاد جبلية فيها سهلان أو واديان هما وادي جامو، ووادي كشمير، وهي طيبة المناخ، كثيرة الأنهار والغابات، وتنبع منها الأنهار التي تروي باكستان، وهي أنهار السند وجيلم وجناب، وكان الاسم العربي القديم لها هو: (سقف الدنيا) ويتجاوز عدد سكانها (12) مليون نسمة، 85% منهم مسلمون، وهم أغلبية في جميع المناطق حيث تبلغ نسبتهم 90% في وادي كشمير أما في منطقة جاجيت فتبلغ نسبتهم 100%، وأشهر القبائل: الشيخ، والسيد، والمغول، والباتان، وهي إسلامية، أما قبائل الهندوك فأشهرها: بانديت، وريشي، وقبائل البانديت متعصبون للبرهمية، ومنهم رئيس الوزراء الهندي السابق جواهر لال نهرو، ولغتهم خاصة بهم، لا تشبه اللغات الهندية، وهي قريبة من الفارسية.

 

دخول الإسلام:  

على الرغم من دخول المسلمين الهند، وحكمهم إياها فإن دخول الإسلام إلى كشمير تأخر بسبب مناعتها، ولكن ملكها البوذي (دنجن شا) اعتنق الإسلام على يد أحد الدعاة، وتسمى باسم (صدر الدين) وحكمها الملوك من أبناء كشمير من سنة 1310م حتى سنة 1552م، ثم جاء حكم المغول المسلمين فاستمر حتى سنة 1752 م، ثم حكمها الولاة الذين يعيَّنون من أفغانستان، ولما ضعف الحكم الإسلامي في الهند واتسع نفوذ الإنكليز فيها أقام السيخ فيها دولتهم في البنجاب وغزوا كشمير، وأخضعوها، واستمر حكم الشيخ لكشمير (27) عاماً من سنة 1819 م حتى سنة 1846م، وكان عهدهم أسود حيث ساموا المسلمين الخسف وأذلوهم، وارتكبوا أبشع صور الظلم والجور، وما إن حل العام 1846م حتى كان الإنكليز قد أحكموا سيطرتهم على الهند، فطردوا الحكام السيخ من هذه الولاية ليبدأ فصل جديد من فصول الظلم والقهر، حيث قام الإنكليز ببيع كشمير مع سكانها لأحد الإقطاعيين من منطقة جامو واسمه (غولاب سنغ) وهو من قبائل الدوجره الهندوسية - بمبلغ سبعة ملايين وخمسمائة ألف نانك شاهي، ولم تتجاوز قيمة الفرد من الشعب سبع روبيات، وكان البيع لمدة 100 سنة، على أن تنتهي في العام 1946م، ويُعرف عقد البيع هذا بمعاهدة (أمرتسار) بين (غلاب سنغ) والحاكم البريطاني (اللورد هادرنغ) ووقع الشعب بأسره فريسة عدة أشخاص من سدنة المعابد، وعبادة الأوثان الذين كانوا يتقلدون جميع المناصب الرئيسية في الولاية، وكان المسلمون يجبَرون على القيام بأعمال السخرة، ويدفعون أفدح  الضرائب، ولم يكن يسمح للمسلمين بحمل السلاح، وكان ذبح البقر ممنوعاً، ولم يكن يسمح للهندوسي أن يعتنق الإسلام إلا إذا تنازل عن كل ما يملك من أرض، وكانت سياسة الحكومة قائمة على التعسف، والظلم وإرهاق الرعية بالضرائب لكي تشغلهم بالبحث عن قوت يومهم فلا يثورون عليها، وفي سنة 1929م بلغت الحالة حداً من السوء دفع أحد كبار وزراء المهراجا إلى الاستقالة، ومغادرة البلاد بعد أن أدلى بالتصريح التالي: (إن دولة جمو وكشمير تعاني الجهل التام والفقر وسوء الحالة الاقمصادية والمعيشية، فأهلها عملياً يسيَّرون كالماشية.

هنالك أيضاً عزلة الحكومة عن الشعب، وانعدام الفرص لرفع الظٌّلامات للمسؤولين).

  في سنة 1931م حصلت بعض الحوادث التي كان لها أثر كبير في مستقبل كشمير، فقد قامت إحدى البلديات بهدم أحد المساجد القديمة، فقام المسلمون بمحاولة إعادة بنائه، فقامت قوات المهراجا بإطلاق النار عليهم، ومنع أحد الأئمة من إلقاء خطبة الجمعة، ودنس أحد ضباط الأمن الهندوسي القرآن الكريم، وتتالت أحداث العنف، وتدخلت القوات الإنكليزية لدعم المهراجا، وفي منتصف أكتوبر سنة 1932م برز إلى الوجود (حزب المؤتمر الوطني الإسلامي ) الذي عقد أول مؤتمر برئاسة الشيخ عبد الله، ومشاركة شودري غلام عباسي، وكان التناقض بين الرجلين واضحاً منذ البداية، فبينما كان الشيخ عبد الله يميل إلى حزب المؤتمر الهندي برئاسة غاندي، ويصادق نهرو مع أن حزب المؤتمر حزب هندوسي في الأصل، وإن دخله بعض المسلمين فهو يسعى إلى إخراج الإنكليز من الهند لإقامة دولة هندوسية، أما شودري فكان يميل إلى جمعية الخلافة (الرابطة الإسلامية) التي أنشأها محمد علي جناح وذلك بهدف إقامة كيان خاص بالمسلمين [1]، وفي النهاية تكوَّن حزبان هما:  الأول: المؤتمر الإسلامي ورئيسه شودري غلام عباسي الذي يعكس أهداف الرابطة الإسلامية.

 الثاني: المؤتمر الوطني ورئيسه الشيخ عبد الله ويأتمر بأوامر حزب المؤتمر الهندي، وكان شعاره (اخرجوا من كشمير) ويقصد الدوجره، وذلك على غرار شعار حزب المؤتمر الهندي (اخرجوا من الهند) ويقصد بها الإنكليز.

  وكان عام 1946م حاسماًº حيث انقضت مدة بيع كشمير وكانت الصراعات على أشدها من أجل تحديد مستقبل الهند، وتم وضع شودري وعبد الله في السجن، وجاءت أحداث سنة 1947م ليخرجا من السجن، ولكن شودري ذهب إلى الباكستان، والشيخ عبد الله خرج من السجن لينال رئاسة الوزراء في الولاية.

 كشمير وتقسيم الهند:  وأخيراً تم الاتفاق على تقسيم المناطق التي يحكمها الإنكليز بصورة مباشرة بحيث تتبع مناطق الغالبية الإسلامية لدولة باكستان، وقد أصر الهندوس على تقسيم كل من البنغال، والبنجاب، إلى قسمين قبل الشروع بالتقسيم، ولما وافق محمد علي جناح أخذت الهند البنغال الغربي، والبنجاب الشرقي وكانت الهند مكونة أيام الاستعمار من جزئين هما:  الأول: جزء يحكمه الإنكليز حكماً مباشراً.

 الثاني: 565 إمارة يحكمها أمراء من المسلمين، أو الهندوس، وكانت تتمتع بالاستقلال الداخلي، وتحتل هذه المارات 45.

3 % من مساحة مشبه القارة الهندية.

 ضمن الإنكليز حصول الهندوس على أكبر قدر ممكن من المكاسب، حيث تم تعيين اللورد (مونتباتن) -ابن عم الملك - في منصب نائب الملك في الهند الذي خطب - في مجلس أمراء الولايات الهندية - بعد إعلان استقلال المستعمرة خطاباً قال فيه: (للولايات الحرية في الانضمام لأية دولة من الدولتين، ولكنني حين أقول: إن لها حرية الانضمام إلى إحداها أرى لزاماً على نفسي أن أؤكد في الوقت ذاته: أن هناك ضرورات جغرافية لا يجوز أن يُصرف عنها النظر البتة، إذ ليس لكم أن تنؤوا بجانبكم عن حكومة الدولة التي هي جارة لكم، كما ليس لكم أن تخالفوا رغبة الرعايا الذين تتحملون المسؤولية عن فلاحهم وسعادتهم).

 وسرعان ما ذابت الإمارات في الهند، وباكستان بدون مشاكل، ما عدا أربع إمارات هي: كيورتهلة، وجوناكدة، وحيدر آباد، وكشمير.

 كيورتهلة: هي إمارة صغيرة يحكمها أمير هندوسي، وأغلبية أهلها مسلمون، ولما كان الأمير يخاف اعتراض المسلمين على رغبته في الانضمام إلى الهند، فقد شن حملة من القتل والتشريد، حتى لم يبق من يستيطع الاعتراض عليه ثم أعلن الاندماج في الهند.

 جوناكدة: هي إمارة ساحلية صغيرة، تتصل بباكستان عن طريق البحر، وكان أميرها مسلماً وأكثرية أهلها هندوس، فأعلن انضمامه إلى باكستان، فقامت القوات الهندية باجتياح الإمارة، وطردت الحاكم المسلم منها.

 حيدر آباد: وتقع في هضبة الدكن وسط الهند ونظراً لكبرها، فقد كان لها وضع خاصº لأن عدد سكانها يزيد على العشرين مليوناً، ومساحتها حوالي 350000 كم2، ولغتها الرسمية كانت الأوردية، وكان الأمير المسلم يرغب في الانضمام إلى باكستان، ولكنه قدَّر صعوبة ذلك، فطلب الاستقلال، فرفضت الهند، فاقترح الاستفتاء، فأعادت الرفض، كما رفضت استفتاء الأمم المتحدة، وقامت بالهجوم عليها في 14 من أيلول سنة 1948م ثم استولت عليها بعد مقاومة ضئيلة.

 

كشمير: ذكرنا سابقاً أن الهندوس أصروا على تقسيم البنجاب إلى قسمين، بحيث يصبح المسلمون أقلية في أحدهما، وهو الشرقي حيث إن غالبية سكانه من السيخ، والهندوس، وقد قام السيخ بحملة وحشية على المسلمين قتل فيها عشرات الألوف منهم، وفي النهاية لم يبق للمسلمين وجود في البنجاب الشرقي، أما في كشمير المجاورة فإن المهراجا قام بتمثيل دورين مختلفين هما:  الأول: عقد المهراجا اتفاقاً مع حكومة باكستان في 15 من آب (أغسطس) سنة 1947م تقرر فيه إبقاء الوضع كما هو، أي رجوع إمارة كشمير إلى لاهور، كما كان الأمر في أيام الاحتلال، وظاهر هذا الأمر الاستعداد للانضمام إلى باكستان.

 الثاني: أمر بنزع سلاح المسلمين، وتبع ذلك نزع سلاح المسلمين العاملين في الجيش والشرطة وسمح بتسليح المنظمات الهندوسية، وكانت تلك بداية لعملية الإبادة التي تم فيها قتل الألوف من المسلمين، ونهبت أموالهم وممتلكاتهم، واختطفت بناتهم، وطرد الناجون إلى باكستان، فاشتعلت الثورة في المناطق النائية، ثم انتشرت في كافة أنحاء (جامو) وكشمير، وكانت أخبار الفظائع تصل إلى أسماع المسلمين من رجال قبائل الباتان، فسارعوا إلى نجدة إخوانهم، فعبروا الحدود وأقام السردار إبراهيم حكومة حرة في المناطق المحررة في 4 من أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1947م وجعل عاصمتها (مظفر آباد) وتمكن المسلمون من إلحاق الهزيمة بجيش (الدوجره) حتى اقتربوا من (سري ناجار) ففر منها المهراجا ورئيس وزرائه الشيخ عبد الله وطلب المعونة من الهند، فقامت بتلبية ندائه، وبعثت أليه بالذخيرة، وأرسلت مندوباً ليأخذ من المهراجا وثيقة الانضمام للهند حتى تستطيع التدخل، فوقَّع الوثيقة في 26 من أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1947م.

 فأعلنت الهند الموافقة عليها بصورة مؤقتة، وسارعت بارسال القوات المحمولة جواً، وبدأت مرحلة جديدة من الحرب غير المتكافئة بين المتطوعين المسلمين، وبين قوات الجيش الهندي المدججة بالسلاح، واستمرت الحرب سنة كاملة.

أحرج خلالها موقف الجيش الهندي، ورفعت الهند الأمر إلى مجلس الأمن، وتوصلت الدولتان الهند وباكستان إلى اتفاق وقف لإطلاق النار قبل منتصف ليلة يناير (كانون الثاني) 1949م بدقيقة واحدة، وصدرت قرارات مجلس الأمن لوقف إطلاق النار، وإجراء الاستفتاء المحايد لتقرير مصير الشعب الكشميري، وفعلاً فقد نفذ الجزء الأول، وهو وقف إطلاق النار، ولم يتم تنفيذ الجزء الثاني حتى الآن.

 يتبع

 

(1) إن محمد جناح الذي يُطلق عليه " الزعيم الأعظم " هو رجل إسماعيلي المذهب وينتسب إلى أسرة هندوسية تحولت إلى الإسماعيلية، وكان يدعو إلى كيان خاص بالمسلمين، ولم يكن يدعو إلى كيان إسلامي، وعلى الرغم من أنه كان يخطب في الجماهير بالإنكليزية - التي لا يعرفها العامة ولم يكن يجيد لغة المسلمين في الهند " الأوردية " - فقد لاقت شعاراته " قبولاً " من العامة، وفرض على المسلمين خياراً صعباً، وهو إما الخضوع لدولة الهندوس، أو الاستقلال بدولة لها سيادة تسمى:دولة باكستان الإسلامية، ويحكمها النظام العلماني!.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply