ظواهر أمريكية جديدة .. في التعامل مع الإسلام


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

( 1 ) عندما عزم نائب الرئيس الأمريكي "ديك تشيني" على زيارة بلدان العرب قبل نحو من شهرين , أخضع نفسه لبرنامج مكثف لدراسة الوضع العربي , ولدراسة طريقة التعامل مع العرب , مع أنه لم يأت للمنطقة العربية من عالم بعيد , فقد كان وزير الدفاع في حكومة بوش الأب , ولما خرج من الوزارة تولى رئاسة شركة بترولية مهمة في دلس رفع ممتلكاتها من أربعة مليارات إلى أربعة عشر مليارًا قبل مجيئه لكرسي نائب الرئيس .

 فكان ممن استقدمهم في هذا البرنامج المستشرق اليهودي "برنارد لويس" للقاء مفصل يسترشده فيه عن العرب وعن ثقافتهم وسلوكهم , والأساليب الأجدى معهم , وقد خلص إلى أن عليه أن يعيد بناء العلاقة الشخصية مع زعماء المنطقة (1) .. وهذه من الاستنتاجات والنصائح المكرورة التي تقدم للزعماء الغربيين كلما تعاملوا مع العالم الإسلامي أن يعطوا الأمر طابع "العلاقة الشخصية" !! وهي نصيحة ليست جديدة فقد تلقاها الكثير من الزعماء الغربيين من قبل وكتبوا عنها , فالصداقة والعلاقة الحميمة مفتاح الشخصية العربية !! .

فكانت من محصلة الزيارة والفكرة التي اهتم بها "تشيني" أن المواقف الشخصية الفردية , وإشعار الأشخاص الذين يقابلهم بهذه الجوانب جدير بأن يحقق الخطوات الاستراتيجية لمصلحة بلاده في العالم العربي º فكثير من الأعمال التي شارك فيها أو نفذها فيما بعد أعطاها طابع الصداقة واللقاءات الفردية الخاصة الطويلة , قالوا عنه بأنه أقوى المفكرين اليمينيين الأمريكيين ووصفوه بالعملي العميق المستمع الصموت .

كما أن الموقف اقتضى زراعة الأصدقاء في المجتمع العربي والمسلم والترويج والمدح لهم على الإعلام الغربي , فقد ألقى مرة "مارتن انديك" أول سفير يهودي أمريكي إلى إسرائيل , خطبة على غير المعتاد على "سي إن إن" روج فيها لأحد الحكام العرب , وامتدحه قبل أحد المواقف المهمة المطلوب اتخاذها في شرم الشيخ !! .

 

( 2 )ولقد تجلت في هذه الأحداث لغة دينية عميقة من قبل الإدارة الأمريكية , فالرئيس يخطب بمصطلحات دينية بسيطة تسيطر على خطبه , مستحضرًا دائمًا كلمات الإنجيل في الصراع بين الخير والشر , ملمحًا إلى أن الغرب يمثل الخير والآخرون يمثلون الشر , ويلمح بالربط بين حرب صدام وحرب طالبان , ويقول "لقد حاولوا من قبل وفشلوا , وهزمناهم , وسوف نهزمهم اليوم" , كما في خطبته بأطلنطا .. ويذكر بالحروب الصليبية  , حيث لا تمر عبثًا هذه الكلمات º فلها جمهورها الذي يحب الكلمات المثيرة أو ذات العراقة في المخيلة .

أما وزير العدل فقد أثار الناس كما لم يثرهم غيره من قبله º فـ "أشكرافت" ابن لقسيسٍ, , وعميق الشعور بهذه المعاني , وقاموس مصطلحاته ديني بحت , حتى أن أحد الصحفيين لاحظ أنه الوحيد من الزعماء الذين وصفوا سقوطهم السابق في الانتخابات بـ "الصلب" صلب المسيح , ووصف حادثة الترقية والصعود بعد الخسارة بأنها كانت كـ "إنقاذ ورفع المسيح وعروجه للسماء" (2) .. ثم خطب في مكان آخر يدين المسلمين ودينهم وفق قراءته للإنجيل , وبأن إله المسيحية يضحي بابنه "جل الله وتعالى عن ذلك" من أجل الحياة , وإله المسلمين يأمرهم دينهم بأن يرسلوا أولادهم للموت .

ولوحظ منذ فترة أن اعتمدت دوائر ثقافية أمريكية مؤثرة فكرة إشاعة التشكيك في القرآن , وبعد حادثة التفجير في نيويورك تباكت المجلة نفسها أن العالم النصراني والإعلام الغربي , والعربي لم يول مسألة التشكيك في صحة القرآن ما يجب أن يوليها , فالتشكيك في القرآن فيما يرون ينهي التعصب واعتقاد الصحة والعصمة , ويسمح ببدائل له !! وكتبت مجلة "أتلتنك منثلي" عن هذه القصة بأسف كبير , وشكت من تقصير المثقفين في القيام بما يجب .. وعلى رغم أن المجلة علمانية يهودية ولكنها تشترك مع مشروع تبشيري آخر يرى أحد دعاته أنه يجب أن يصطلي المسلمون جحيم الشك والقلق . (3) 

وقد أقامت معظم القنوات التلفازية والمجلات والجرائد محاكمات للقرآن , وكانت تستضيف أحيانًا مسلمين يخففون من غلواء الهجوم , ولكن فكرة المقابلة أصلاً هجوم على القرآن نفسه .. ومارست الكنائس هجومًا متكررًا على شخص الرسول (صلى الله عليه وسلم) في عدد من جوانب هديه , ومارس بعضهم كذبًا غريبًا على الإسلام والعرب بطريقة فاضحة , من أمثال القسيس "فالول" , وقد لاحظ البيض وجود تعاطف المسلمين السود وإقبالهم على الإسلام º فأعطت إحدى المحطات برامج ثابتة لقسيس ومرشح سابق للرئاسة أسود "آلن كيز" ولا تكاد تخلو ليلة من لياليه من التعريض بالإسلام والعرب والسعودية , وإلصاق الإرهاب بالإسلام .

وقد فتحت عدد من المجلات والجرائد نقاشات صريحة وجادة , تتحدث عن أهمية الفصل بين المسلمين وبعض مفاهيم الإسلام , سواء كانت هذه المفاهيم من الإسلام أم ليست منه , وأهمية تصنيف المسلمين بناء على القبول بهذه التصنيفات , فالذين يرون أن الأرض يمكن أن تحكم بقوانين السماء "الشريعة" والذين يرون عصمة النصوص , وعصمة النبي , ويرون تحرير بلادهم من أي معتد , ومن يرون أن الجهاد له علاقة بالإسلام يجب أن يلحقوا بطبعة متشددة منفرة من الإسلام , يمكن لهذه الطبعة أن تسميها بعض المجلات والوسائل الإعلامية "وهابية , أو جهادية , أو بن لادنية" بحيث تشوه هذه الأنواع من الإسلام , ويبقى المسلم الصالح "في نظر الغرب" هو الذي يرى عدم الخلاف مع الغرب مطلقًا , ولا الخلاف مع مصالحه , فالمصالح الغربية يجب أن لا تختلف مع الإسلام أبدًا ولا مع إسرائيل في ذهن المسلم المطلوب للمرحلة القادمة , ويكتب صحفيون في جريدة ومجلة "نيويورك تايمز" مقالات يصرحون فيها بامتداح شخصيات عربية مجهولة , ولا حضور إعلامي لها في بلادها ولا خارجها , ويقدمونهم على أنهم من صاغة ـ أو سيكونون صاغة ـ الفكر العربي والإسلامي في المستقبل القريب , مع الترويج لإحياء الصوفية , والإسلام المتغرب في رأيهم .

 

( 3 )في عمود يقوم على الإثارة والكذب يحرص صحفي صهيوني من "نيويورك تايمز" على زرع الحقد والخلاف بين المسلمين , بعدما علم أن مجلات وجرائد عربية تترجم هراءه وسمه للمسلمين العرب , وقيل أنه هنأه وزير إعلام عربي على المقالات التي يكتبها هذا اليهودي ضد الإسلاميين , وزعم أن الوزير العربي وزع مقالاته بنفسه على رؤساء تحرير الجرائد في بلده وقال هكذا فاكتبوا ضد الإسلاميين !! وكتب مقالات صريحة يدعوا فيها إلى تجنب الحرب على الإسلام واعتماد استراتيجية "الحرب من داخل الإسلام" .. والحرب على مفاهيمه , ويرى أن هذه السياسة هي خير طريقة للتصحيح أو إثارة الشغب والقلق داخل المجتمع المسلم .

وتتكرر  هذه الأيام كلمات ساخرة , تربط كلمات مثل : "قرآن وباكستان وأفغانستان وجهاد وعرب وإسلام وشرق أوسط وفلسطين وطالبان" في خلطة من مجموعة من الكلمات المكروهة والمستبعدة , وأصبحت تكرر بطريقة تثير القرف لدى السامع , وتُعرض غالبًا مرتبطة بصورة لنساء أفغانيات يضربهن رجل في الشارع , أو بصورة زانية يقام عليها الحد في ملعب في كابل , أو قصة الحكم بإعدام زانية أخرى في نيجيريا , أو بالمباني المهدومة في نيويورك , أو دماء يهودية في الشارع , ومطعم يهودي أو سيارة مفجرة .. ولا يتردد كبير المذيعين في "سي إن إن ""لاري كينج" إن يقول أن حربنا هذه مع سكان الكهوف .. وغالبًا تقدم في سياق يتجاوز أفغانستان ليشمل العرب والمسلمين في العالم أجمع .

وفي الصحافة الأمريكية الآن ثمة همهمات تردد أنه بعد القضاء على الأحزاب والجماعات المسلحة ,  سيكون التوجه لهزيمة الأفكار التي لا يرضى عنها الغرب وقتلها في مهدها , وإقصاء المفكرين الذين يروجون لنقد الغرب º وأن التوجه القادم سيركز على المفكرين المسلمين تقييمًا وتوجيهًا , وستكون هذه "المكارثية العالمية الجديدة" حربًا شعواء في العالم الإسلامي , وقد بدأت بعض خطواتها في أمريكا على الأمريكان أنفسهم , الذين يتحدثون عن العالم الإسلامي بإنصاف , فقد صدرت سلسة مقالات بعنوان "المكارثية الجديدة بعد 11 سبتمبر" وهي أبحاث جديرة بالدراسة والنشر في العالم , ساقت قصص الأمريكان الذين تعرضوا لأذى من مؤسسات حكومية , وطلاب طردوا من جامعات , ومدرسين متدربين أبعدوا من الكليات º منهم طالب ماجستير من ولاية "مين" كان يُدرس في ثانوية جزءًا من برنامج التخرج , بدأ الدرس بسؤال ما هو الإسلام عندكم ؟ º فأجاب الطلاب بما سمعوا في المدرسة والإعلام والكنيسة : "الإسلام , قتل , فقر , جهل , قذارة , تعصب , ضرب للنساء" وكان المدرس فيما يبدو ملحدًا , فتحدث بعد ذلك باعتدال عن الإسلام , ولهذا طرد من المدرسة التي يُطَبِّق فيها , ثم اضطر أن يبتعد عن التدريس , مع أنه ليس مسلمًا .. ولأن الجو المشحون ضد المسلمين لا يحتمل القبول ولا التعقل , وإن كان هذا ما لقيه الملحدون الأمريكان ! فقد وجد المسلمون أنفسهم غير مرغوب فيهم , لا فكرًا ولا كلامًا ولا وجودًا .. وتصدر للحديث عن المسلمين الحاقدون عليهم حتى من المشهورين المعروفين بالكذب من أمثال نتنياهو .. وروع هؤلاء الشعب الأمريكي ورجال الكونجرس , من المسلمين وزعم نتنياهو أن المسلمين سوف يفجرون أنفسهم في الشوارع والمطاعم والمؤسسات الأمريكية º فرد عليه أحد العقلاء وقال "ولكن يا نتنياهو إننا لا نصنع مثلكم ؟إننا لا نحتل أرضهم ولا نهدم بيوتهم!" فانزعج من أن يعترض عليه أحد ولو بحق , وهو المهيج الذي يرى أنه وضع الشعب الأمريكي في جيبه , من خلال جرأته الكبيرة على التدليس .

 

( 4 )هناك مشاريع مشتركة دولية يعلن عن قطع منها في أوقات ومناسبات متعددة , أهمها الموقف من الهجرة العربية والإسلامية "الهجرة غير المرغوبة" وهي هجرة الفقراء والباحثين عن العمل وسبل الرزق , وهذه غير هجرة العقول التي تقوم عليها كثير من المؤسسسات الغربية وخاصة في أمريكا .. فهناك إلحاح بأن يكون البديل من غير المسلمين , من الهند وأمريكا الجنوبية وشرق آسيا , لأن المسلمين يمثلون مشكلة حضارية دينية للغرب , ولهذا فإن الحكومات تميزهم تمييزًا عنصريًا بحجة التوازن , وبحجة أن المسلمين لا يندمجون في الثقافة المسيحية , مما يجعل "توني بلير" يدعو صراحة إلى وحدة التعليم الديني المسيحي في بلده , أي اعتماد الدولة العلمانية التدريس الديني المسيحي فقط .. فأي علمانية هذه! كما اقتضى الموقف الضغط على أوروبا بأن تستصدر قوانينًا خاصة "غالبًا موجهة ضد العرب والمسلمين , وبعضها نفذ من قبل أحداث نيويورك" وأن تكون لأوروبا سياسة شديدة ضد الهجرة من البلاد الإسلامية , وضد المسلمين , وضد نقل الأموال , ونقل التكنولوجيا , ومراقبة الطلاب المسلمين , واستصدرت الحكومة الأمريكية قرارًا رسميًا من الكونجرس بالمتابعة والتنصت على الطلاب الأجانب .. ومنعهم من بعض التخصصات , وحرمانهم من المميزات التي ينالها بقية الطلاب في الجامعات ـ بعض الجامعات لم تقبل بالتنفيذ السريع ـ والتحقيق مع الطلاب العرب , وتوظيف المخبرين في المساجد º وهيج النصارى في العالم وأولياؤهم في حملة إرهاب وتخويف من المسلمين القادمين , وعادت ألقاب وشعارات البرابرة قادمون , والمسلمون قادمون , والحديث عن الثورة السكانية الإسلامية , واقتحام وحصار أوروبا دينيًا وسكانيًا .. وأن هولندا سيكون فيها بعد عشر سنوات مساجد أكثر من الكنائس . (4)

 

( 5 )"جيمس روبين" ديموقراطي , زوج المذيعة الإيرانية "كريستانا أمبور" المهتمة بالعالم الإسلامي في "السي إن إن" والذي كان متحدثًا باسم الخارجية الأمريكية , ونائبًا فترة لوزيرة الخارجية "ألب رايت" في حكومة كلينتون , كتب مقالاً غريبًا في جريدة الجارديان البريطانية , ونقلته مجلة "سليت" نصح فيه العالم الغربي أن يحافظ على المسلمين أذلاء وفقراء , لأنهم كلما تحرروا أو اغتنوا تمردوا .. وفلسفة إفقار العالم الإسلامي كانت الشغل الشاغل لعدد من اليهود , ففي تقديمه أمام الكونجرس أصر نتنياهو على أن القضاء على الإسلاميين يستلزم القضاء على الثروة في بلاد الخليج العربي , وإفقار السكان فيها , فمن أصابه البعوض لا يقتلها واحدة واحدة ولكن يجفف المستنقع ـ كما يرى ـ أي تجفف الدول العربية من الثروة .. وشدد الباقون من بقية الجوقة على ضرورة إفقار المسلمين وتجويعهم º فالجائع لا يحارب , وكتب "دانيال بايبس" في عدد من المجلات منها "ناشيونال انترست" , يرد على فكرة "عامل الفقر" وأنها سبب الاعتراض والإرهاب في فلسطين وغيرها , وقال إن تجويع المسلمين قضاء على الإرهاب , حتى أصبحت بعض المجلات تنقل من نصوص كلامه , لتكون ضد من يقول أن الفقر سبب للإرهاب , فهو يرى أن المال والثروة سبب صعوده , وتجويع المسلمين إنهاء للإرهاب .

وبالتالي فمن الأهمية أن تساهم الدول العربية بجزء كبير من ثروتها لمحاربة الإرهاب , والجزء الباقي تساعد به في تأمين بدائل لبترول العرب , الذي جعلوا منه سببًا للإرهاب , وذلك بالمشاركة في تأمين الطريق لبترول آسيا الوسطى . 

 

( 6 ) إن ما يحدث إلى الآن إنما هي أعمال إجرائية مؤقتة , تبحث عن فلسفة جامعة , ومحاولات كثيرة , يحركها الخوف والغضب والسخط , وغاب عنها الكثير من الحصافة ومن التعقل والهدوء , ورغم عمى التعصب والهياج , فسوف يجد الناس منطلقات للخير أنفع مما حصروا العالم فيه .. ومهما أدبر عن الإنصاف والتعقل قوم فلن يعدم الناس من عقلاء , وحريصين على مصالحهم عاجلها وآجلها .

 وكثير مما سبق لا ينبني على مفرداته موقف , ولكنه يضيء جوانب من الواقعة , ونحن بحاجة لمعرفة ما يدور أحببنا ذلك أم كرهناه , لا لنزرع اليأس والعداء , ولكن للمعرفة , وللبحث في سبل خلاص الإنسان من جحيم الرعب الذي يهدده في كل مكان .. وبعث الخير والرحمة بالعباد , فدين الله رحمة للعالمين , ولن يطيق الناس ممن ذكرنا استفزاز بعضهم للمسلمين º لن يطيقوا بقاء لغة الخوف والإرهاب والرعب , لغة للتعامل بين البشر في زمن تزيد حاجة كل إنسان للآخر , وتتماسك المصالح وتلح, فأمريكا في أوج عدائها للسودان لم تتخل عن استيراد الصمغ السوداني , والتخاصم مع العراق لم يمنع شراء أمريكا لبتروله , وفي أزمة الرهائن الإيرانيين كان هناك مفاوضات "إيران كونترا" .. فالأفكار القطعية النهائية في العلاقات الدولية ليست كما يتوهم من يصوغ الموقف بأحادية فكرية شديدة , فأمريكا والغرب عامة لن يستطيعوا الخلاص من العالم الإسلامي وجواره له , ومصالحه معه , والمسلمون يحتاجون للغرب من أبسط احتياجاتهم اليومية إلى أكثرها أهمية .. والغرب ليس واحدًا دائمًا في مواقفه ومصالحه وأوقات التحالف عارضة ! وأوقات الخلاف أكثر !

  ومن نعم الله على الإنسان أن يرزقه عقلاً راسخا , وخاطرًا لا يطيش به حدث , ولا يستخفه موقف , ولا يغيب عن تقدير الواقع , فيذهب بعيدًا في لحظات سخط وانتقام , أو موقف بؤس ويأس , فلم يزل الخير في الأرض كثيرًا , ولم تتمحض الدنيا للشر , ولا للخير , فهما في صراع دائم والله لا يضيع جهد المجتهدين , ونحن في حاجة لإعطاء هذه الأمور قدرها , فها هي أمم جبارة قادرة تطلب من قومها تدبر موقفها النهائي , وتبعث الدارسين للحال , وتتفاهم حتى مع المسلمين طلبًا في مخرج , فليست البساطة والعجلة والنظر القصير والنقمة والاستسلام لفكرة سابقة بقادرة على صناعة مخرج للأمة ..  وبعض المتعجلين يزعم استكمال المعرفة بيده , وتحديد طريقة العمل ومستقبل الأمم وحسم المواقف من خاطرة عابرة !! .

ومكاسب الإسلام الكبرى من إقبال الناس عليه ـ لم يسبق لها مثيل ـ بأن تسلم هذه الأعداد أو تحرص على المعرفة , وإن كان منهم دافعه غير معروف , ولكن هناك عدد كبير يبحث الآن بجد وصدق عن الإسلام و أن يكون حلاً لمعاناته .. وزيادة عدد المسلمين والثورة السكانية في بلاد المسلمين حقيقة كبرى من حقائق العصر القادم , والحيوية في البحث عن فكر يبشر بخير كثير , والتساؤل الإسلامي عن المستقبل يكبر , والحوادث تجمع ,, والكراهية للمسلمين قد تصنع بينهم محبة وولاء أيضًا .

وضعف الدول الإسلامية أمر محزن , ولكنه ليس شرًا خالصًا , فقد أعطى تنوعًا , وتحولاً وتحديًا , ورحم الله المسلمين في عصر ذلتهم ألا تكون لهم حكومة واحدة قاهرة , تسيمهم سوء العذاب , فمن رأى التطرف العلماني في تركيا , ورأى تشدد آخرين أيقن أن الله راع ومظهر للحق بين الغالي والجافي .. وتنوع آراء المسلمين ومدارسهم في هذا مهاد صالح للتفكير الصادق والعمل الجاد لنقد الأعمال القائمة والخروج بفكرة وعمل أصلح .. وهناك محاولات جادة في كل زاوية للمراجعة الفكرية عند الأفراد , والجماعات والشعوب , والحكومات .. ومن أسباب ذلك جفاف النبع الفكري الغربي , الذي تعود أن يصدر فكرًا وأن ننجب له أتباعًا .. ولكنه اليوم يقف معترفًا أنه لا يملك شيئًا يقوله , ويدعو للعودة للمسيحية , أو الوثنيات القديمة , فهو مجتمع يهرب من قيمه التي حكم بها العالم , ويجبر الشعوب اليوم على عقيدة º ثم يعلن الحرب عليها من يومه أو غده , كما يحدث للعولمة , فإن المبشرين بها يغتالونها  بالضرائب º كضرائب "الحديد" التي فرضت أخيًرا , ووضع الصعوبات في تنقل الأشخاص والبضائع  مما لا يعطي ثقة ولا طمأنينة بفكرة حالية أو قادمة .

وإننا بأمس الحاجة لأن نقوم فنتدبر أمرنا , ونعطي لما يحدث مزيدًا من الفهم والوعي , فما كل خصومة تحمل شرًا دائمًا , ولا كل المواقف نقدم لها بالخسارة على الجميع , بل قد يكون في التعاون بين المجتمعات بداية سلم وخير وهدوء ونصر للحق .. ومهما أرعبنا العالم فإن إصرارنا على تقديم الخير لمن يخالفنا , وفي زمن قد يكون خير جواب لموقف الأذى مد يد الهداية والإنقاذ , والذين كانوا يصرون على الصلف كان الأنبياء يصرون على فتح أبواب الأمل والهداية لهم , لأن هذا ما كان الأنبياء يملكونه في تلك اللحظات .. ومن المهم الحرص على إنقاذ أنفسنا من كل ما يسيئ لديننا ولحياتنا الإسلامية , وهذا كفيل بأن يعيننا في صياغة آرائنا في أنفسنا , وفي العالم من حولنا .. وآلامنا الكبرى من واجبنا أن نصنع بها أعمالاً أكبر , وخيرًا للعالم كله , حتى من يفكر بالانتقام والقتل للمسلمين علينا أن نمد له يد الهداية الواثقة , لأن الجهل والتجبر لا يعود بخير على أحد .

 

 

الهوامش

1 ـ كينيث ويلش "تشيني خارج المخبأ" مجلة "يو إس نيوز آند وورلد ريبورت" عدد 25 مارس 2002 م ص 18 : 20 .

2 ـ إذاعة "ناشيونال ببلك رايدو" يوم الخميس 11/4/2002 م .

3 ـ مجلة "موثر جونز" عدد شهر جون 2002 م , من مقال عن الإرساليات في العالم الإسلامي بعنوان "الاستراق الصليبي" .

4 ـ صدر قبل أحداث نيويورك كتاب إنذار للغرب سماه مؤلفه بيوكانن "موت الغرب" وحاز على اهتمام كبير وأصبح من الكتب الأكثر مبيعًا في أمريكا , وحذر الكاتب من مشكلة الانهيار في معدل الولادة لدى البيض , وانهيار الوضع الديني , فالكنائس في أوروبا كما يقول تغلق أو تحول إلى مساجد .. والجنس الأبيض يندثر .

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply