الإسلام في إيطاليا برؤية إيطالية


 

بسم الله الرحمن الرحيم

يلقى عنوان كتاب فرانشيسكا باتشي ومضمونه، نظرة اهتمام على الإسلام في إيطاليا، خاصة وأن الجالية المسلمة تزداد أهمية كلما ازدادت عدداً، وانخراطاً في نسيج المجتمع الإيطالي، حيث ترى في ذلك لقاءً بين الإسلام والغرب، وترد على من يشكك في صعوبة اللقاء من حيث الدين والمبادئ المجردة كما يقولون إلا أنه ممكن في الحياة اليومية كما الحال في تورينو التي تعرفها فرانشيسكا جيداً "لقاء يبدد الاختلافات الظاهرية ويزيلها".

ولد العنوان "الإسلام قرب البيت" كما تقول باتشي من إمكانية تبديد الخلافات هذه، ففكرة الكتاب الأساسية، هي أن اللقاء بين الأديان والثقافات المختلفة، كما هو حال الثقافة الإسلامية والعالم الغربي، وإيطاليا خاصة، معقدة جداً على الصعيد النظري، ومن ناحية المبادئ والقيم المرجعية. على عكس ما يحدث في الحياة اليومية، وفي المباني السكنية، فصورة "الإسلام أمام البيت" هي صورة المهاجر المسلم، "صورة جارنا الذي يطبخ بجانبنا، وتتصاعد روائح أطعمته التي تشبه التوابل التي نشتريها من نفس السوق، وتقربنا منه أكثر فأكثر، جار لا يثير الخوف إذن، ولا حتى الارتياب الناجم عن مفهوم "صدام الحضارات" الوارد في كتاب صامويل هنتغتون، الذي أخذ شهرة عالمية بسبب الإثارة الحضارية التي تضمنها، فهذا الارتياب يتبدد ويخف كثيراً مع تتابع الحياة العادية يوماً بعد يوم".

يلقى عنوان كتاب فرانشيسكا باتشي ومضمونه، نظرة اهتمام على الإسلام في إيطاليا، خاصة وأن الجالية المسلمة تزداد أهمية كلما ازدادت عدداً، وانخراطاً في نسيج المجتمع الإيطالي

وتقول: إنها تأثرت بالكاتب الأمريكي جوزيف ناي في كتابه (صافت بــــاور) "السلطة الناعمة"، وقد رأى المحلل السياسي من خلاله كيفية نجاح أمريكا "الروك درول"، أمريكا المعارضة للتيارات الثقافية الإمبريالية، وقدرة رجال الإيقاع على كسب محبة العالم بفضل الصافت باور "السلطة الناعمة"، وكيف لم تجن سلطة الأسلحة، والحروب القاسية في المقابل، سوى البغض والارتياب والرد بالمثل، وقالت: "للإسلام قدرة على الإقناع والتأثير، هذا هو الانطباع الذي كونته خلال رحلتي عبر الإسلام في إيطاليا"..وتابعت "قدرة ناعمة تتغلغل بفضل ثقافة بنيت على أدب جم وتقاليد عريقة، يختلف عن وجه الإسلام العنيف الذي ترسمه التلفزيونات، و بعض مواقع الانترنت بشكل مخيف".

وقالت: "هذه الصورة الثقافية، وكذلك دعوات الاستئصال تثير الفزع في النفوس، بينما يتمتع الإسلام بسلطة ناعمة قادرة على الاستحواذ، تدخل إلى بيوتنا وتتغلغل في إيطاليا عبر قناعة الناس" وفي كتاب فرانشيسكا باتشي فصول كثيرة مثيرة للاهتمام، تعالج مظاهر الحياة المتعددة، وتعبر عنها بعناوين مبتكرة، مثل: "الأمم المتحدة في غرفة النوم"، وتقول عن ذلك: "اخترت هذا العنوانº لأن ارتفاع عدد المهاجرين المسلمين يرافقه الزواج المختلط الذي يتم بين المسلمين والإيطاليات، ويشهد نمواً ملموساً في إيطاليا، تبعاً لمعطيات هيئة الإحصاء، و ملفات منظمة كاريتاس".لكن الزواج المختلط كما تقول الكاتبة يواجه مشاكل عديدةº لأن الإسلام "يرفض مبادئ معينة بشكل صارم أكثر من الديانات الأخرى".

وقالت: "حاولت بناءً على ذلك رواية هذا الواقع كما في بقية الفصول الأخرى، من خلال قصص أشخاص حقيقيين، بعيداً عن تحديدات ونظريات نمطية مفروضة من فوق"، وذكرت بأنها أرادت أن تنطلق من قاعدة ومنهج اتبعته في كل فصول الكتاب، ومن بين الفصول تحريم زواج المسلمة من غير المسلم "لأسباب تتعلق بدين الأبناء وعدم اعتراف الزوج، ما لم يسلم بدين المسلمة"، في حين "يمكن للمسلم أن يتزوج من غير مسلمة، ولاسيما المرأة المسيحية واليهوديةº لأنه يؤمن بنبوة موسى وعيسى، ويعترف بالمسيحية واليهودية كدينين سماويين، وهذا هو جواب الإشكالات المطروحة في هذا الصدد".

ومن بين المواضيع التي يطرحها كتاب فرانشيسكا باتشي مسألة المقابر الخاصة للمسلمين في إيطاليا و"أين يدفن المسلمون موتاهم في إيطاليا" وقد طرحت الكاتبة كما تقول السؤال على نفسها مراراً "لقد ظهر الآن الجيل الثاني من المهاجرين الوافدين من البلاد العربية، من شمال أفريقيا، ومن الشرق الأوسط" فهم "يدرسون في المدارس مع أبناء الإيطاليين، ونراهم في الأسواق يسوقون منتوجاتهم كالنعناع الأخضر مثلاً، الذي أصبح من المواد المتوافرة في الأسواق في تورينو، ونراهم كمشترين يستهلكون، ويبتاعون منتوجاتهم، وطالما تساءلت أين يدفنون موتاهم".

بعد 11 سبتمبر 2001 م أصبح العرب متهمين، وغدا الإسلام وبشكل مفاجئ في نظر الكثيرين معادياً، وخصماً عنيداً، وعدواً للغرب، وبالتالي لإيطاليا

 وقد دفعها ذلك للقيام بجولة في المقابر، "صحيح أننا لا نطرح المسألة كمشكلة مرتبطة بالواقع، لكن الموت جزء من الحياة اليومية، ويعاني المسلمون من مشكلة محددة، فوفقاً لتعاليم القرآن يجب أن تبقى الأجساد في الأرض حتى يوم القيامة، ولا يمكن تحريكها بعد دفنها، أما القوانين الإيطالية فتنص على نقل الأموات بعد مرور عدد معين من السنوات" وقالت: "عمل المسلمون وإلى عهد قريب في إيطاليا على نقل جثامين موتاهم إلى بلدانهم الأصلية، وهي عملية باهضة الثمن تصل كلفتها إلى 2500 يورو "ولكن في عام 1990م، أصدرت الحكومة الإيطالية قانوناً يسمح للبلديات بتخصيص مدافن للموتى المسلمين" وقد ظهرت قطاعات مسلمة ضمن بعض مقابر مدننا، وإن كان ليس في كلها حتى الآن، وهذا ما نلاحظه في تورينو، وميلانو، وروما، وبولونيا، ومنذ أيام فقط تم منح المسلمين في مدن أخرى قطع أراض لدفن موتاهم "وهذه القبور كما تقول الكاتبة "تثير الفضول يعلوها هلال عوضاً عن الصليب، ومجردة من الصور إذ يحرم الإسلام عرض صورة الميت على قبره، كما تحمل كتابات بالعربية، وهي موجهة إلى مكة، لذا تبدو مغايرة للمقبرة العامة".

وتتحدث الكاتبة عن عيد الأموات في إيطاليا، مشيرة إلى أن ذلك "غريب على الدين الإسلامي، ورغم ذلك يزور المسلمون موتاهم في هذا اليوم فقط أصبح طقساً مألوفاً بالنسبة لهم، ويصادف المرء في المقبرة أناساً مختلفين، نساء محجبات يضعن على قبور الراحلين أشياء للتذكير بهم وإن كان بطرق مختلفة". وتقدر فرانشيسكا باتشي عدد المسلمين في إيطاليا بـ"1، 100، 000 مسلم، يضاف إليهم أكثر من 50 ألف إيطالي اعتنق الإسلام، وهذا معطى واقعي ازداد أهمية في السنوات الأخيرة، ونحن نتحدث عن الدين الثاني في إيطاليا في الوقت الحالي".

ولا تتحدث الكاتبة عن مدينة تورينو فقط، بل عن واقع الإسلام والعرب والمسلمين في إيطاليا عامة، رغم أنها تعد تورينو "حالة مميزة إذ تسلك الهجرة إليها خاصة من شمال أفريقيا نفس المسارات التي سلكها المهاجرون إليها من جنوب إيطاليا في الخمسينات والستينات، كما أن واقع الحياة في تورينو يسمح للمهاجرين بضرب جذورهم في المجتمع الإيطالي" وترى فرانشيسكا باتشي أن "العمل المتوافر في مصانع السيارات رغم كل الصعوبات المرتبطة به، أكسب الجالية المسلمة أهمية كبيرة هناك، ولها حضور في المدن الأخرى، وليس في شمال إيطاليا وحسب، حيث يتوافر العمل بشكل أكبر، وتسهل عملية الاندماج في المجتمع الإيطالي".

وقد خصصت الكاتبة فصلاً كاملاً من الكتاب للحديث عن ما أسمته "مدرسة الشرق والغرب" والوجود الإسلامي في الجنوب الإيطالي، ولاسيما في مدينة صقلية. "فهذه المدينة أقرب إلى تونس منها إلى إيطاليا جغرافياً، لا بل ثقافياً أيضاً"، وتشير إلى أن "هناك انقساماً في المجتمع، منذ زمن طويل، فالتونسيون يتعلمون اللغة الصقلية الدارجة قبل اللغة الإيطالية" بل إن ذلك ينطبق على الصقليين العاديين كما تؤكد "أنهم لا يعدون اللغة العربية معقدة وصعبة كما هي بالنسبة للإيطاليين الآخرين، فقد اعتادوا استخدامها".

ويلاحظ القارئ في الكتاب روحاً متفائلة، حيث تجيب على إمكانية انخراط المسلمين في إيطاليا على أرض الواقع رغم المنغصات التي تسببت فيها أحداث 11 سبتمبر "لقد تعقدت الأمور بعد 11 سبتمبر 2001م دون شك، وأصبح العرب متهمين، وغدا الإسلام وبشكل مفاجئ معادياً في نظر الكثيرين، وخصماً عنيداً، وعدواً للغرب، وبالتالي لإيطاليا"، مما زاد كما تقول من حدة التوتر بين المجتمع الإيطالي في كافة المدن والمهاجرين، ولاسيما العرب والمسلمين منهم "مما يجعل المسلمين مضطرين في كل الأحوال إلى التبرير والإعلان عن معارضتهم ورفضهم في المناسبات وغيرها للعنف" والتأكيد "على أن هناك إسلاماً معتدلاً، وأن القرآن لا يدعو لقتل الآخرين لمجرد الاختلاف في وجهات النظر أبداً".

ولا تخفى حقيقة أن "عملية الاندماج صعبة، والحوار بين الثقافات معقد بالطبع، ولاسيما عندما يكون لممثليها قيم مختلفة إلى هذه الدرجة" لكنها مع ذلك تصر على أن التغلب على كل العقبات ممكن، ويطمح الكتاب كما تؤكد فرانشيسكا باتشي أن "يصبح التعايش واقعاً قرب البيت وفي متناول اليد رغم الاختلافº لأن في التنوع إثراء للحياة البشرية، ولأن الكون مبني على التنوع بكل تناقضاته التي نراها في الطبيعة" وهو تعايش ترى الكاتبة أنه "يحملنا لاكتشاف نقاط التشابه وليس الاختلاف فقط، والمهم في النهاية هو الحياة اليومية والمدرسة والسوق والرياضة وغيرها وكل هذه الأشياء عناصر توحيد". وتشرح ذلك بوضوح أكبر "فإذا عاش المرء في مدينة وكسب رزقه منها واستهلك حاجياته فيها، تقاسم وسكانها الحياة، وإن لم يتفق معهم في قيمهم ونصوصهم المقدسة وشعاراتهم المجردة".

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply