السجون السرية الأمريكية في أوروبا وأزمة بوش الجديدة


 

بسم الله الرحمن الرحيم 

تنتشر في الأوساط الإعلامية الأوروبية هذه الأيام قضية وجود سجون أمريكية سرية في بعض دول أوروبا، ورحلات جوية لطائرات الاستخبارات الأمريكية في أجواء هذه الدول لنقل معتقلين يشتبه في انتماءهم لتنظيمات محظورة.

ولأن القضية لم تقتصر على دولة معينة أو دولتين، وبسبب عدم تقديم أي إيضاح أمريكي رسمي حتى الآنº حول حقيقة ما جرى ويجريº تشهد هذه المسألة مداولة مستمرة بين الإعلام والسياسيين الأوروبيين الذين يحاولون الالتزام بالشعارات الكبيرة حول "حقوق الإنسان" و"حقوق الأسرى" وغيرها مما تطلقه حكومات الدول الأوروبية والغربية!

ورغم أن التقرير الذي أثار القضية مؤخراً يعتبر هاماً، إلا أنه لم يكن الأول من نوعه، إذ أشارت منظمة العفو الدولية قبل أربعة أشهر من تقرير الواشنطن بوست إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تحتفظ بسجون سرية في تايلاند ومصر، والأردن والمغرب، وأفغانستان وعدد من الدول الأخرى.

 

المواقع السوداء:

أثارت القضية هذه المرة صحيفة (الواشنطن بوست) التي ذكر تقرير لها نشرته في الثاني من شهر نوفمبر الحالي أن الاستخبارات الأمريكية تدير سجوناً سرية في عدد من الدول الأوروبية وخاصة الدول الشرقية منها، فضلاً عن دول أخرى.

وأكدت الصحيفة وجود اتفاق بين وكالة الاستخبارات الأمريكية ودول أوروبية حول استخدام سجون سرية لتعذيب والتحقيق مع معتقلين يشتبه في انتمائهم إلى تنظيمات محظورة وعلى رأسها تنظيم (القاعدة)، وقالت الصحيفة: " إن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تدير شبكة من السجون السرية في أنحاء مختلفة من العالم لاحتجاز مشتبه بهم بارزين"، مشيرة إلى أن تلك السجون كانت وما زالت موجودة حتى الآن، وأضافت بالقول: " إن منظومة السجون السرية التي تمولها الاستخبارات الأمريكية باشرت احتجاز أفراد في أوقات مختلفة في بلدان ثمانية منها دول في شرق أوروبا، وأفغانستان وتايلاند، فضلا عن قاعدة خليج غوانتانامو الأمريكية في كوبا"، وأضاف تقرير الصحيفة أن أكثر من 100 شخص أرسلوا إلى تلك المنشآت التي يطلق عليها اسم "المواقع السوداء"، والتي أقيمت في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ونقلت (الواشنطن بوست) عن ضباط استخبارات سابقين وحاليين قولهم: " إن بعض أبرز المشتبه في صلاتهم بما يعرف (بالإرهاب) يحتجزون في بلد بشرق أوروبا في منشأة تعود للعهد السوفييتي".

وحسب رأي الصحيفة الذي استخلصته من الضباط الأمريكيين فإن: "شبكة الاحتجاز الدولي الخفية تعد عنصراً محورياً في الحرب غير التقليدية التي تخوضها وكالة الاستخبارات الأمريكية ضد ما يعرف باسم (الإرهاب)"، مؤكدة أن تفاصيل تلك الشبكة "معروفة فقط لعدد محدود من المسؤولين في الولايات المتحدة، وعادة للرئيس ولقلة من مسؤولي المخابرات في كل بلد يستضيف مركزاً من تلك المراكز، وأنه لا يعرف شيء تقريباً عن هوية المحتجزين، ولا عن وسائل الاستجواب المستخدمة، ولا عن كيفية اتخاذ القرارات بشأن مدى الإبقاء على الأفراد قيد الاحتجاز".

من جهتها رجحت جماعات معنية بحقوق الإنسان تورط رومانيا وبولندا في هذه الفضيحة، قبل أن يستمر سير الكشف عن الفضيحة لتطال دولاً أخرى.

 

الطائرات الخفية:

لم يقتصر الأمر على وجود السجون السرية، إذ وخلال الأيام التالية من انتشار فضحية المعتقلات السرية في وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبيةº بدأت مصادر أخرى بالكشف عن هبوط طائرات تابعة للاستخبارات الأمريكية على أراض دول أوروبية لنقل ضباط استخبارات ومعتقلين من وإلى تلك المعتقلات السرية.

وكتب للفضيحة الثانية أن تكشف عن عدد من الدول التي تمارس الاستخبارات الأمريكية عملياتها السرية على أرضها، منها: أسبانية وهولندا، ووصل الأمر مؤخراً إلى كندا الحدودية مع أمريكا!º حيث اتهم نواب معارضون في البرلمان الكندي الحكومة بمحاولة إخفاء حقيقة أن طائرات استخدمتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في نقل سجناء لاستجوابهم قد هبطت في مطارات كندية.

ونقلت وكالة رويترز عن كتلة (كيبيكويس) المعارضة في البرلمان الكندي قولها: " إنها حصلت على أدلة بأن طائرة أخرى استخدمت لنقل سجناء هبطت في كندا في ثلاث مناسبات"، وهذا ما يعني وجود معتقلات أمريكية سرية على الأراضي الكندية.

وكانت العاصمة الكندية أوتاوا أعلنت في وقت سابق أنها تحقق في تقارير قالت: " إن طائرتين لهما صلة بإحدى شركات (شل) التابعة لوكالة المخابرات الأمريكيةº طارتا من (ايسلندا) إلى (سان جون) في نيوفونلاند على الساحل الشرقي لكندا".

 

ردود أفعال أوروبية:

بدأت حكومات أوروبية عديدة بالضغط على الولايات المتحدة لتوضيح أنباء الرحلات الجوية السرية، وإدارة الاستخبارات الأمريكية للمعتقلات السرية على أرضها، محاولة إظهار موقفها أمام الشعب الأوروبي بأنه لا علم لها بما حدث من انتهاكات إنسانية على أراضيهاº خاصة وأن وجود مثل هذه المعتقلات يعتبر خرقاً للقوانين الأوروبية الخاصة بحقوق الإنسان، ويعتبر خرقاً وخروجاً عن القانون الأساسي الذي تعهدت به دول الاتحاد الأوروبي.

جمهورية التشيك وفي محاولة منها للخروج من هذه المشكلةº اعترفت على الفور بأنها رفضت طلباً أميركياً بإقامة سجن سريº يضم أشخاصاً يشتبه في انتماءهم لتنظيمات محظورة، مؤكدة أن العرض الأمريكي تضمن نقل معتقلين موجودين حالياً بالقاعدة الجوية الموجودة في خليج غوانتانامو بكوبا.

وتسابقت حكومات الدول الأوروبية الأخرى لإعلان - براءتها - من هذه الفضيحة عبر دعوات موجهة لواشنطن بكشف ما لديها من معلومات حول هذه السجون، فيما وجه نواب برلمانيون أسئلة محددة لحكومات بلادهم حول هذه الفضيحة، كما طلب الاتحاد الأوروبي من الولايات المتحدة إيضاحاً بشأن نقلها لمعتقلين مشتبه بهم إلى سجون سرية بأوروبا.

وجاء في الخطاب الذي وجهته بروكسل إلى الحكومة الأميركية: "إننا نطلب إيضاحاً حول التقرير"º إلا أن البيت الأبيض رفض التعليق على التقارير في هذا الشأن وفقاً للمتحدث باسم الاتحاد الأوروبي.

إلا أن هولندا اتخذت موقفاً جديداً من اللامبالاة الأمريكية في الرد على هذه المعلومات، حيث وجهت تهديداً دبلوماسياً مؤخراً قد تستطيع من خلاله فتح باب اتخاذ مواقف أكثر جدية للدول الأوروبية حيال هذه القضية.

وجاءت المطالب الهولندية حول معرفة معلومات حقيقية حول التقرير مصحوبة بتهديدات ملموسة، قال فيها وزير الخارجية "بين بوت" في حديثه أمام البرلمان الهولندي: " إنه لو لم تسرع الولايات المتحدة بتقديم إيضاح بشأن التقارير الواردة عن مراكز الاحتجاز السرية للاستخبارات المركزية الأميركيةº فإن هولندا لن تشارك في أية مهمات عسكرية جديدة، ولن تمدد مشاركتها في أية عمليات عسكرية حالية".

وحسب تعليق للإذاعة الهولندية على تهديد وزير الخارجية فإن تعبير "عمليات حالية" يشير فقط إلى الدور الذي تلعبه حاليًّا القوات الهولندية في أفغانستان - والتي تعمل تحت القيادة الأميركية -، كما قد يحمل التعبير أيضاً عمليات إعادة الأعمار (...) التي تجري في أفغانستان تحت مظلة حلف شمال الأطلسي "الناتو".حسب تعبير الإذاعة.

وأضافت تقول: " أما المعني من وراء تعبير "مهمات جديدة" فيمكن أن يكون متعلقاً بأحد أمرين أولهما:

تولي هولندا قيادة الجانب البحري لعملية "السلام الدائم"، والمقرر أن تبدأ في 12 ديسمبر.

وثانيهما: التوسيع المزمع لنشاطات الناتو في الجزء الجنوبي من أفغانستان".

مشيرة أنه "في حال عدم مشاركة هولندا في توسيع عمليات الناتو - في جنوب أفغانستان - والتي ستجرى العام المقبلº فسيكون هذا نبأ سيئاً لحليفتها المملكة المتحدةº التي قد تضطر إلى سد الفجوة التي ستحدثها هولندا".

 

الموقف الأمريكي:

بعد صدور التقرير في الواشنطن بوست أعلن (المتحدث باسم البيت الأبيض) سكوت ماكلاين نفيه لهذه الأنباء، وحاول التخلص من الأسئلة المحرجة للصحفيين بالقول: " إن الرئيس بوش يضع في أولياته أمن وسلامة الشعب الأمريكي، وإنه ينظر إلى هذه الأمور بشكل جدي تماماً"!

واستمر بعد ذلك الموقف الأمريكي بالغموض والتستر، وعدم تقديم أي معلومة حقيقة ما أكد صحة التقرير، وكشف الإرباك الذي أحدثه في إدارة الرئيس بوش الذي تدهورت شعبيته في أمريكا والعالم قبل حتى صدور هذا التقرير.

من جهته حاول مجلس الشيوخ الأمريكي (الكونغرس) الظهور بمظهر المندهش لهذه الأنباء (!) على اعتبار أنه بريء مما حدث ويحدث، لذلك وفي عملية وصفتها بعض وسائل الإعلام "بالمسرحية" طالب مجلس الشيوخ الأمريكي من جون نيجربوتي (رئيس الاستخبارات الأميركية)º تقديم تقرير عن حقيقة وجود السجون السرية في دول أوروبا الشرقية، معتبرة أن ما حدث يعتبر "خرقاً لحقوق الإنسان! " التي تخرق بشكل يومي على يد الأمريكيين في معتقلات معروفة ومشهورة جداً!

ويبدو أن تساؤلاً أثارته شبكة الـ (BBC) الإخبارية يؤكد وجود هذه المعتقلات، ويؤكد حدوث خروقات فيه، حيث كتبت تقول تعليقاً على تقرير الواشنطن بوست: " إن مصير رجال من أمثال المشتبه فيه على خلفية هجمات 11 سبتمبر خالد شيخ محمد يبقى لغزاً، ولكن الافتراض قائم بأنهم يحتجزون في مراكز اعتقال سرية خارج الولايات المتحدةº وبخلاف جوانتانامو".

فضلاً عن وجود معتقلين آخرين لم نعد نسمع عنهم منذ اعتقالهم مثل: رمزي بن الشيبة، وأبو فرج الليبي (الذي يعتقد أنه خلف خالد شيخ محمد في منصبه بالقاعدة)، وأبو زبيدة (والذي يعرف أيضاً باسم زين العابدين محمد حسين) القائد الميداني للقاعدة في باكستان وغيرهم.

وتحاول الاستخبارات الأمريكية من إبقاء بعض أبرز المعتقلين المشتبه فيهم في سجون سرية التخلص من الأزمة القانونية التي قد تجبر الوكالة على تقديم هؤلاء المعتقلين للمحاكم في محاولة منها لاستخلاص كل ما يمكن الحصول عليه من معلومات (مهما كانت صغيرة) حول التنظيم، وروابطه وأفراده، وقياداته وطرق وأساليب عمله، وخططه المستقبلية وغيرها.

وفيما تنتظر وسائل الإعلام تقديم معلومات أشمل وأوسع عن هذه القضية، يبدو أن العلاقات الأوروبية الأمريكية في طريقها لاتخاذ شكل جديد، ربما يعيد النظر فيما بعد بمسائل عديدة لن تكون في صالح إدارة بوش المتهالكة.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply