بيان الرابطة الشرعية حول الموقف من تدخل قوات الأمم المتحدة في دارفور


 

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها المسلمون داخل السودان وخارجه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

نحمد الله - تعالى- إليكم أبداً سرمداً، ونعبده سبحانه لا نشرك به أحداً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي كبت الله به الأعداء، فزلزل بدعائه قلاع المارقين، ونسف بجهاده جيوش الكافرين على كر الدهور، ومر السنين.

أما بعد:

فإنَّ ما أقدمت عليه قوى الكفر والعدوان من طلب التدخل في دارفور تحت غطاء هيئة الأمم المتحدة لأمر متوقع لكل ذي نظر ولبº فأمريكا والصهاينة واليهود ما زالوا يسعون سعياً حثيثاً لتحقيق استراتيجيتهم لهدم الإسلام، وإضعاف المسلمين تحت اسم: "مشروع الشرق الأوسط الكبير"º وهو مشروع خبيث يستند إلى ركيزتين خطيرتين:

أولاهما: تفتيت الكيانات الكبرى في المنطقة إلى دويلات صغيرة تسهل السيطرة عليها عن طريق استغلال الصراعات العرقية والطائفية كما هو الواقع في العراق.

وثانيهما: السيطرة بإحكام على منابع النفط والثروة، مما يكفل لهم البقاء في العالم أقوياء.

أيها المسلمون: إنّ العالم اليوم في منعطف خطيرº لما وصل إليه الكفر من عنجهية واستكبار، وكفر بالله الواحد القهار، ولما آل إليه حال المسلمين اليوم من ذلِّة وفرقة واختلاف، وليس أمام المسلمين من أهل القبلة في هذا البلد إلا أن يتّحدوا، لأنّ الخطر الآن يتهدد الجميع، وإنّ السطوة الأمريكية هي الخطر الذي يهدد الأمة ودينها وهويّتها، لاسيما في ظل التحالف الأمريكي مع الأحلام الصهيونية، فلا ينبغي أن تكون نزاعاتنا على حساب مواجهة العدو الرئيس الأشد خطراً والأكثر إلحاحاً! وإنّ مما تقتضيه السياسة الشرعية تحديد العدو المباشر الأكثر خطورة على الإسلام والمسلمين، والذي تكون مواجهته أكثر إلحاحاً من غيره، ومن ثم توجيه الجهود لدفعه ورده واستئصاله.

أيها المسلمون: إنّ ما طالبت به الأمم المتحدة ومن ورائها أمريكا إنّما هو "الاستعمار المقنَّع"º إذ هو أقرب في تحصيل مصالحهم، وما الاحتلال الأجنبي إلا سيطرة قوة كافرة من غير أبناء البلد على بلاد المسلمين لتحكمها مباشرة، وهذه هي الصورة التي يعرفها المسلمون على اختلاف مستوياتهم المعرفية، ومحالٌ أن يسقط هذا الوصف - الاحتلال - بقرار من قرارات هيئة الأمم المتحدة ولا غيرها، كما فعلوا مع الأرض التي احتلها اليهود بقرار التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم في سنة 1948م، هذا ولمّا كانت أمريكا قد فشلت في عملية "إعادة الأمل" الصومالية، وتورطت الآن في العراقº فقد رأت أن تشرك عدداً من الدول في القوة المعنية.

إنّ الاحتلال هو الاحتلال، ومن ثم لا يمكن لبشر فرداً أو جماعة أن يغلفه في قالب خادع ليبرره أو ليمرره على أمتنا، وسيبقى دائماً داخلاً في خانة "العدو الصائل" الذي يجب قتاله على الفور، ولا يشترط لدفعه شيء إلاّ القدرة المتاحة، والله - جل شأنه - قد أمر المؤمنين شرعاً بدفع الكافرين المتسلطين على المؤمنين قدراً كما في قول الله - تعالى-: ((وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ, لَهُدِّمَت صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزٌ))( سورة الحج: 40)، وقول الله - تعالى-: ((يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُم الَّذِينَ كَفَرُوا زَحفًا فَلا تُوَلٌّوهُم الأَدبَارَ))(سورة الأنفال: 15)، وقوله - تعالى-: ((وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم))(سورة البقرة: 190)، وقوله أيضاً: ((فَمَن اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم))(سورة البقرة: 194).

إنَّ دفع العدوان بقتال الكفَّار كما أنَّه أمرٌ صريحٌ في الآيات، فهو واجبٌ عقليُّ، وحقيقةٌ يضطرٌّنا النَّظر في التاريخ إلى الإيمان بهاº فلم يندفع عدوُّ قطّ عن أُمَّةٍ, من الأُمم إلاَّ بالقوَّة والبأس كما يقول - تعالى-: ((وقاتل في سبيل الله لاتكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً))(النساء:84 ).

قال ابن تيمية - رحمه الله -: "وأمّا قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاًº فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده، والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب والدعوة، والحجة واللسان، والرأي والتدبير والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه، ويجب على القَعَدة لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم ومالهم"(الاختيارات الفقهية لابن تيمية ص 309).

إنّ الجهاد شريعة ربانية ماضية إلى قيام الساعة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -، ولا يمترِيَّن مؤمن ولا مؤمنة بأنّ الجهاد هو عزة المسلم، وذروة سنام الإسلام، وما ترك قوم "الجهاد" إلا ضلّوا وذَُلّوا، كما في الحديث عن ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: ( إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنّه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهمّ والغمّ) رواه أحمد والحاكم.

أيها المسلمون: إذا كان قدرنا في السودان أن تحتلنا أمريكا واليهود كما هو الحال في فلسطين والعراق وأفغانستانº فإنّ المشروع الجهادي الراشد في كل أصعدته ومجالاته هو العلاقة الوحيدة الممكنة في هذا العصر حتى تحقق الأمة ذاتها، وتدافع عن وجودها، وتحتفظ بمقوماتها، وهو الذي كفل للمسلمين من قبل في السودان وغيره من البلدان الإسلامية أن يستقلّوا من نفوذ الاستعمار الغربي.

إنّ علينا أن نحذر غاية الحذر من العملية التضليلية التي يراد منها ضرب البنية الفكرية للمسلمين، فالإعلام المارق هو الذي يسمى كل حملة صليبية على بلد من بلادنا تحريراً، ويسمى الاحتلال إعماراً، ويسمى الجهاد إرهاباً، ويسمى الارتباط بالإسلام والدعوة إلى إقامة شريعة الله - سبحانه - تطرفاً، إنّ على كافة السودانيين أن يستجمعوا قوتهم، وأن يستعيدوا شعورهم بذاتهم، وأن يطلقوا كلمة التحدي في وجه أولئك الذين يراودوننا على العقيدة والوجود والأرض، حتى نسقط الغطرسة (الأمريكية - الصهيونية)، ولنتذكر كذلك أنّ الأمم المتحدة التي يعدوننا بهاº هي التي تورطت قبل أسابيع في ترويج المخدرات، وشبكات الدعارة، ومضابط الشرطة حافلة بتلك الطوام.

إنّ على المسلمين في هذا البلد قادةً ورعية أن يتوبوا إلى الله - تعالى- توبة نصوحاً، وأن يراجعوا دينهم الذي ارتضاه الله - عز وجل - لهم في كل شعاب الحياة، محيين لكل سنة، وماحين لكل بدعة، ورادين لكل بغي واعتداء ومظلمة، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنّ الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر عليه العامة أن تغيره ولا تغيره، فذاك حين يأذن الله - تعالى- في هلاك العامة والخاصة) رواه أحمد والطبراني بإسناد حسن.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply