الشعر الإسلامي والطريق إلى العالمية
أرقام الموقع جديد - GIF - 11/5/2017
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. الشعر الإسلامي والطريق إلى العالمية
الشعر الإسلامي والطريق إلى العالمية

الشعر الإسلامي والطريق إلى العالمية

التصنيف: أدب ولغة
تاريخ النشر: 24 شوال 1437 (2016-07-30)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

الشعر الإسلامي والطريق إلى العالمية  مقال للشاعر نجاح عبدالقادر 

نشر هذا المقال فى العدد الرابع من مجلة أفنان التى يصدرها النادى الأدبى بتبوك

-       الإسلام دين عالمى :

الدين الإسلامى دين عالمى، ذلك لأنه هو الدين عند الله (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ) آل عمران 19؛ ورسالة نبى الإسلام رسالة عالمية، بل فوق العالمية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء 107، وأفضل مايقال فى حق الإسلام إنه دين كوْنىّ.. فهو دين الكون كله (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) آل عمران 83.. ولأن الإسلام كدين و رسالة عالمى الطابع ، فإن الشاعر المسلم يجب أن يكون على مستوى التبعية لهذه الرسالة العالمية الكونية .

إن الذين ينظرون إلى الشعر فى الإسلام على أنه مجرد مدح فى هذا الدين ونبيه، ومجرد وعظ وإرشاد فحسب، إنما يحاولون تفريغ الشعر الإسلامى من عالميته وكونيته؛ وأقرر أنه أعظم من هذا المعنى، وأشمل من هذا التحديد؛ ذلك لأن الشعر فى رأيي نوعان لا ثالث لهما.. شعرٌ يسمو بالأخلاق والنفس الإنسانية، ويقترب بها من مدارج الكمال؛ وشعرٌ ينحط بها إلى دركات الخنا و الفسق أو الشك والسخط على قدر الله. فالنوع الأول هو ما يدعو إليه الإسلام و يباركه؛ إنه يدعو إلى شعرٍ راقٍ يبحث فى أحوال النفس أتراحا وأفراحا، وانقباضا وبسطا، ويغوص فى أعماقها، ويؤكد على النسيج الوجدانى، والتجربة الحية النابضة بالبحث والتأمل فى هذا الكون الرحيب وصولا إلى عظمة الخالق سبحانه، وبديع صنعه جلّت قدرته .

-       رؤية الإسلام للشكل الشعرى :

إن الشعر فى الإسلام عالمى النزعة، سواء كُتب فى ثوب عمودى أو تفعيلى؛ المهم أن يكون فيه موسيقا الشعر، ونقصد بذلك تفعيلاته.. فهو لا يرفض شعر التفعيلة الذى يتخذ من السطر الشعرى شكلا للقصيدة، ما دامت هذه الأسطر الشعرية موزونة.. أما كتابة النثر وتسميته شعرا، فنحن نمر عليه مر الكرام؛ و لن نذكر إلا ومضات قليلة توضح أن مفهوم الشعر فى الإسلام من الناحية الشكلية إنما يقصد به الكلام الموزون ، وهو بهذا يُمَيَّز عن النثر. عند تفسير قوله تعالى (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) يس 69   قال ابن كثير : وَرَدَ أنه، عليه الصلاة والسلام، كان لا يحفظ بيتًا على وزنٍ منتظم، بل إن أنشده زَحَّفه  أو لم يتمه وعن قتادة: بلغنى أن عائشة سُئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: لا إلا بيت طَرَفَة:

سَتُبْدي لكَ الأيامُ مَا كُنْتَ جَاهلا ... وَيَأْتيك بالأخبارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ ... فجعل يقول: "مَن لم تُزَوّد بالأخبار". فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا. فقال: "إني لست بشاعر، ولا ينبغي لي"   فانظر كيف أخرج صلى الله عليه وسلم الوزن عن مقتضاه فأخرجه عن الشعر كلية تحقيقا لقول الله تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ونشير هنا إلى أن نفى الشعر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  لا يُنقِصُ من الشعر؛ وقد أجاب ابن رشيق عن ذلك فقال: لو أن كَوْن النبى صلى الله عليه وسلم غير شاعر غَضٌّ من الشعر، لكانت أمّيتُه غَضًّا من الكتابة؛ وهذا لا يقول به أحد، و لما ردد المسلمون قول ابن رواحة: اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلا عَيْشَ الْآخِرَهْ  فَارحم الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ  ردده صلى الله عليه وسلم بنصٍّ آخر قائلا: "اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"؛ ليخرجه عن الشعر بإخراجه عن الوزن إذن الوزن هو الفيصل فى تسمية الشعر شعرا.

-       الإسلام ونزعات الشعر وأغراضه :

إن الشعر فى الإسلام يدخل فيه النزعات المختلفة؛ كلاسيكية كانت أو رومانسية أو واقعية أو رمزية، أو ما تولّد عن هذه المدارس الأم، غير أنه يرفض كل تيار يحاول هدم أسس الشعر أو يحاول النيل من هدفه الأخلاقى؛ فمن كتب دونما مراعاة لخلق وإنسانية، ودعا إلى فسق و مجون أو شكٍّ وكُفر، فشعره خارج عن مضمون وهدف الشعر الإسلامى، ومن كتب دونما مراعاة لوزن و شيئ من القافية، أو دونما مراعاة لمعنى يستخلص من قراءة و تحليل النص، فذاك أيضا خارج بشعره عن شكل و مضمون الشعر الإسلامى، ويكفى أن يتخلى عن التفعيلة ليخرج من عالم الشعر و يدخل فى عالم النثر أما من يُطلْسِم النص بألفاظ هى أشبه بكلام الكهان، و مهما جاهد – ليس القارئ المتذوق فحسب وإنما الناقد الخبير بالشعر – كى يصل إلى معنى ما من وراء ذلك فلا يصل إلى شيئ ، فإن هذا يكون خارجا عن الشعر و عن النثر جميعا 

والإسلام فى نظرته إلى الشعر يرى أن موضوعاته لا حصر لها، ما دامت تنطلق من أرضية أخلاقية، وسواء أكان موضوعه فخرا أم مدحا أم زهدا أم هجاء أم غزلا أم نسيبا أم وصفا أم سبرا لأغوار النفس أو الطبيعة، أو القضايا الإنسانية العامة أو الخاصة، وربما كتب شاعر غير مسلم ما يوافق مضمون الشعر فى الإسلام، هذا إيليا أبو ماضى –وهو نصران – يقول:

يا أخى لا تمِل بوجهك عنى          ما أنا فَحْمةٌ ولا أنتَ فَرْقَد

فهو هنا يخاطب الإنسان عموما، و يؤكد على قيمة التواضع، و يدعو إلى سمُوّ أخلاقى؛ وعلى العكس من ذلك ربما كتب الشاعر المنتمى إلى الإسلام باسمه شعرًا يمتلئ  بما يعارض هدف الشعر الإسلامى، والتاريخ الشعرى زاخر بشعراء كُثْر تطاولوا على الإسلام أو دعَوا إلى فسق وخنا، ومنهم من وصلت به الحال إلى درجة التطاول على الذات الإلهية، أو تسوية من يمدحه من البشر فى صفاته بالله تعالى، و هؤلاء كثيرون كثرة الفساد الذى ظهر فى البر و البحر؛ ولن نستشهد بشعر أحد من هؤلاء لأن أفضل مواجهة لهم هو تجاهلهم ؛ إذن على الشاعر المسلم أن يعى هدفه، وينطلق بإبداعه إلى آفاق عالمية وعيا برسالة دينه ونبيّه الراقية 

-       الإبداع الشعرى الذى يرفضه الإسلام :

إن الإسلام يريد إبداعا يبعد عن الإسفاف والدعوة إلى الرذيلة ، ويجب أن يكون مفهوما أن الشعر الإسلامى يعترف بكَوْن هؤلاء الذين يكتبون ما يرفضه الإسلام، يعترف بكَوْنهم شعراء ، وُهِبُوا موهبة الشعر، ولكنه يرفض مضمون شعرهم، ويرفض اتجاههم الفكرى الذى يبتعد عما يدعو إليه من فضائل، وربما كتب الشاعر الواحد شعرا يباركه الإسلام، وشعرا يرفضه، فالمتنبى –مثلا– شاعر العصور المبرز، له شعر رائع تُستنبط منه الحكمة والفضيلة والسمو الأخلاقى، وهو نفسه له شعر، أو بالأحرى بعض أبيات فيها شطط ونفاق وتشبيه لنفسه بالأنبياء، وهو وإن كان شاعرا مرموقا فى النوعين، إلا أن الإسلام يقبل منه الشعر الأول و يرفض له الثانى؛ لا رَفْضَ شِعرٍ و إنما رفْض فِكر 

-       الإبداع الشعرى الذى يريده الإسلام :

إن الإسلام يدعو إلى إبداع يخلو من الغموض المطلسم، ومن المباشرة الصريحة فى آن واحد، إبداع يحمل بين جنبيه الإنسان فى قضاياه وآماله وآلامه وآفاق ذاته، إبداع يستنير بالخيال الرائع، ويلتحم بالطبيعة الخلابة، ويحلق فى جو من الجمال الآسر، إبداع راقٍ، تصويرا وفكرا و لفظا ومعنى وعاطفة وإحساسا وعمقا وشاعرية، نريد إبداعا يشرق بالنفس الإنسانية وقيمها، ويُفعم بالسمو نحو مدارج الكمال

واعلم أيها الشاعر المسلم أنك شاعر ولست خطيبا، فإذا ما أردت أن تعظ، فلا تسلك مسلك الخطيب، فهو يأتى بالمعنى واضحا مباشرا، وصريحا، وهذا مجاله وواجبه؛  أما أنت، فعليك أن تصوغ المعنى فى ثوب شاعرى مبدع، فيه العمق و توالد المعانى، شعر فيه غموض البحر حتى إذا ما غُصنا فيه أخرجنا من المعانى لآلئ ودرر؛ فإذا أبدعت فى الفخر فافخر كما شئت بعيدا عن الفخر بالأحساب والأنساب وتعظيم أمور الجاهلية، وامدح كم شئت، ولكن نُصب عينيك قوْلة عمر بن الخطاب عن زهَيْر: " كان لا يمدح الرجل إلا بما هو فيه" فابتعد عن النفاق والرياء والتملق، وتغزّل كما شئت فى عفة وبدافع من الغيرة التى يحبها الله ورسوله، مبتعدا عن الوصف الحسىّ للمرأة وإثارة الشهوات، وانسب كما شئت، دونما ذِكر لمجون أو دعوة لفساد، واعلم أن رسول الله استمع إلى كعب بن زهير، وفى قصيدته نسيب وتشبيب بمحبوبته سعاد، فلم يعنفه ولم يزجره، بل استمع إليه ، ورمى عليه بردته، وصِف كما شيئت دونما تقصير فى بيان عظمة الخالق، و دونما وصف حسّىّ للنساء، واهجُ كما شئت دونما وقوع فى فى غيبة أو نميمة أو قذف، و إنما هجاء لمن ابتعد عن مكارم الأخلاق ووقع فى الفساد، و دونما ذِكر لأسماء أو تعريض بأسر، واكتب شعرا ذاتيا كما شئت، مصورا أحوال النفس، دونما سخط على قدر الله 

-       صفات ومزايا الشاعر المسلم :

إن الشاعر المسلم هو الذى يستشعر قضايا أمته على المستوى العام، ويستشعر معاناة المستضعفين من بنى الإنسان فى كل مكان، الشاعر المسلم هو ذلك الشاعر الذى يؤمن بأن شعره موهبة وهبها الله إياه، وحمله بها رسالة، وهو موقن بمسئوليته أمام الله عن كل ما أبدع؛ الشاعر المسلم هو الذى لا يملأ جوفه شعرا، قال أبو عبيد -مفسرا -: "و لكن وجهه عندى أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن و ذكر الله؛ فأما إن كان القرآن والعلم الغالبيْن عليه فليس ممتلئا من الشعر" وهو هنا يفسر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم" لأن يمتلئ جوف أحدكم قَيْحا خير له من أن يمتلئ شعرًا " وقد وافق القرطبى  وابن حجر أبا عبيد فى تفسيره هذا الحديث، فلا تجعل كل وقتك للشعر، وإنما اجعل الغالب فى نفسك هو القرآن وذكر الله  والسعيد من جعل شعره جزءا من ذكره لله تعالى؛ بأن يبدع ما ينفع الناس والأمة  فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ الرعد 17 

الشاعر المسلم هو الذى يحيا التجارب الشعرية الإنسانية التى بها تسمو النفوس وترتقى بشعر حىٍّ نابض بحسن الخلق وكرامة الإنسان 

أخى الشاعر المسلم  لن يكون شعرك عالميا إلا إذا صغته فى ثوب إبداعى يدعو إلى مكارم الأخلاق؛ ثوب إبداعى أساسى الموسيقا السلحرة، والمعنى العميق المجنّح، والتعبير الجميل المناسب لموضوع النص، والتصوير الشعرى البارع؛ ثوب إبداعى فيه الحق البيّن، والخير المطلق، والجمال الآخذ بمجامع النفوس والألباب 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

الهوامش

  الزحاف: تغيير يحدث فى تفعيلات الشعر

  تفسير ابن كثير ج3 ص578

  العمدة لابن رشيق ج1ص76

  انظر  صحيح البخارى 9/424

  الأصول الفنية للشعر الجاهلى  د/سعد إسماعيل شلبى

  فتح البارى ج1ص549

  الحديث رواه البخارى فى باب الأدب 19/127 و كذا رواه أحمد و مسلم

  الجامع لأحكام القرآن ج3ص151 

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات