نظرات في نصرة الحبيب ( 2- 4 )


 

بسم الله الرحمن الرحيم

يبدو أن مقولة إننا 80% من الوقت نتحدث عن المشاكل، وننفق 20% في البحث عن حلول صحيحة إلى حدٍ, كبير، ولكن لا يصح الاستسلام لها، فكل أزمة يصح تحويلها إلى فرصة للتوقف والتبصر بحال النفس وانعكاسات هذه الأزمة عليها في القابلية للبحث عن الحلول للمشكلات الفردية والجماعية.

وتحويل الأزمات إلى فرص، والذي قد يرى بعض الكرام أنه (استغلال سافر لحال الأمة) نحن فيه متبعون - ولسنا مبتدعين- لسنن الله - تعالى -في كونه ولفعل الحبيب - صلى الله عليه وسلم - ولصحابته الكرام وكل من آتاه الله نصيب من العلم والحكمة وسعة الفقه.

فخروج آدم - عليه السلام - من الجنة كان أزمة تحولت بمشيئة الله - تعالى -إلى فرصة لاعتناق البشرية لدين الله - تعالى -ودخول الجنة لمن آمن منهم.

تكذيب قوم نوح له كان أزمة شديدة بذل لها من الجهد والوقت ما لم يخلد القرآن غيره من حيث طول المدة، فكانت فرصة للانتقال بالفئة المؤمنة إلى بقعة أخرى ليستمر التوحيد على هذه الأرض.

 

قتل فرعون للأولاد الذكور وبخاصة، كان أزمة شديدة لأم موسى - عليه السلام -، وكانت فرصة بأمر الله - تعالى -ليحيا موسى في قصر فرعون وتتفيأ آسية ظلال الإيمان ويكون موقفها مضرب الأمثال عبر الأزمان في الصبر والثبات، وخروجه من مصر كان أزمة، وكان فرصة للرحيل إلى أرض جديدة والمصاهرة من أسرة كريمة، ونزول الوحي عليه وإقامة الحجة على فرعون، ومن ثم إيمان السحرة إيماناً صادقاً لا رجعة فيه.

 

عداء قريش المستمر للحبيب - صلى الله عليه وسلم - كان أزمة، وكانت وراءها فرصة ذهابه للطائف التي هي وبكل المقاييس المادية لم تتحقق أي نجاح، ولكنها كانت فرصة لإسلام عداس، ليتعلم المسلم أنه مهما بلغ به الضعف وانعدام الحيل، فلن يعجز عن بدء كلماته بالتسمية، هكذا فعل الحبيب - صلى الله عليه وسلم -، فأشرق الكون بدخول نفس بشرية في دين الله - تعالى -، لما استحر القتل في القراء يوم اليمامة، شكل هذا أزمة شديدة، كان من الممكن أن يضيع معها القرآن الكريم، وكانت فرصة عظيمة عادت بالخير والبركة على البشرية كلها، إذ تمت كتابة المصحف وتدوينه وحفظه في عهد أبي بكر، واختلاف القراء في عهد عثمان كان أزمة كادت أن تُوقع فتنة بين الصحابة وكان من ورائها فرصة اجتماع المسلمين على مصحف واحد.

 

محنة الإمام أحمد وسجنه ظلماً كانت أزمة، وكان من ورائها نصرة لسنة الحبيب - صلى الله عليه وسلم - ما زالت حديث الأمة إلى يومنا هذا.

 

ما يلقاه إخواننا في فلسطين ويعيشون فيه على مدار اليوم والساعة، كان ولا يزال أزمة، ولكننا نلمح بصيص الأمل لفرصٍ,، لعل أولها فوز حماس في الانتخابات.

 

وهذا على سبيل المثال لا الحصر وإلا طال المقام، وعليه فمن حقنا أن نقف عند هذه الأزمة ونحولها إلى فرصة نقرأ من خلالها ردود أفعالنا لنكون أكثر واقعية وموضوعية، ونضجاً في فهم أنفسنا وما تحتاجه من تغيير وتطوير، ومن ثم نبصر زماننا ونهتدي إلى حل ما يواجهنا من مشكلات.

فلعلنا ندرك أننا نعاني من أزمة تثبت في الأخبار، وأننا تحت وطأة العاطفة نسرع بنشر ما لم نمنح أنفسنا الوقت الكافي لنستوثق منه، ومن صفات المسلم إحساسه بأمانة الكلمة ومسؤوليته تجاهها، ولم لا وقد تربى على قوله - تعالى -: (يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُم فَاسِقٌ بِنَبَأٍ, فَتَبَيَّنُوا)، أم أننا بحاجة وعلى ضوء هذه الأزمة إلى إعادة النظر في صلتنا بكتاب الله تعالى؟

إن من أهم مظاهر تكريم بني آدم وتميزه عن باقي المخلوقات، نعمة العقل، فهل من شكر النعمة ورجاء الزيادة من الخالق - سبحانه وتعالى -، التصديق برؤى وأحلام - وليس في هذا إنكار لها - وأوهام وتهيؤات أنفس جُبلت على العجلة ورغبة غير حكيمة في إثبات الحق بأي وسيلة كانت، وكم من مواقف صعبة وشدائد وهزائم لحقت بالحبيب - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، كان الله - تعالى -قادراً على نصرتهم بمعجزاتٍ, شتى، ولكن هذا الدين لجهد المسلم في تحقيق الانتصارات له مكانة كبيرة وعظيمة.

إن الثبات في التمسك بمنظومة القيم والأخلاق والعدل والإنصاف...الخ، التي ما سمح الحبيب - صلى الله عليه وسلم - لأحب الخلق إلى قلبه، عائشة - رضي الله عنها - في المساس بها عندما فقط ردت على اليهود أشد أعداء الله بمثل ما قالوا (السام عليك)، لتنبع من صميم عقيدتنا وتميزنا، حين نتمسك بها في حال السلم والحرب والاعتداء والاستفزاز... لا نفعل ذلك من أجل شعوب الأرض، إن أحسنوا أحسنا والعكس، وإنما لأِننا الأمة الوسط، شهود الله في الأرض والشهداء على باقي الأمم يوم

القيامة، فرسالتنا ووظيفتنا ممتدة إلى يوم الفصل بين الخلائق، وكيف نسود الأرض وندعو إلى دين الله - تعالى -ونحن نثبت تارة ونتخلى أخرى؟

ومن جهة تبصر الزمان على ضوء هذه الأزمة، فيحسن أن نؤصل - وبحسب رؤية الحبيب - صلى الله عليه وسلم - وفعله - لأنفسنا قاعدة ننطلق منها لنفقه العصر الذي نعيشه ومراحل تطوره.

أبصر الحبيب - صلى الله عليه وسلم - زمانه ودرس الأحداث والشخصيات، فلم تكن الأحداث لتدفعه لبداية الدراسة، بل كان يملك من الاستباق في تكامل الرؤية ما يسعفه عند لحظة المواجهة فيتكئ بعد عون الله - تعالى -على ما يحيله مطمئناً واثقاً، ولِمَ لا، فشمولية الاستعداد ومفهوم القوة لديه ليقف عندها كل مسلم ليتعلم كيف يستعد القائد ويخطط، ليس في ساحة المواجهة فقط، وإنما في الحياة كلها.

كان في هذا الزمان كسرى وقيصر والنجاشي، ولكنه أرشدهم عند الهجرة إلى بلاد الأخير، فقد كان عالماً بصيراً بكل شخصية ومن منهم يصلح ليأوي إليه المسلمون ومن لا يصلح.

ولما حان وقت هجرته هو - صلى الله عليه وسلم - كان قد فرغَ من اختيار الشخصيات وتوزيع الأدوار عليها وفقاً لرؤيته الثاقبة، فكان الصديق لرفقة الطريق، وعلي - رضي الله عنه - للتمويه وكسب المزيد من الوقت، ويبلغ التبصر بالزمان مداه عند اختيار عبد الله بن أريقط الليثي كدليل في الصحراء، لتتعلم الأمة حسن توظيف الكافر، ولتتعلم التفقه في نصرة الله - تعالى -لهذا الدين بالبر والفاجر.

وإنك لتقف طويلاً أمام سعة فقهه - صلى الله عليه وسلم - ليس فقط في دراسة الشخصيات وحسن اختيارها، وإنما أيضاً في وضع البدائل فلا يكون لعنصر المفاجأة أي أثر في عرقلة الخطة الموضوعة، فعند عودته من الطائف يطلب الجوار من الأخنس بن شريق، إلا أنه كان في حِلف مع قريش، وحفظ العهود من شيم الرجال، فلا يقف الحبيب حائراً، وإنما يستدعي من ذهنيته المتوقدة البديل الثاني سهيل بن عمرو ولكنه أخبر أن بني عامر لا تجير على بني عدي، إذن فهو البديل الثالث فيتهيأ مطعم بن عدي وولده بالسلاح يحمي الحبيب - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي عند الركن.

 

ولئن كان اللوم على علمائنا في التقصير الواقع منهم في فقه التبصر بالزمان، وفقه التبصر بالمؤسسات والهيئات الموجودة في زماننا ليكونوا على أتم الاستعداد لإرشاد الشعوب إلى من تتجه وتعرض قضاياها وتدافع عن حقوقها، والتفريق بينها وبين الحكومات، فمن قال إن الفرد المسلم لا يُلام؟

 

رغم الظلم والقهر الذي وقع من قريش على المسلمين، لم يقف ذلك حائلاً أمامهم لتبصر زمانهم ودراسة شخصياته، فيعلم كل منهم في لحظة المواجهة والاحتياج إلى من بعد الله - تعالى -يلجأ ويُؤمن لنفسه جبهة آمنة ولو إلى حين، فيدخل عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة في جوار أبي طالب، لما ظنوا إسلام قريش بعد هجرتهم الأولى، فإذا بالواقع عند عودتهم على غير ما نُقِل إليهم.

قد يقول قائل إن شيم المروءة والكرم والشهامة وحفظ العهد عند العرب قديماً هي التي دفعتهم لمثل هذا، وهذا صحيح، ولكن من قال إن الأخلاق والقيم من مثل العدل وإنصاف المظلوم وحفظ الأمن ورعاية الحقوق.. الخ من نصيب أمة دون أمة؟

أو لسنا نرى - وذلك عند عندما نتخلص من القابلية للتعميم - دولاً كافرة قد عدلت في شؤون رعيتها قد أقامها الله - تعالى -ولو إلى حين، وأخرى مسلمة كم ظلمت وطغت وتكبرت فأهلكها الله - تعالى -(وَمَا كَانَ رَبٌّكَ لِيُهلِكَ القُرَى بِظُلمٍ, وَأَهلُهَا مُصلِحُونَ) والخطاب لأِهل الدنيا لا تخصيص فيه، فمن يأخذ بالأسباب يصل ولو إلى حين.

إن من واجبنا لحماية مقدساتنا أن نتبصر زماننا، ونُعمق رؤانا لنتعرف موضع أقدامنا على خريطة العالم اليوم، ومن ثم نضع الحلول العملية للدفاع عن معتقداتنا.

فنعمد لمراسلة منظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوربي ليعلم الآخر أن من القوانين التي تحكم علاقتنا مع من حولنا (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به).

وأنّا أحرص ما نكون على التنمية وانتعاش الاقتصاد، وأن ردود أفعالهم بتكرار نشر الصور لا يخدم قضية احترام المقدسات في شيء.

استصحاب أقوال البعض منهم مثل ما صرح به بيل كلينتون، وما نشرته بعض الصحف البريطانية مثل الديلي تلجراف وغيرها، من رفضهم لمثل هذه الأفعال ليحثنا على البحث عن مزيد من هؤلاء العقلاء من أفراد ومؤسسات إعلامية ومنظمات والذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان ليكونوا متحدثين عنا بلغة قومهم، وتوثيق الصلات معهم على أساس من الإنسانية وقوانينها واحتياجاتها التي ليست محل خلاف.

لعل من التبصر بزماننا، استحداث أقسام خاصة بفن الكاريكاتير الإسلامي في كليات الفنون الجميلة في كل الجامعات العربية وحث الطلاب على الدراسة والتخصص فيه والاهتمام بإقامة معرض لإنتاجهم محلية ودولية كل عام، لتكون تلك الرسومات ميداناً للدعوة لهذا الدين ومحاولة تقريب مفاهيمه ولوناً من ألوان اللغة! الراقية للتخاطب مع الآخر.

الاتفاق مع شركات الطيران على برامج محددة ندعو من خلالها للإسلام وتصحيح صورته وموقفه من القضايا المعاصرة واهتمامه بتوفير السعادة والأمان للبشرية كلها من خلال شريط كاسيت لمدة عشر دقائق مثلاً يذاع خلال الرحلة أو فيديو أو مطويات وكتيبات وأناشيد بمختلف اللغات، وذلك في مقابل الإعلان عن هذه الشركات على المواقع الإسلامية وفي المجلات والجرائد.

إعادة النظر في كم الرسائل التي نقوم بإرسالها للقنوات الفضائية المتعددة التي هي - ولا حرج في ذلك - تعبير عن المشاعر فقط، قدمنا منها قدراً لا بأس به، و لكن ألا يمكن التفكير بتوجيه هذه الأموال لمشروع دعوي يمتد أثره ويعم خيره سنوات طوال، كدعم تدريس اللغات مثلاً، فلعل أن يأتي زمان تفيض فيه اللغات! فلا تجد من يجهلها، ومن تعلم لغة قوم.

إنه قد آن الأوان للتبصر دون أي مجاملة فيمن يتحدثون باسم الإسلام، وإعادة النظر في فكرهم وخطابهم، فعندما يرى إمام مسجد مثلاً أن قتل هذا الصحفي هو عين تطبيق شرع الله دون اعتبار للمآل والمفاسد والمصالح، فعدم الاهتمام بمن هو على شاكلته دون توجيه أو ترشيد أَيتفق وتبصرنا بزماننا؟

وتبقى دوماً نصرة الحبيب مجالاً للإبداع والابتكار لمن أحب هذا الدين بحق، وتبصر في زمانه وفقه عصره بحق.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply