دارفور .. تمرد حفظة القرآن


 

بسم الله الرحمن الرحيم

غلاف الكتاب للإعلامي الحسيني

عدد من الأطفال الصغار يفترشون الأرض ويرددون خلف معلمهم قصار السور بينما يتعلمون الكتابة بالحفر على التراب بأصابعهم, فيما تشتعل حولهم نيران الصراع المسلح بين المتمردين والحكومة السودانية المركزية.

هذا أحد المشاهد التي نقلها الصحفي والكاتب "حمدي الحسيني" في كتابه "دارفور أرض القرآن والسحرة" والذي قدم من خلاله إقليم "دارفور" الذي يشكل مزيجًا مذهلاً للطبيعة الساحرة مع الإنسان الذي احتفظ ببدائيته إلى اليوم، ولم يكن يخطر على بال أحد أن ينتج ذلك الإقليم المتأخر عن عجلة الزمن بقرون أكثر من 17 مليون قصة خبرية تتداولها وسائل الإعلام الغربية حول الصراع الدائر هناك والظروف المعيشية لسكان الإقليم في ظل كارثة إنسانية تحمل أبعادا سياسية.

بدافع الفضول

بدافع الفضول توجه الصحفي "حمدي الحسيني" -قام بزيارة دارفور عام 2004- لرؤية ما تحدث عنه الشاعر "محمد الفيتوري" عن رحلاته إلى مدينته "الجنينة" التي تعد من أكبر مدن الإقليم، فقد خلط "الفيتوري" الشعر بالنثر، وهو يحكي عن تفاصيل سفره محشورًا داخل الشاحنات بين "دارفور" و"كردفان" ثم "الخرطوم".

تتداخل في فصول الكتاب أحداث التمرد والتاريخ والإنسان والمجتمع ليقدم لنا في النهاية صورة واضحة التفاصيل لدارفور، هي حتما أعمق بكثير من الصور التي تتناقلها وكالات الأنباء العالمية لشباب متحمس يحمل السلاح، ونساء فقيرات يتلقفن المعونات الخارجية في معسكرات اللاجئين على حدود الإقليم.

تأتي مقدمة الكتاب على عرض تاريخي لمراحل الحكم في السودان منذ استقلالها عن الحكم المصري الإنجليزي عام 1956 وما تلا ذلك من تعاقب أنظمة ديمقراطية وأخرى عسكرية ليشكل ذلك وضعا مثاليا لتطور الصراع على السلطة وظهور المتمردين في أطراف السودان النائية عن السلطة المركزية والبعيدة عن برامج التنمية المختلفة.

7 ليالي

تختلف طقوس الزواج من قبيلة لأخرى في دارفور، فمثلا يحرص أفراد قبيلة "الفلاتا" على إقامة احتفالات تستمر سبعة ليالٍ, عند الزواج الذي يبدأ بعملية التعارف بين الشاب والفتاة إما عن طريق الأقارب أو في الحفلات الجماعية التي تتم في المناسبات الدينية.

وضمن طقوس الزواج يقوم العريس بتكليف أحد أصدقائه، ويسمى "وزير" وتفوض العروس إحدى صديقاتها وتدعى "الوزيرة"، ويلتقي الاثنان في أكثر من جلسة للتحدث عن العواطف والحب وكل شيء حتى ترتيبات الزواج.

في هذه الفترة لا يلتقي العريس بعروسه غالبا لكونهما صغيرين في السن ثم تأتي ليلة الخطبة حيث يتقدم العريس نحو بيت العروسة راكبا حصانا أبيضا مزركشا، ويصحبه أقاربه وأصدقاؤه ويقدم لها مبلغا من المال ونسخة من كتاب الله ولا يسمح له بالدخول أو رؤية العروس.

بعد ليال يكون الزفاف، يدخل العريس على عروسه لأول مرة في حضرة قارئ للقرآن من أهل القبيلة لقراءة سورة يس، ثم يضع العريس يده على رأس العروسة ويردد آيات قرآنية لتبدأ بعد ذلك الاحتفالات بالرقص والغناء تقدم خلالها العروسة رقصة شهيرة تدعى "قطع الرهط" وقد يمتد الاحتفال إلى سبعة ليال متواصلة.

الأكثر ثراءً وتمردا

يعد إقليم دارفور -حسب الكتاب- أكثر أقاليم السودان ثراء سواء أكان من الناحية الطبيعية أو من حيث الأفراد، فهو أكبر إقليم منتج للصمغ العربي، ولديه مخزون واعد من البترول، كما يستحوذ على 25% من ثروة السودان الحيوانية، كما يعد موطن زراعة الدخان "التمباك" والفول السوداني ونباتات وزراعات نادرة أخرى.

وهذا جعل موارده الذاتية تزيد على احتياجات السكان عدة مرات.. ومع هذا فسكانه يعيشون بين مطرقة الفقر وسندان الحرب الأهلية في ظروف معيشية مأساوية، فقد كتب له أن يكون مقر حركات التمرد المناوئة للحكومة والتي تتمثل في ثلاث تنظيمات مختلفة المرجعيات يجمعها عداؤها للسلطة المركزية في الخرطوم.

الأولى "جبهة تحرير السودان" وتنقسم إلى جناحين أحدهما سياسي والآخر عسكري وتنادي بحكم ذاتي موسع، وترى أن الاضطهاد والتطهير العرقي من قبل الحكومة لم يدع لسكان الإقليم سوى اللجوء للمقاومة.

أما التنظيم الثاني وهو الأكثر نشاطا فهو "حركة العدل والمساواة" والتي تدعو إلى فصل الدين عن الدولة وبناء سودان ديمقراطي، وكان مؤسسه وزعيمه قد أعد كتابا يضم حصرا دقيقا لكافة المناصب القيادية في السودان منذ الاستقلالº لكي يثبت مقولة هيمنة أبناء الوسط والشمال في الاستئثار بالسلطة على عموم السودان، وضع له عنوان "اختلال ميزان الثروة والسلطة في السودان"، لكن العامة أطلقت عليه "الكتاب الأسود" والذي على أساسه قامت حركة التمرد في الغرب.

التنظيم الثالث هو "حزب التحالف الفيدرالي" الذي يملك زعيمه "إبراهيم دريج" علاقات قوية مع شخصيات أوروبية تعاونه في معركته لأجل الحكم الذاتي لدارفور.

أرض القرآن والسحر

ومع كل ما سبق لم تمنعهم ظروفهم من تمسكهم بما اشتهروا به من التزامهم بحفظ القرآن وتعلمهº حتى تحول إلى مطلب أساسي للمواطنين، فقد كانت دارفور بوابة الإسلام الحقيقية في إفريقيا ومعبرا للحجاج المتجهين إلى بيت الله الحرام، فظهرت "الخلاوي" التي تعد رمزا لتمسكهم بكتاب الله ودليلا على صلاحهم، وهي عبارة عن أكواخ بسيطة يجتمع فيها الأطفال الصغار لحفظ القرآن وتجويده وتعلم أصوله وتقام بالجهود الذاتية ويتولى أحد أثرياء المدينة الإنفاق عليها.

يطلق على الطلاب الذين يدرسون في الخلاوي اسم "الحيران" جمع "حوار" (ولد الناقة) ويساعد الطلاب شيخهم في مزرعته التي هي وقف للخلوة، وربما تمتد المساعدة لباقي أهالي القرية ويتبرع الأهالي للخلاوي بالقمح والحليب والذرة.

وبرغم التدين الشديد الذي يمتاز به سكان الإقليم المسلمون فإنهم مولعون بالأحجبة بمختلف أنواعها وأشكالها، ولديهم إيمان قوي بفاعليتها يرقى لمستوى تحقق ما يؤمنون به، حتى المتمردون يرتدون أحجبة مضادة للرصاص، وطبقا لما رواه أحد المتمردين للكاتب فإن حجابا أنقذه من الموت عندما حال دون اختراق الرصاص لرجله!

التمرد حل للبطالة

لقد أصبح التمرد جزءا من الحياة اليومية لسكان دارفور، يتسامرون حوله في سهرهم ليلا، ويتبادلون قصصًا عن المبالغ التي يتقاضاها كل من ينضم إلى صفوف المتمردين، حتى إن العديد من الشباب انضموا إلى المعسكرات الموجودة بقرية "المهاجرية" ليس بدافع سياسي ولكن بحثا عن فرصة للكسب وهربا من البطالة القاتلة وخطر الفقر الذي يهدد الجميع، وهم في الغالب يعودون إلى الحياة المدنية سريعا بعد أن يكتشفوا زيف تلك الحكايات.

ويسلط "الحسيني" الضوء -من خلال استعراضه للمجتمع وأهم ظواهره- على قضية الاختطاف المتبادل بين القبائل العربية والقبائل الوثنية وما ينتج عنه من استمرار للعبودية والرق، وتعد قصة السودانية "ميندي نازر" التي هزت المجتمع البريطاني قبل عامينº حيث تعرضت للاختطاف في التسعينيات من القرن الماضي وجرى بيعها كخادمة لأسرة سودانية ثرية تقيم في لندن، ثم تمكنت من الهرب بطريقة مثيرة، وألفت كتابا بعنوان "عبدة" لحساب دار النشر البريطانية "virago press" أثار تعاطفا كبيرا في الأوساط الغربية، ودفع العديد من منظمات حقوق الإنسان لتكثيف أنشطتها لوقف هذه الظاهرة غير الإنسانية.

تنصير.. تكيف.. وتكيف

في أعقاب اندلاع أعمال التمرد في دارفور وبداية تفاقم المعاناة الإنسانية تدافعت المنظمات الغربية بكثافة تحت شعار الإغاثة والعمل الإنساني ليمارس بعضها دورا غامضا في محاولة لتبديل الواقع الديني والديموغرافي المتمثل في سيادة واستقرار العقيدة الإسلامية في نفوس مواطني دارفور.

إلا أن السلطات وكما أشار الكتاب قامت بطرد العديد من الموظفين الغربيين الذين حامت حولهم شبهات التورط، خاصة أن العاملين المحليين مع هذه المنظمات لديهم حساسية ضد أي محاولة للانحراف بالعمل الإنساني إلى تنصيري، فهم يحفظون تاريخ (الكومبوني) كواحدة من أشهر وأقدم مراكز التنصير العلنية والتي تشرف حاليا على أكثر من 150 مدرسة تخضع إلى إشراف مباشر من الكنيسة الكاثوليكية في روما وما قامت به من دور في تحويل العديد من القبائل إلى النصرانية.

مع الأوضاع الاقتصادية المأساوية التي تفتقد لأبسط مقومات الحياة الأساسية ومع المناخ شديد الحرارة تحول ثلث سكان الإقليم والمقدر عددهم بـ6، 6 مليون نسمة إلى لاجئين يعيشون على المعونات الخارجية، في حين آثر الثلثان التكيف مع هذه الأوضاع عن طريق ابتكار نماذج اقتصادية بدائية، مثل تحويل الأشجار إلى خزانات لمياه الشرب النقية، حيث يقومون بتفريغ قلب الشجرة وعمل تجويف كبير وسطها لحفظ احتياطي معقول من مياه الشرب لفترة معقولة.

كما ابتكروا مشروبات شعبية معتمدين على ما توفره الطبيعة من ظروف مناخيةº فهم يستغلون الأمطار في زراعة البطيخ ودفنه في الرمال، وبمرور الوقت يتحول إلى عصير سكري.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply