مجتمعنا ينهار في وجه العولمة .. نماذج حية !!


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

اتصلت بي الأسبوع الماضي صديقتي الأستاذ بكلية الطب لكي أحضر حفل زواج شقيقتها الصغرى سلوى، والتي تبلغ من العمر 25 عاما وهي خريجة كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية.وكان حفل الزواج بمنزل الأسرة بالجيزة والمفاجأة الكبرى أن العريس ويدعى شابي هو شاب هندي يقيم في أستراليا تعرفت عليه منذ خمس سنوات عبر شبكة الإنترنت.. وهو من السيخ وبعد أن تعرف على سلوى جاء للقاهرة منذ ثلاث أعوام لخطبتها وأشهر إسلامه في الأزهر بناء على طلبها، لكن الأسرة رفضت هذا الأمر في البداية وبعد إصرار الابنة المصون رضخت العائلة، بكل تكويناتها الاجتماعية والعلمية، لإرادة الفتاة المتمردة سلوى وتم الزواج.

وأسرة صديقتي الأستاذ بكلية الطب، كما أعرفها، أسرة تقليدية يقال عنها إنها محافظة، فالأب مهندس كهرباء عمل في الخليج والسعودية لمدة عشرين عاما والابنة الكبرى أستاذ بكلية الطب وزوجها أستاذ بكلية الآداب، وهي ترتدي الحجاب ولديها اهتمام بالعلوم والثقافة الشرعية. وكذلك الابنة الثانية وهي صيدلانية، أما الأخ فضابط بالبحرية. وقد توفيت والدتهم بعد ولادة سلوى مباشرة، وتكفلت الجدة بتربية حفيدتها، وكانت دائما شديدة العطف والتدليل لهذه الطفلة التي تمسكت بكفالتها حتى عندما عاد الأب من الخليج واستقر بالقاهرة. وكذلك رفضت سلوى أن تعيش مع والدها وزوجته وأشقائها، لأنها لم تتقبل أبدا أي سلطة أبوية.

 سألت سلوى، والتي كانت حريصة على صياغة معظم أفكارها باللغة الانجليزية:

لماذا اخترت هذا الزوج؟ قالت: هذه مسألة توافق روحي.

سألتها: كيف تمردت على الأعراف والتقاليد الاجتماعية وأرغمت كل أفراد الأسرة حتى جدتك، التي تولت تربيتك ورعايتك، على الموافقة على زواجك؟

أجابت: هذه حريتي الشخصية وهناك خطوط حمراء خاصة بي ولا يجب أن يتعداها أحد مهما كان.

قلت لها: هل شابي مختلف عن الشباب المصري والعربي المسلم؟

أجابت: إنني أتبادل معه الأفكار والحوارات بشكل محترم وهو لم يذكر لي كلمة حب أو غزل خلال الخمس سنوات لأنه إنسان مختلف ومتحضر.

قلت لها: أنت مسلمة، فلماذا لا ترتدين الحجاب؟

أجابت: إنني محتشمة ولا أضع المساحيق في وجهي وأتحرك في الحياة بشكل عملي.

سألتها: ماذا عن الإسلام في حياتك وهل شابي أسلم من أجل الزواج بك؟

أجابت: هذه مسألة شخصية وكل إنسان يتحمل مسئولية اختياره، وعائلتي بريئة من ذنبي إذا كانت تعتقد أنني مذنبة، أما مسألة الدين هذه فهي علاقة خاصة بين الإنسان وربه فقط.

تركت سلوى، وكلماتها تؤكد لي أنها مسخ لفتاة غربية، ولو توقف الأمر عند سلوى لقلت إنها مجرد حادثة فردية، لكنني تذكرت واقعة أخرى حدثت منذ شهور لصديقة فاضلة وهي مدرسة للغة العربية وتلتزم الفصحى في كل أحاديثها العامة والخاصة، وكانت دائما حريصة على متابعة معظم المطبوعات والصحف الإسلامية، وتقوم بشرائها لأولادها، وتوزعها أحيانا على الأقارب والأصدقاء في المناسبات السعيدة لأسرتها، وزوجها يحتل مركزا قياديا في أحد البنوك الإسلامية، ولديها أربع بنات وأربعة أولاد، وهي حازمة جدا في تربيتها لأولادها، لكنها تبدي في بعض الوقت تبرمها من طريقة زوجها في تدليل أولاده وتحقيق كل رغباتهم.

تقول صديقتي: معظم بناتي يرتدين الخمار، وواحدة ترتدي النقاب، تخرجن من الجامعات، وتزوجن جميعا من خلال التعارف الأسرى وتحت رعايتنا ومباركتنا، إلا الابنة الوسطى ندى رغم أنها ملتزمة في حجابها وتحافظ على الصلاة في وقتها، وهي خريجة إحدى الكليات الأزهرية [كلية اللغات والترجمة]، لكنها تميل إلى الانطوائية، ولها عالم خاص وتتعامل كثيرا مع الإنترنت، وكانت تقول دائما إنها لا تحب الشباب العربي ولا المجتمع العربي وتتمسك دائما بآرائها حتى ولو كانت خطأ.

وفجأة، منذ عدة شهور، قالت لي إنها تعرفت على شاب تركي يعيش في أمريكا من خلال الإنترنت وهو يريد أن يتزوجها، وكانت هذه الفكرة مفاجأة لي وصدمة للأسرة كلها، لكن ابنتي تمسكت برأيها وحاولت معها بكل الوسائل، دون فائدة، واضطررت أن أبعث بأخيها إلى تركيا ليسأل ويتعرف على أسرة هذا الشاب، والحمد لله كانت الأسرة ملتزمة وقبلنا الزواج. وجاء الشاب إلى القاهرة وتزوجها وأخذها إلى تركيا لمدة ثلاثة أسابيع، وأضطر هو أن يذهب إلى عمله في أمريكا وعادت هي للقاهرة، على وعد بأن يستقدمها بعد ذلك لأمريكا، وعندما تأخرت إجراءات سفرها إلى أمريكا فقدت حماسها لزوجها وطلبت منه بإصرار أن يأتي للقاهرة ليطلقها، وتم لها ما أرادت، ونحن في ذهول، كيف أصرت على هذا الزواج، وكيف أصرت على الطلاق؟.

إنني هنا بصدد واقعتين لهما دلالات متعددة، ولننحي ما تقوم به الأسرة المتحررة وأبناؤها من الشباب والفتيات الغارقين في اللهو والزينة والذين يقومون بممارسات خاطئة وخارجة عن السياق الاجتماعي والأخلاقي، ولكن هاتين الأسرتين من الأسر المتوسطة والمحافظة والتي تتمتع بمستوى ديني وثقافي وتعليمي جيد، والتي كانت منذ سنوات قليلة جدا تنظر لهذا الوضع وذلك التمرد- وبصرف النظر عن حكمه الشرعي - على أنه فضيحة اجتماعية.. فماذا حدث؟

هناك أسئلة هامة يجب على الجميع في هذه الفترة أن يبحث فيها ويقدمها على أية تساؤلات أخرى.. وهي ما الذي يحدث لأبنائنا وشبابنا؟ ولماذا تركناهم فريسة سهلة لموجات الإغواء والانحلال والتسيب التي وصلتنا عبر وسائل الإعلام والفضائيات والانترنت، لتصبح هي القائمة على التحكم في أفكار ومشاعر وتوجهات وإرادة الشباب على امتداد العالم العربي والإسلامي؟.

إن هذه الوسائل الجديدة والمنتشرة أصبحت تحل الآن محل الأسرة في تشكيل الأبناء، ولا نقول في تربيتهم، بل تعمل على مسخ عقولهم وقلوبهم. إن هذه الوسائل التي كان يجب أن تكون نافعة ومفيدة تنقل العلم والمعرفة وتحرك العقول والأفكار وتفتح الأخيلة، أصبحت الآن تصب في اتجاه الاستعمال السيئ، الذي لا يقتصر فقط، كما يتصور البعض، على مشاهد العري والإباحية- وهي في حد ذاتها بالغة الخطر والضرر- وإنما أصبح يمتد إلى تغيير الأفكار، والعقول، والترويج لمفاهيم العلمنة، والتغريب، والتحرر من كل القيم الاجتماعية الأصيلة، والإغراق في توجهات عصر العولمة. لقد أصبحت هذه الوسائل الإعلامية والعلمية الجديدة، أداة تعارف وتغلغل وسيطرة، يتمكن خلالها غرباء ومخالفون في الدين والعقيدة والهوية من الوصول إلى حجرات النوم والجلوس في كل مكان يوجد فيه كمبيوتر وغرف ثرثرة، ونتيجة ذلك تنشأ العلاقات التي تسير دائما في اتجاه واحد من شباب ورجال ونساء غير مسلمين إلى قلوب شباب مسلم من الجنسين.

وهذا التيار الوافد لا يقف فقط عند حدود محاولات الإغواء وإضاعة الوقت وإنشاء العلاقات العاطفية، وإنما يمتد ويتمدد في فراغ فكري وعقائدي يملأه بأفكار حول تقدم وتفوق الآخر غير المسلم وعظمته وحداثته وجدارته بالإتباع وبالتقليد. وفي هذه النقطة بالذات يتبع الكثيرون ممن يفترض فيهم الثقافة والعلم والخلق، لا لكي ينجرفوا في تيار الإباحية، بل لكي يعجبوا بهذا الآخر، ويبدءون تدريجيا في الانسلاخ عن هويتهم الوطنية والدينية، وهو انسلاخ نجد تعبيرا عنه بشكل مثير ولافت للنظر.

فهؤلاء الفتيات وقعن في هوى الأجنبي، وسقطن في هوة التبعية، ووصل الأمر بهن إلى زيجات لا يقرها العرف والتقاليد، ولا نقول الدين، ولا يجب أن نلقي باللوم كله هنا على الآخر أو على وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، بل يجب أن نسلط الضوء على أوضاع مجتمع بالغ التفكك والتفتيت والخواء، وضاعت فيه كل معالم التوجيه والترابط الأسرى والتنظيم الاجتماعي والتماسك بين المجموعات والأسر. وأصبح خط الدفاع الأخير لقيم هذا المجتمع هو الإنسان المنفرد الذي لا تدعمه أية روابط أو دفاعات أعلى من فرديته، وهذا خط دفاع بالغ الضعف ولا يمكن أن يصمد حتى عند أقوى الأفراد وأكثرهم تحصينا. فما بالنا نرى فتيات في سن الشباب، لو تسلحن بالدين والخلق أو بعض التقاليد الاجتماعية، لسن على درجة من الوعي أو من القوة تمكنهن من الوقوف في وجه التيار؟.

ونحن في هذا الصدد لا يجب أن نلقي أيضا بكافة اللوم على الفتيات بل نلوم الأسر التي تخلت عن واجب القيادة بالحزم والوعي والتفاهم، ونلوم مجتمعاً طرح الدين جانبا، كما طرح قيم الترابط الاجتماعي المعروفة ونبذها، تحت وطأة أنظمة سياسية خانقة تريد الاستفراد بالناس كأفراد، في حين تترك المجتمع وأبناءه، فريسة سهلة، لكل من يصل إليهن في عقر دارهن.

  

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply