أرقام الموقع جديد - GIF - 11/5/2017
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. مركزية القرآن الكريم في السجال الفكري المعاصر
مركزية القرآن الكريم في السجال الفكري المعاصر

مركزية القرآن الكريم في السجال الفكري المعاصر

تاريخ النشر: 20 شعبان 1438 (2017-05-17)

تفريغ محاضرة:

مَرْكَزِيَّةُ القُرْآنِ الكَرِيْمِ فِي السِّجَالِ الفِكْرِيّ الـمُعَاصِر

للشيخ: عبد الله العجيري

- والتي أقيمت ضمن زيارة الشيخ للأردن -

1438هـ - 2016

رابط الاستماع: اضغط هنا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

مقدمة

في البدء أرحب بالأحبة الزملاء الحضور مشكورين، سواء من الإخوة أو الأخوات، وأثنّي بالشكر الجزيل حقيقة للإخوة في هذه الجمعية الطيبة المباركة على إتاحة هذه الفرصة وهذا المجال للتقدُّم بين يديكم بحديث أعتقد أنه في غاية الأهمية، ولا أخفيكم أني أجد من نفسي حرجًا عظيمًا أن أتحدث عن مثل هذا العنوان الضخم -كما يقال-: (مركزية القرآن في السجال الفكري المعاصر)، ودعوني أسرّب لكم جزءًا من التسريبات بما يتعلق بالإعداد لهذه المحاضرة.

مرَّ عنوان هذه المحاضرة بجملة من الأطوار المتعاقبة، وحصل نوع من أنواع سوء الفهم -إن صحَّ التعبير- فاضطر الإنسان أنه يُقحم بعض القضايا التي هي أكبر دائرة من العنوان الأساسي، العنوان الذي كان مقترحًا للزملاء: (السؤال كأداة للتدبُّر)، ولكن فوجئت أن كلمة (التدبر) لم تُفهم، وكنت متوهمًا أنها مرتبطة بالقضية القرآنية، لكن كان هناك انطباع متخلِّق عن المتحدّث أنه مشتغل بالقضايا والملفات المتعلقة بالمجال الفكري، ففُهم التدبر بالمجال الفكري وكذا، فقلت لهم لا، فخرج العنوان في النهاية كنوع من أنواع الالتقاء في منتصف الطريق؛ أن القضية تتعلق بالتدبر نعم، لكنها تتعلق بتدبر القرآن في المجال الفكري، إن صحَّ التعبير.

في الحقيقة لما بدأ الإنسان بالانشغال فيما يتعلق بملف الإلحاد وملف إنكار وجود الله -تبارك وتعالى- وتوغّل الإنسان فيما يتعلق باستكشاف الدلائل الفطرية المتعلقة بهذه الحقيقة الوجودية الهائلة والكبيرة جدًا، وما يتعلق بالدلالات العقلية الدالة على وجود الإله، لا أخفيكم أنه ترسَّخ في نفسي من خلال المطالعة والقراءة أن أعظم الحقائق الوجودية على الإطلاق هي حقيقة وجود الرب -تبارك وتعالى-، وأجد مصداق ذلك في القرآن الكريم بقوله -تبارك وتعالى-: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾.

الأمر الهائل بالنسبة لي الذي يتعلَّق بحقيقة هذا الوجود الإلهي، أن الله -تبارك وتعالى- مع عظمته ومع كماله -تبارك وتعالى- ومع استغنائه -تبارك وتعالى- عن خليقته، ومع حقارة وفقر هذا الإنسان، إلا أنَّ هذا الرب الرحيم العليم الحكيم الخبير قد مدَّ حبلًا للتواصل مع خليقته عبر هذا الكتاب العجيب، هذا الكتاب الجليل المهيب العظيم!

نحن نستسهل أحيانًا بعض الحقائق بحكم التديُّن الذين عشنا به، وبحكم أن الإنسان ما فكَّر كثيرًا بطبيعة هذه العلاقة بين العبد وبين ربه -تبارك وتعالى-.

الفلاسفة عندما يتكلمون عن مسألة: ما هي أخصّ صفات الخالق -تبارك وتعالى- بقابل صفات المخلوق، يتحدثون عن صفة الخالق هي الوجوب مقابل إمكان العبد، المتكلِّمة يقولون بالقِدم مقابل الحدوث، ابن تيمية -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- وتلميذه ابن القيم لهما تعبير في غاية الأناقة والجمال، يقولون: "أخص صفات الرب -تبارك وتعالى- هو كماله وغناه -سبحانه وتعالى- في مقابل كمال فقر العبد والإنسان".

تخيلوا عقد المقارنة بين الطرفين؛ هذا الرب المتعالي الكامل -سبحانه وتعالى- لما يتواصل مع خليقته بكلامه -تبارك وتعالى-، فهذه قضية ينبغي ألا يتجاوزها الإنسان مُستسهلًا لها، ولذا أحد الشخصيات التي وَعَت هذه الحقيقة العظيمة هو عثمان بن عفان -رضي الله عنه وأرضاه- حين قال: "لو صلحت قلوبنا لما شبعت من كلام ربنا"..!

والإنسان عادة يتلقَّى مثل هذه العبارات بنوع من أنواع السطحية، في حين ثمة دلالات ومضامين معمَّقة بما يتعلق بهذه القضية وهذه الحقيقة، خذوا هذه اللقطات العجيبة من سيرة الصديق -أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه-، وحتى ندرك لماذا صار الصديق صديقًا؛ أنه استطاع أن ينفذ بعقله إلى هذه الحقيقة الهائلة الكبيرة؛ أن الرب -تبارك وتعالى- قد بسط رحمته على العبد الفقير بتواصله -تبارك وتعالى- معه بأن يكلمه ويُنزل إليه وحيًا ويصطفي إليه رسولًا يبلّغه وحيه وكتابه..

تبتدئ هذه الحكاية في طبيعة الحال مع النبي ﷺ، النبي ﷺ يتحدَّث عن نفسه بعد حادثة الإسراء والمعراج يقول: "لَمَّا كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَفَظَعْتُ بِأَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيّ"، النبي ﷺ مشاعره الأوليَّة التي يعبّر عنها ابن عباس صريحًا في الرواية: "فأصبح النبي ﷺ مهمومًا حزينًا"، دائمًا لما أقف مع هذا الحديث عند هذه اللفظة كان يبرز إلى ذهني تساؤل معيّن: ما الذي حمل النبي ﷺ أن يكون مهمومًا حزينًا؟!

كنت أتوقع أن النبي ﷺ سوف يكون مسرورًا مبتهجًا سعيدًا بعظيم منة الله -تبارك وتعالى- عليه، تخيلوا أن النبي ﷺ أُسري به إلى بيت المقدس، وصلَّى بالأنبياء والمرسلين، بعد أن أُسري به على ظهر البراق، عُرج به إلى السماء مع جبريل -عليه السلام-، قابل الأنبياء والمرسلين وسلَّم على إخوانه وأصحابه، وأفضى إلى الله -تبارك وتعالى-، وخاطب الله -تبارك وتعالى- مخاطبة مباشرة، وكلَّمه الله -سبحانه وتعالى- وأفضى إليه بإجاب الصلاة، رأى من آيات ربه الكبرى..

تخيلوا ضخامة الحدث الذي جرى للنبي ﷺ والذي يُفترض أن يكون الإنسان سعيدًا مسرورًا بهذه النعمة الهائلة التي أفضى الله -تبارك وتعالى- بها عليه.

العلماء يتكلَّمون أن جزءًا من الحكمة الإلهية بما يتعلق بحدث الإسراء والمعراج هو التسلية والتسرية عن النبي ﷺ على عقب عام الحزن وعلى عقب تكذيب أهل الطائف له ﷺ. فما بالك يا رسول الله مهمومًا حزينًا؟!

لأن من كمال رحمة النبي ﷺ بمن يدعوهم أنه يعرف أنه رسول الله، وأن واجبًا عليه أن يبلّغ الناس الخبر، وهو مدرك ﷺ ضخامة الخبر، فكيف سيصدّقه الناس؟!

يقدّر الله -عز وجل- لنبيه ﷺ أن أول رجل يمر عليه وهو في هذه الحال هو أبو جهل، فتقول الرواية: "فقال له أبو جهل كهيئة الساخر به"؛ أي أنه يورد عليه السؤال وحقيقة هذا السؤال ومضمونه السخرية بالنبي ﷺ، "يقول: يا محمد هل كان من شيء؟"؛ يعني هل عندك خبر جديد؟ وحي جديد؟ قصة جديدة؟ على هيئة السخرية.

فقال له النبي ﷺ: "نعم"، قال: "وما ذاك؟"، قال: "أُسري بي الليلة إلى بيت المقدس"، ولم يدعه أبو جهل يكمل كلامه فقال: "وأصبحتَ بين ظهرانينا؟!"، فقال النبي ﷺ: "نعم". فقال: "يا ابن أخي"، ولاحظوا تغيُّر اللفظ، فهناك نوع من الخبث ومحاولة المقاربة وتلطيف الأجواء، قال: "يا ابن أخي إن جمعتُ لك قومك تحدثهم بالذي حدثتني به؟"، قال النبي ﷺ: "نعم"، فبدأ أبو جهل يصيح: "يا معشر قريش، يا معشر كعب بن لؤي.."، وجمَّع القرشيين حول النبي ﷺ وقال بخبثه: "يا ابن أخي حدّثهم بالذي حدَّثتني به"، فقال النبي ﷺ ملتفتًا إلى الناس: "إنه قد أُسري بي الليلة إلى بيت المقدس"، ونفس الموقف الذي حصل من أبي جهل فصرخ الجمع: "وأصبحت بين ظهرانينا؟"، فقال النبي ﷺ: "نعم"، تقول الرواية ولاحظوا دَّقة توصيف الصحابي الذي يشهد هذا المشهد: "فما بين ضارب كفًا بكف وما بين واضع يديه على رأسه".

"فما بين ضارب كفًا بكف" كأن لسان حاله يقول أن هذا الرجل قد جُنّ، "وما بين واضع يديه على رأسه" كأنه يقول: ما أكبرها من كذبة!

الشاهد من الرواية والقصة طويلة-: "وذهبت جماعات من الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه، وقالوا له: أما علمت ما يقول صاحبك؟ قال: وما قال؟ قالوا: يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس وأصبح بين ظهرانينا"، لاحظوا أن اللطيف في الرواية أن لا أحد حتى الآن علم بموضوع المعراج، ما زال الاستشكال حول موضوع الإسراء وما يتعلَّق به.

فقال أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه- عبارة منهجية تعبّر عن لب دين الإسلام: "لئن كان قاله فقد صدق"؛ يعني القضية وما فيها عند أبي بكر -رضي الله عنه وأرضاه- ليست بطبيعة مضمون الكلام الخارج من شفتي النبي ﷺ كي يصدقه أو لا يصدقه، القضية التي تهمه هل خرج هذا الكلام من شفتي النبي ﷺ أم لا؟ إن خرج فهو صادق ﷺ، وإلا فقد كُذب عليه. فقالوا له، وهنا موضع الشاهد: "عجبًا لك يا أبا بكر أتصدقه بمثل هذا؟ فقال -رضي الله عنه وأرضاه-: إني لأصدقه بأعظم من ذلك؛ أصدقه بخبر السماء يأتيه في لحظة".

لاحظوا إدراك أبي بكر -رضي الله عنه وأرضاه- لهذه الحقيقة؛ أن هذا القرآن هو أعظم الآيات وأعظم الحقائق التي خاطبنا الله -تبارك وتعالى- بها، والتي كشفت له عن هذا المبدأ العظيم الذي يُفضي بالإنسان إلى التسليم لله -تبارك وتعالى-، وهو الذي أفضى به رضي الله عنه وأرضاه إلى منزلة الصِّديقية. حتى أن ابن القيم في بيان منزلة التسليم في (مدارج السالكين) كان يتحدث أن أكثر الناس صديقية أكثرهم تسليمًا، أن هناك قناة ومعبرًا يُفضي بالعبد إلى منزلة الصِّديقية وهو تمام التسليم.

فكيف تشكَّلت هذه الروح المسلِّمة لله -تبارك وتعالى- المصدِّقة له ﷺ ؟ تشكَّلت في ظل وعيه بهذه الحقيقة الوجودية الهائلة، وهي أن المؤمن حينما يعتقد أن هذا الرب الخالق الرحيم العظيم الكبير -سبحانه وتعالى- قد اتَّصل بعباده بهذا الكتاب ينبغي أن تكون بقية القضايا سهلة، العقل البشري للإنسان إذا استطاع استيعاب مثل هذه الحقيقة الوجودية الكبرى لا ينبغي أن يتوقَّف كثيرًا عند التفاصيل.

من القصص المؤثرة التي قرأتها قديمًا في صحيفة (العالم الإسلامي) لرئيس التحرير واسمه مراد عرقسوس، وكلما أستحضر هذه القصة أشعر بعظيم منَّة الله -تبارك وتعالى- أن وُجدنا في زمان ومكان يستطيع الإنسان منا أن يُفضي إلى كتاب الله -تبارك وتعالى- مباشرة..

تقول القصة، وهي في إحدى قرى جمهورية أوزباكستان -في الاتحاد السوفييتي المسبق-: "أدركتنا صلاة العصر ونحن بالقرب من أحد المساجد فولجنا لأداء الصلاة، وبد انتهائها رأيت المصلِّين يتسابقون للجلوس في طابور طويل يبدأ عند أحد أعمدة المسجد وينتهي عند المدخل"، مشهد غريب!

يقول: "ثم قام إمام المسجد بعد ذلك بفتح صندوق حديدي مثبّت في المسجد وأخرج مصحفًا قديمًا، وبدأ كل واحد في المسجد يقرأ صفحة واحدة من المصحف تحت إشراف الإمام ويغادر المسجد ثم يأتي الذي يليه وهكذا، ثم تبيَّن أن هذا الطابور من المصلين ينتهي عند صلاة المغرب؛ نظرًا لأن هذا المسجد لا يوجد فيه سوى هذا المصحف فقط، وأن جميع المصلين لا يملكون مصاحف خاصة بهم في منازلهم..."!

لما قرأت هذه القصة الحقيقة أذهلتني!، يعني هل يُتصوَّر أنه يوجد مسلم يجد معاناة ليس في مجاهدة نفسه على تلاوة كتاب الله -تبارك وتعالى-، على تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى-، يجد معاناة للوقوف فقط على آياته -تبارك وتعالى-، ونحن نعيش بحمد الله في زمان يستطيع الإنسان أن يُفضي إلى كتاب الله -تبارك وتعالى- بكل سهولة ويسر، إن لم يكن مصحفًا مطبوعًا، حتى الأجهزة الكفيَّة تجد فيها مصحفًا تستطيع الإفضاء إلى كتاب ربك -تبارك وتعالى- مباشرة.

طبعًا بحمد الله -تبارك وتعالى- ومِنَّته نحن نعيش في سياق زمني ثمة نوع من الأوبة والعودة إلى الاهتمام بالنص القرآني، يعني لما أعود بالذاكرة إلى بداياتي في طلب العلم كانت القضية العلمية الشائعة بين طلبة العلم ما يتعلق بعلوم الحديث النبوي، ما يتعلق بالمجال العقدي الفقهي، أما دروس التفسير وكتب التفسير فلم تكن محلَّ حفاوة كبيرة عند جموع غير قليلة ممن هم من أقراني، وأنا منهم، فيما يتعلق بعلوم القرآن الكريم.

بحمد الله -تبارك وتعالى- نحن نعيش في زمان باتت تشكَّل فيه مؤسسات ومراكز بحثية مهمومة بالنص القرآني، ثمة كتابات متعدِّدة من المراكز البحثية الموجودة عندنا في المملكة أنتجت من الكتب المتصلة بتفسير القرآن وعلوم القرآن وما يشتمل ذلك عليه، ربما ما طُبع في الخمس سنوات الماضية أكثر مما طُبع خلال العشرين سنة المسبقَّة عليها.

أنا من أحد الناس الذين إذا أرادوا قراءة (تفسير الحافظ ابن كثير) كانت عندنا طبعة "تجارية رديئة" هي المشهورة، وكانت هناك طبعة نادرة لا يكاد يقف عليها إلا عدد قليل جدًا من طلبة العلم، الآن بحمد الله -تبارك وتعالى- تتحدَّث عن طبعات متعددة جيدة لتفسير الحافظ ابن كثير، وعندنا رموز مشيخيَّة مختصة في مجال القرآن؛ مثلًا عندنا الشيخ مساعد الطيار، والشيخ عبد الرحمن الشهري، الشيخ محمد الخضيري، والشيخ عمر المقبل، وغيرهم من المشايخ المختصين بعلوم التفسير والقرآن الكريم. فبحمد الله تعالى عندنا نوع من الاعتناء الحقيقي بالقضية القرآنية.

من الشخصيات التي وجدت فعلًا أنها بثَّت وعيًا حسنًا فيما يتعلق بالقضية القرآنية داخل المنظومة الفكرية والمعادلات الفكرية، شخصيتان في هذا الزمان؛ أذكرهم كتمثيل وتطبيق، لأن الإنسان يجد أن مشروع القضية القرآنية حاضر في طبيعة الأدبيات والأطروحات التي يقدٍّمانها، رجل من المشرق العربي ورجل من المغرب، شاب وشيخ، حيّ بحمد الله -تبارك وتعالى- ومتوفَّى نسأل الله تعالى أن يرحمه..

  • الشيخ المشرقي أحد الأصدقاء والأحباب المتميزين سواء على مستوى المعارف الشرعية أو المعارف الفكرية، وهو الشيخ إبراهيم السكران -حفظه الله تبارك وتعالى-.

الذي يطالع أطروحات الشيخ إبراهيم السكران فإن عينه لا تُخطئ حجم الاحتفاء الذي يُبديه الشيخ بما يتعلق بالقضية القرآنية، وعلى مستوى المشهد المحلي السعودي هو أحد الشخصيات المركزية التي جعلت للنص القرآني حضورًا متقدِّمًا خاصة بما يتعلق بالوعي الشبابي، بالذات بما يتعلق بالمجالات الفكرية.

له كتاب جميل يعبّر فيه عن التَّنظريات المتعلقة بالخطوط العامة لمشروعه المتعلّق بالقضية القرآنية، عنوان هذا الكتاب: (الطريق إلى القرآن)، وهو بحمد الله -تبارك وتعالى- منتشر وموجود كذلك بصيغة (pdf) في النت[2].

في كتابه (الطريق إلى القرآن) له مقالة مبدعة في الحقيقة من مقالاته، عنوان هذه المقالة معبّر وضروري أن ندركه بما يتعلق بارتباط القضية القرآنية في الفضاء الفكري المعاصر، عنوان هذه المقالة الجميلة: (تطويل الطريق)[3].

ودعوني أقتبس لكم ثلاثة اقتباسات سريعة تعبر عن الروح التي ينبغي أن نكون مستصحبينها بما يتعلق بالقضية القرآنية وصِلتها بالسجال الفكري المعاصر، يقول في كلام لطيف في أول المقالة:

"حين أسمع بعض المفكرين الإسلاميين يتكلمون عن ضرورة مقاومة وتفنيد الأفكار الضالة الجديدة عبر دراسات فكرية موسعة؛ فلا أخفي أنني أحترم تمامًا حرصهم على سلامة التصورات الإسلامية من الاجتياح العلماني المعاصر .. لكنني أرتاب كثيرًا في نجاعة هذا الأسلوب الذي يريدون .. عندي وجهة نظر لكني لا أبوح بها كثيرًا .. لأني أرى بعض المفكرين الإسلاميين يتصور أنها نوع من التثبيط والتخذيل، فلذلك ألوذ بالصمت ..

وجهة نظري هذه بكل اختصار هي أن أمر الانحرافات الفكرية المعاصرة أسهل بكثير بكثير مما نتصور .. فلو نجحنا"، وهنا موضع الشاهد الذي ينبغي للإنسان أن يستصحبه وأن يبث الوعي به لمن حولنا، يقول: "فلو نجحنا في تعبئة الشباب المسلم للإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، ومدارسة معاني القرآن، لتهاوت أمام الشاب المسلم -الباحث عن الحق- كل التحريفات الفكرية المعاصرة ريثما يختم أول (ختمة تدبر)"..

هذا الكلام في الحقيقة بالنسبة لي كلام عظيم وكلام جليل وكلام حق..

 

ويقول الشيخ بعدها في موضع آخر:

"قراءة واحدة صادقة لكتاب الله تصنع في العقل المسلم ما لا تصنعه كل المطوَّلات الفكرية بلغتها الباذخة وخيلائها الاصطلاحي ..

قراءة واحدة صادقة لكتاب الله  كفيلة بقلب كل حيل الخطاب الفكري المعاصر رأسًا على عقب ..".

في آخر المقالة يقول عبارة  جميلة:

" أعطوني ختمة واحدة بتجرُّد أعطيكم مسلمًا سنيًا سلفيًا حنيفًا .. ودعوا عنكم خرافة الكتب الفكرية الموسعة .."

المقالة الحقيقة جميلة، والكتاب في مجموعه جميل.

والشيخ -كما سنبين في نهاية الموضوع- يمارس هذه الوصية عمليًا من خلال كتاباته، وسأذكر لكم تطبيقًا عمليًا يبيّن هذا.

 

  • الشخصية المغاربية: هو د. فريد الأنصاري -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-.

له مجموعة من الكتب ومجموعة من الرسائل، من رسائله رسالة جميلة اسمها: (هذه رسالات القرآن فمن يتلقَّاها؟)[4]، يرسم فيها كذلك ملامح مشروعه بما يتعلق بالقضية القرآنية، وهي من ضمن سلسلة عنوانها: (من القرآن إلى العمران)، فأحد المشاريع الأساسية لهذا الشيخ قضية كيف نستطيع الانتقال بالقضية القرآنية من عالم القرآن إلى عالم العمران، وفق المصطلح القرآني، فالعمران ليس المقصود به العمران الدُّنيوي الحضاري، بل العمران بمفهومه الأشمل: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ ﴾، كذلك يُدخل فيها العمران الديني، مشروع جميل الحقيقة.

وله عدد غير قليل من الكتب الـمُحتَفية بالقضية القرآنية، فعنده هذا وهو الجزء الخامس من من سلسلة (من القرآن إلى العمران) ، وله سلسلة (مجالس القرآن).

فكلا الشخصيتين مشكورين قد قدَّم منتجًا جيدًا فيما يتعلَّق بالقضية القرآنية وصِلة هذه القضية القرآنية بفضاء الفكر المعاصر، وكيف يستطيع الإنسان أن يعالج كثيرًا من الإشكاليات الموجودة في هذا الفضاء في ظل النص القرآني.

طبعًا الموضوع اليوم بإذن الله -تبارك وتعالى- السؤال المركزي والأساسي: كيف نستطيع أن نجعل من النص القرآني مصدرًا حقيقيًا في بناء تصوُّراتنا، قناعاتنا، عقائدنا، أفكارنا؟

كيف يستطيع الإنسان في ظل النص القرآني أن يرتب أولويات المشروع الإنساني؟ وأن يحدّد موقع الحضارة المدنية المعاصرة في ظل الخارطة الإسلامية، وكيف يستطيع الإنسان أن يجيب على سؤال العلاقة بين الدنيا والآخرة، وأهم السؤالات المتعلقة بالفضاء السياسي الفكري التي يستطيع الإنسان أن يستجلب جواباتها من النص القرآني.

عندنا مجموعة غير قليلة من الدعاة، من السؤالات الفكرية المعاصرة كيف يستطيع الإنسان أن يستعرضها على سير وقصص الأنبياء المحكيَّة في القرآن للتفتيش عن جوابات هذا السؤال.

الإمام الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود له عبارة في الحقيقة جدًا جميلة، وهي الرُّوح التي يجب أن نستصحبها في خلال هذا الموضوع، يقول: "إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين[5]".

هذا الدرس هو سعي لمحاولة استكشاف بعض الأدوات التي نستطيع من خلالها أن نُثير النص القرآني؛ لأني وجدت أحد الإشكاليات العميقة التي تتعلق بموضوع تدبر القرآن الكريم، لا أخفيكم أنني حضرت عددًا غير قليل من الدروس العلمية التي تتعلَّق بموضوع تدبر القرآن الكريم، وكانت المعاناة التي تصادفني دائمًا هو أنني لا أستطيع ممارسة هذا الدور عمليًا، يعني أكون مشحونًا إيمانيًا بالرغبة بممارسة هذا الدور وهذا الفعل على الناحية الفعلية العملية لكن أجد نفسي غير قادر على الممارسة العملية.

دعونا نمثّل مدلول هذه المسألة بمسألة أخرى شهيرة وقريبة، ودعنا نقل أنها تمّثل الصورة الأخرى من العمدة -كما يقال-، أذكر أنني حضرت مع بعض الزملاء وحضرت العديد من الدروس بما يتعلق بعبودية التفكر؛ كيف يتفكَّر الإنسان بخلق الله -تبارك وتعالى-، كيف يُفضي الإنسان إلى التعرُّف على عظمة الله -تبارك وتعالى-، على كمال حكمته، كمال علمه -تبارك وتعالى-، من خلال تأمل العبد بمخلوقاته -تبارك وتعالى-.

وكان يتأثر الإنسان حين يقرأ أو يسمع قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ..﴾ الآيات، يتأثر الإنسان، ويتأثر أكثر حين يسمع الخطاب النبوي: "ويل لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها".

يستشعر الإنسان أنه ينبغي أن يمارس هذه العبودية..

أذكر أني كنت مع جمع من أصحابي في البرية، فألقى أحد الإخوة كلمة طيبة عن عبودية التفكر، وساق بعض الآثار السلفية الشهيرة: "لئن أتفكر ساعة أحب إليّ من قيام ليلة"، وشحن النفوس بما يتعلق بهذه العبودية، لا أخفيكم أننا لما انتهينا من الدرس تنحَّيت جانبًا قليلًا، وأبعدتُ في ظلمة الليل، وجلست أنظر للسماء وأنظر للقمر وأنظر إلى النجوم ساعيًا لأن أمارس عبودية التفكُّر.

المعاناة التي واجهتها أني جلست أتأمل في وجه القمر -كما يقال- وبدأت أعصر مخي أريد أن أتفكَّر، وأريد أن أتفكر وأشعر بالشعور الإيماني الناتج في ظل تأملي في خلق الله -تبارك وتعالى- ما أخفيكم أني في النهاية شعرت أني لا أعرف كيف يمكن أن أمارس هذه العبادة.

بالنص القرآني نفس الإشكالية، أذكر أني مرة في المرات قرأت في الموضوع فقلت بإذن الله -عز وجل- سأختم القرآن ختمة تدبرية، ففتحت المصحف وبدأت أتلو كتاب الله -تبارك وتعالى-، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ وبدأت أسترسل في القراءة، فوجدت أنه ليس هناك فارق موضوعي حقيقي بين هذه التلاوة وبين فكرة التدبر، فلست أعرف كيف أتدبر كتاب الله -تبارك وتعالى-.

فالأزمة التي تتشكَّل وأظن أنها تحتاج نوعًا من أنواع المعالجة وعلى المختصين أن يوعُّوا الناس بها؛ كيف يستطيع الإنسان عمليًا أن يمارس هذه العبودية؟ هل بإمكان الإنسان أن يتملَّك بعض الأدوات المعينة التي يستطيع من خلالها فعلًا أن يُفضي إلى التدبر؟

بإذن الله -تبارك وتعالى- درسنا اليوم هو سعي بما يتعلق بهذه القضية.

 

مسألة تدبر القرآن الكريم ليست من القضايا الثانوية الهامشيَّة في علاقة المسلم بالقرآن الكريم، بل هي أحد أنماط التعبُّد التي أمرنا الله -عز وجل- بها حيال كتابه -تبارك وتعالى-؛ ثمة عبادة تلاوة القرآن الكريم، وحفظ القرآن الكريم، وكذلك التدبر من العبوديات التي ينبغي أن يمارسها المسلم مع كتاب ربه -تبارك وتعالى-.

إحدى القضايا السِّجالية في الإطار الفقهي: أيهما أفضل أن يتكثّر الإنسان من عدد الآيات وإن قلَّ من التدبر عنده، أم يتكثَّر الإنسان من تدبر كتاب ربه -تبارك وتعالى- وإن قلّت الختمات؟

المسألة جدلية في الإطار الفقهي، والطريف في الموضوع أني وجدت أن هذه المسألة في حقيقة الأمر أحد فروع القواعد الفقهية محل الجدل والسجال التي أفرزت الجدل في هذه القضية وغيرها من التنظيرات الموجودة في المجال الفقهي. يعني لما كنت أقرأ في كتاب (القواعد) لابن رجب -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- فوجئت أنه وضع عنوانًا فيما يتعلق بهذه القضية، ثم بنى على هذا الأصل من اختلاف الفقهاء في الإسلام من الأحكام التعبدية الكثيرة، تجد بعض العلماء يفضّل أن يكثر الإنسان من عدد الركعات على تطويلها، والبعض الآخر يفضل تطويل عدد الركعات وإن قلَّت.

مثلًا تكثير الصدقة على سبيل المثال من جهة الأفراد والأعيان على حساب الجودة وإن قلَّت، فتجد أن هناك رؤية موجودة في الإطار الفقهي، وفي النصوص الشرعية ما يخدم هذه الضفة وتلك الضفة، مثلًا النبي ﷺ يقول: "من قرأ حرفًا من كتاب الله كتب الله -تبارك وتعالى- له بكل حرف حسنة، لا أقول (الم) حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف"، وبالتالي تكثُّر المسلم من قراءة أحرف كتاب ربه -تبارك وتعالى- مما يصب في حسناته.

بمقابل في آيات أُخر تدل على أن من حكمة الله -تبارك وتعالى- من تنزيل هذا الكتاب هي أن يُتدبَّر؛ يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾، ويقول الله -عز وجل-: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾، ويقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾؛ وبالتالي الأداة التي يستطيع الإنسان أن يتوثَّق بها من صحة هذا النص القرآني أن يُتدبَّر؛ فيُنظر هل ثمة اختلاف داخلي في هذا القرآن؟ هل ثمة اختلاف بين القرآن والحقائق القطعية الموجودة في الخارج؟ فإن انتفت هذه وتلك فإنه يدل صدقًا على أنه من عند الله -تبارك وتعالى-.

بل تدبر القرآن يعطي الإنسان إطلالة على منسوب قلبه الإيماني وإدراك وضع قلبه، كما يقول الله -تبارك تعالى-: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾، وبالتالي فأنت حين تريد أن تدرك موضع قلبك في مجال الإيمان ففتِّش عن تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى- في حياتك.

وأحد التمثيلات الجميلة التي ساقها الإمام ابن القيم كحل لهذه القضية في (مفتاح دار السعادة)، يقول: "مثل الإنسان الذي يتكثَّر من تلاوة كتاب ربه -تبارك وتعالى- دون أن يتدبَّره كمثل رجل تصدق بدنانير كثيرة، ومثل الذي من قلَّل قراءته متدبرًا كمثل من تصدق بجوهرة عظيمة، فقد تكون الجوهرة العظيمة تربو على الدنانير الكثيرة، وقد تربو الدنانير الكثيرة على تلك الجوهرة المتصدَّق؛ بها بحسب طبيعة ونمط ذلك التدبر".

فهذه أحد المخارج، وحقيقة أظن أن الجدل الطويل حول هذه الحقيقة لا يفيد كثيرًا؛ لأنه لا تعارض حقيقة بينهما، فأعتقد أنه بإمكان المسلم أن يجمع بين التكثُّر من تلاوة كتاب ربه -تبارك وتعالى- بحيث تتعزَّز هذه العلاقة مع القرآن الكريم، مع مراعاة أن يكون للإنسان حظ في تدبر كتاب ربه -تبارك وتعالى-.

من العبارات العجيبة التي ذكرها الإمام الوزير ابن هُبيرة -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، وذكرها الإمام ابن رجب في (ذيل طبقات الحنابلة)، وهي تأخذ في سدّ أحد منافذ الشيطان على المسلم حين يريد ممارسة هذه العبودية، وتأملوا في دقة المتقدّمين في استِرواح طبيعة النفس البشرية، يقول: "من مكائد الشيطان تنفيره عباد الله من تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول -أي الشيطان للإنسان-: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعًا"؛ يعني أحد المداخل التي يمكن أن ينفذ من خلالها الشيطان للإنسان، كما قال الصديق -رضي الله عنه وأرضاه-: "من أنا لأقول بكتاب الله ما لا أعلم".

فأحد المداخل التي ينبغي على الإنسان أن يتفطَّن لها أنه قد يدخل عليه داخل من الشيطان بتصنُّع التورع عن تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى-.

فكيف يستطيع الإنسان أن يحسم مادة الجهل؛ لأنه قد يقع الإنسان في مطب وإشكال حقيقي بأن يُفضي الإنسان إلى القرآن مباشرة من غير أن يكون مُهيَّأً لممارسة هذه العبودية؟

إذا استحضر الإنسان أن الله -تبارك وتعالى- يطلب من العبد أن يتدبر كتابه فينبغي أن يُعدَّ عدَّة هذا التدبر، وسنذكر في ثنايا الموضوع ما يكشف عن هذه المسألة. ولكن من أراد معالجة ما يتعلق بهذه الإشكالية والشبهة تفصيلًا أنصحه بكتابين:

  • الكتاب الأول: تعرَّض لها د. فريد الأنصاري في كتابه (هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها؟)، أورد الإشكال الذي قد يطرأ في النفس وحاول الإجابة عليه.
  • والشيخ مساعد الطيار في كتابه الذي طُبع وجُمعت فيه رسالات الشيخ ومقالاته، أورد أحد السؤالات المتعلقة بهذه القضية وقدَّم جوابًا حسنًا مطولًا عليه[6].

 

ولكن زبدة الكلام نذكرها من خلال عبارة للإمام الطبري -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، تقول هذه العبارة: "إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يتعلَّم تأويله كيف يلتّذُّ بتلاوته!"؛ باب التدبر في حقيقة الأمر يبتدئ بالخطوة الأولى بتفسير القرآن الكريم.

الإمام الطبري يقول: "إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يتعلَّم تأويله"؛ أي تفسيره، "كيف يلتّذ بتلاوته"؛ كيف يستطيع العبد المؤمن أن يتلذَّذ بتلاوة كتاب الله -تبارك وتعالى- ما لم يكن مدركًا لتفسير هذا الكتاب العزيز؟!

 

درسُنا اليوم بإذن الله -عز وجل- يدور حول أداة واحدة، آلية معينة يستطيع الإنسان أن يُفضي من خلال قوة هذه الأداة والآلية إلى فعل حقيقي من تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى-. وحين تنبّهت إلى هذه القضية باتت تلاوتي لكتاب الله -تبارك وتعالى- مختلفة تمامًا، وقُلبت علاقتي بالنص القرآني -كما يقال- رأسًا على عقب، الأداة باختصار شديد هي: أداة التساؤل والاستشكال.

Ü أداة التساؤل والاستشكال

ودعونا نقسِّم كيفية إعمال هذه الأداة على ثلاثة مستويات:

  • المستوى الأول: تدبر القرآن على مستوى المفردة القرآنية.
  • المستوى الثاني: تدبر القرآن على مستوى التركيب والجملة القرآنية.
  • المستوى الثالث: الإفضاء إلى عوالم العلوم القرآنية.

ودعونا نتوقَّف مع كل واحدة منها وقفة حتى يدرك الإنسان كيف يوظّف أداة التساؤل في خدمة فعل التدبر، وتسهيله ابتداءً[7].

 

¬ تدبر القرآن الكريم على مستوى المفردة القرآنية كيف يكون؟

أحد المباحث في علوم القرآن الكريم ما يُعبَّر عنه بـ(غريب القرآن الكريم)، يعني كثير من المسلمين حين يفضي إلى كتاب ربه -تبارك وتعالى- تاليًا له يتعرَّض لبعض المفردات التي لا تنتمي للقاموس المعجمي المعاصر، ليست في محل التداول المعاصر، بمعنى آخر لو قرأ جملة عريضة من المسلمين وقمنا بعملية للاختبار على سبيل المثال وقلنا ما معنى قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾؟ ما معنى (الفلق)؟ أنا أزعم أم كثيرًا من المسلمين سيكون جاهلًا بمدلول كلمة (الفلق).

ويقول الله -عز وجل- بعدها: ﴿ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾، أنا أظن أن (غاسق إذا وقب) هذه مُهلكة -كما يقال-، ما معنى غاسق؟ وما معنى وقب؟

ويقيس الإنسان نماذج متعددة في القرآن الكريم؛ ﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ﴾ مثلًا.

بالنسبة إليّ مقام الجهل بمدلول هذه الألفاظ القرآنية ليس إشكالًا، هذه وضعية طبيعية تمامًا، ولذلك العلماء لاحظوا هذه المسألة فوضعوا مؤلفات وكتبًا من أجل معالجة هذه الإشكالية، فهذه قضية طبيعية وليست محلَّ إشكال.

لكنَّ الـمَعيب بالمسلم حينما يتلو كتاب ربه -تبارك وتعالى- فتمرّ به هذه الألفاظ الغربية عليه أن لا يتفجّر في نفسه السؤال: ما معنى هذه الكلمة؟

فهنا قوة أداة السؤال؛ حين تقرأ القرآن مستحضرًا أداة التساؤل لا يكون تعاطيك مع القرآن الكريم مبنيًا على فكرة "الزحلقة"؛ بمعنى أن تقرأ: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾، كأنك تتبرَّك بجريان هذه الألفاظ القرآنية على لسانك، بل عندما تقرأ: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ من الضروري أن تتوقَّف وتسعى لمعرفة معنى هذه المفردة.

من التجارب التي مررت بها حين كنت أمارس هذه القضية، كان عندي كتاب من كتب غريب القرآن الكريم فكنت أرجع إلى الألفاظ القرآنية، لكن وقعت في مأزق وإشكال عظيم؛ يمرُّ عليَّ اليوم واليومان والأسبوع والأسبوعان والشهر، ثم لما أُفضي مرة أخرى إلى تلاوة كتاب الله -تبارك وتعالى- بعد أن حللت أزمة المفردات القرآنية أُفاجَأ بأنني حين تعرِض عليَّ اللفظة مرة ثانية أنسى ما معنى هذه الكلمة التي طالعت وحاولت أن أتعرف على معناها!

إحدى المعالجات التي مارستها شخصيًا ووجدتُ أثرها، بل أثرها فيمن حولي ممن نصحت بهذه القضية فشكرني على هذه الفكرة؛ أني كنت حين تعرض لي كلمة لا أعرف معناها أقيّد هذه الكلمة في دفتر خاص بي ثم أُفضي إلى كتاب متعلّق بالمفردات القرآنية أو غريب القرآن الكريم، وكان الكتاب الذي انتقيته لنفسي لممارسة هذه القضية كتاب (مفردات غريب القرآن) للراغب الأصفهاني[8].

طبعًا عندنا في علوم القرآن كتب (غريب القرآن) وهي الكتب التي تضم الألفاظ التي يستشكل معناها على كثير من الناس. كتاب (المفردات) ميزته أنه لا يترك لفظة قرآنية دون أن يقدّم تفسيرًا لها، ومن العجائب التي تدل على سعة علم واطلاع وعناية وتحرير الإمام؛ أن الذي فات الإمام الراغب الأصفهاني من كل الألفاظ القرآنية ربما ستة ألفاظ فقط التي تم التَّعقُّب عليه بأنه نسي أن يحررها في كتابه، وحررها محقق الكتاب، وأفضل طبعة هي طبعة دار القلم.

فالذي كنت أفعله أن أرجع إلى (مفردات القرآن) للراغب الأصفهاني فأقيد المعنى الذي ذكره الراغب لتلك اللفظة ثم أُديم النظر في هذا الدفتر، لأني صنعت لنفسي دفترًا هو من قبيل غريب القرآن بالنسبة إلي. فالكتب المؤلَّفة في مجال غريب القرآن هي عمليًا محاولة أن تستصحب ما الذي ينبغي أن يوضع مما يستشكله جموع الناس، لما تقرأ كتب غريب القرآن تدرك أن ثمة ألفاظًا قرآنية كثيرة جدًا تعرف معناها وليس عندك إشكال فيها، والقليل منها هو الذي تحتاج أن تُفرده بالبحث بجهة خاصة.

فميزة هذا الدفتر وإدامة النظر فيه هو الذي يعبر عن مراتب الإشكال الذاتية المتعلقة بك، فبالتالي يستطيع الإنسان فعلًا أن ينقل نفسه نقلة نوعية في تثبيت مثل هذه الألفاظ القرآنية.

والخطوة الأولى أن يفضي الإنسان إلى تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى-، ثم يفضي إلى ما يتعلق بإدخال النص القرآني كحل لمعضلات وإشكالات فكرية عبر معرفة معاني كتاب الله -تبارك وتعالى-. والخطوة الأولى تبدأ بالمفردة القرآنية.

وهناك كتب متعدّدة في غريب القرآن بالمناسبة، ومن الكتب التي أعجبتني حقيقة كتاب (السراج في غريب القرآن) للشيخ محمد الخضيري، والكتب متعددة وكثيرة جدًا وأظن أن أي كتاب بالجملة يُغني، ولكنني لا أنصح كثيرًا بمجرد معاودة النظر فيها، ولا أنصح أكثر بالمصحف الذي يكون لفظ غريب القرآن موجودًا على هامشه؛ لأني وجدت بالتجربة أن هذه المعاني تتفلَّت بالعادة كما تتفلَّت الجمل من عُقلها..

 

¬ المستوى الثاني من التدبر: هو تدبر القرآن الكريم على مستوى الجملة القرآنية، على مستوى التركيب، على مستوى السِّياق..

أحيانًا تمر بآيات قرآنية هذه الآيات القرآنية على مستوى مفردات ألفاظها لا تمثّل مشكلة، لكن منطقة الإشكال الذي تمثله هي على مستوى التركيب، بعض الآيات القرآنية حين تتلوها يُفترض أن يتفجر في نفسك السؤال: ما الذي أراده الله -تبارك وتعالى- حين ساق هذا الكلام؟

ونذكر مثالًا عمليًا طريفًا، يدل على حالة التكاسل، ثم يتنبه الإنسان إلى ضرورة أن يتشجَّع ويتجاسر أن يتقحّم لمعرفة كلام ربه -تبارك وتعالى-، فينبغي أن يمارس هذا الدور..

من طفولتي حين كنت أقرأ القرآن الكريم كانت تعرض لي آية معينة فكنت أستشكل معناها ولا أعرفه، فكانت تسبب لي إشكالًا ومع ذلك كان الإنسان يتجاوزها عجلًا، يقول الله -عز وجل-: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾؛ أين موطن الإشكال في هذه الآية القرآنية؟

موطن الإشكال الذي كان يتفجَّر في نفسي حين أقرأ قول الله -عز وجل-: ﴿ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾، (لم يتسنَّه) أي لم يتغيَّر، الله -عز وجل- يحكي قصة وهذه القصة تُنسب لعُزير أنه مرَّ على قرية فوجدها ميتة خاوية على عروشها، فتعجَّب من عظيم قدرة الله -عز وجل- فقال: ﴿ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾؟!

فالله -عز وجل- يريد أن يبيّن لعبده عزير أنه قادر على ذلك وأنه قادر على ما هو أبلغ منه، ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾، قال له: كم لبثت؟ فقال الرجل: لبثت يومًا أو بعض يوم، والإنسان النائم يدرك هذه الإشكالية، يعني أحيانًا تنام وحين تستيقظ لا تستطيع أن تدرك الفاصل الزمني وتقدّر الأزمان المتعلّقة بحالة النوم، فقال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾.

الله -عز وجل- يريد أن يُبيِن لعبده أن حقيقة الأمر أنه لم يلبث يومًا أو بعض يوم، قال له: ﴿ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ﴾، تريد دليلًا على أنك لبثت مائة عام؟ ﴿ فَانْظُرْ ﴾؛ والفاء كما يقول العلماء أنها تتضمن معنى التعليل، ﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾، طيب الآن عدم تغير الطعام والشراب هل يدل على أن عزيرًا لبث مائة عام أم لبث يومًا أو بعض يوم؟ يومًا أو بعض يوم؛ يعني المفروض العزير لما ينظر إلى هذا يقول: يا رب هذا يؤكد كلامي!.

فلا أخفيكم أني كنت أستشكل هذا، لكن سبحان الله كنت على العادة الجارية، أن يقرأ الإنسان ويمضي. بعد ذلك لما أراد الإنسان أن يمارس فعلًا هذه العبودية سوف يتوقَّف عند هذه القضية، ويحاول أن يفتّش في كتب التفسير عن حلّ لهذه الإشكالية.

مما وقفت عليه من الأشياء الطريفة؛ الإمام محمد بن علي الشوكاني عنده (مجموعة الأعمال الكاملة) طُبعت حديثًا بحمد الله -عز وجل-، من ضمنها رسالة خصَّصها لتفسير هذه الآية القرآنية وذكر في أثنائها أن هذه الآية أَشْكَل آية قرآنية موجودة عند المفسرين، فقلت الحمد لله يعني من طفولتي الاستشكال الذي عندي وارد على ألسنة أهل العلم، وبحمد الله وعبر التجربة لم يطرأ لي سؤال يتعلق بالنص القرآني إلا وجدت إجابته في كتب التفسير، فما استطعت بحمد الله أن أبتكر شيئًا معينًا لم يقف عليه أحد.

لما رجعت إلى كتب التفسير ذكروا جملة من المعاني، من المعاني اللطيفة التي ذكروها ربط مدول هذه الآية القرآنية بآية قرآنية أخرى تكشف عن شيء من المقصود، وهي قصة موسى -عليه الصلاة والسلام- حين كان في محادثة ربه -تبارك وتعالى- في الطور، يقول الله -عز وجل- مخاطبًا موسى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾، طيب هذا السؤال الرباني لموسى -عليه الصلاة والسلام- هل باعثه وغرضه استكشاف ما بيد موسى؟ أن الله لا يعلم ما بيد موسى؟ قطعًا أن الله -عز وجل- من كمال علمه يدرك ما بيد موسى أكثر من إدراك موسى لهذه القضية.

فقال موسى -عليه الصلاة والسلام-: ﴿ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴾، فالعلماء تحدَّثوا عن الحكمة الإلهية من سؤال موسى هذا السؤال، فبعض العلماء تعدَّدت جواباتهم، وبعض الجوابات لطيفة، لكنها لا تبدو أنها هي المكافئة للمقصود، وبعضها إجابات تبدو أقرب للتعبير عن حقيقة ما جرى.

فبعض الإجابات اللطيفة والتي تدل فعلًا على أنه حصل جزء من الغرض بهذه القضية أن الله -عز وجل- قصد بذلك الإيناس؛ أن هناك حدثًا عظيمًا بمخاطبة الله -عز وجل- لعبد موسى -عليه الصلاة والسلام-، فأحب الرب أن يُؤنس عبده فيأخذه في قضية جانبية -كما يقال-، فقال: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾، فتلقَّى موسى ذلك الإيناس الرباني وقال: ﴿ هِيَ عَصَايَ ﴾، ما هو الجواب المفترض من موسى -عليه الصلاة والسلام-؟ أن يقول: (هي عصا)، حتى قوله: (هي عصاي) فيه قدر زائد لأنه لم يُسأل عمَّن هو مالك تلك العصا.

فقال: ﴿ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴾، فتخيلوا هذا المقام العجيب لهذا الرجل الذي يخاطب الله -عز وجل- فأحب أن يطوّل هذا الكلام والمخاطبة وما أحب أن ينتهي الموضوع سريعًا، هذا أحد الأوجه.

لكن الوجه الذي أعتقد أنه الأقرب لمكاشفة المقصود؛ أن الله -عز وجل- يريد أن يُقرِّر عبد موسى -عليه الصلاة والسلام- بأن التي في يده هي عصا، كما يقال: بكامل قواه العقلية، لماذا؟ لأنه بعد قليل سيقول له الله -تبارك وتعالى-: ألقِها، فإذا ألقاها ستتحول إلى ثعبان.

فالآن تخيلوا لو أن الله -عز وجل- قال له: ألقِها، فألقاها فتحوَّلت لثعبان أو حية، قد يتسرَّب إلى وهمه أن التي كانت في يده ابتداءً حية، ولكن الآن يسأله ما في يدك؟ فينظر إليها ويقول هي عصا، فيكشف الله -تبارك وتعالى- له عن كمال قدرته فيأمره أن يلقيها فتتحوَّل إلى حية، فيدرك عظيم قدرة الله -تبارك وتعالى-.

بعض العلماء يستلهم من هذا المعنى جوابًا فيما يتعلق بهذه القضية؛ أنه لم يكن مقصود الرب -تبارك وتعالى- مجرَّد بيان كمال قدرته على المستوى الذي يُجيب به مباشرة على سؤال عزير، بل يريد أن يكشف له عن قدرته الأعظم مما يتخيَّل؛ يقول له: ﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾، ثم اقلب رأسك إلى الناحية الثانية وانظر إلى الحمار وقد تحلَّل وتغيَّر وأصبح عظامًا بالية.

والآن تخيلوا أيهما أبلغ في الكشف عن القدرة الإلهية؛ كون الطعام تغير أو تحجَّر أو تعفن، لأن أصلًا بقاء الطعام مائة عام سيفسد بالكلية، أيهما أبلغ أن يحصل تغير في الطعام وتغير في الحمار؟ أم أن الله -تبارك وتعالى- لم يحافظ على عزير فقط بل حافظ عليه وعلى طعامه؟! تريد أن تستدل على عظيم قدرة الله -عز وجل- فانظر إلى الحمار.

لاحظوا اللقطة أنه لما يقلّب النَّظر بين الطَّرفين يستكشف فعلًا أن الله -عز وجل- استطاع أن يحافظ على ما يتعجَّل إليه سريان الفساد، وحال الحمار في الطرف المقابل، فهذا يكشف عن المقصود.

 

كيف يتوصَّل الإنسان إلى عظيم المعاني المتعلقة بهذا؟

بات الإنسان يتصور قدرة الله -تبارك وتعالى- تصورًا مختلفًا عما أفضى إليه في الآية ابتداءً، صار لديه انطباع مختلف تمامًا، كيف تخلَّقت هذه الحالة؟ من خلال فرض أداة السؤال.

بعض الزملاء لما طرحت هذه الفكرة ابتداءً كانوا يستكشلون؛ يقولون: كيف يليق للإنسان أن يستشكل ويتساءل؟

والفكرة -حتى لا يُساء فهمها- ليس الغرض من السؤال هو معارضة النص القرآني، بل المقصود هو استكشاف عظمة النص القرآني، يعني باعث السؤال هو اعترافٌ بفقر العبد وعجزه أن يعرف عظمة هذا الكلام، فيريد أن يستكشف عبر أداة السؤال ما هو المعنى العظيم الذي جعله -عز وجل- في هذا النص.

وبالمناسبة هذه الممارسة موجودة عند السلف الصالح، سواء في زمن النبوة أو بعده، وخذ من الأمثلة الآيات المستشكِلة التي مارسها سلفنا الكرام، الإمام التابعي الجليل عروة بن الزبير -رضي الله تعالى عنه- يحاور خالته أم المؤمنين عائشة، فيقول لها مُستشكِلًا قول الله تعالى -وهو فعلًا يفرض إشكالًا-: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، ما وجه الاستشكال في هذه الآية؟

ما حكم السعي بين الصفا والمروة؟ إما أنه واجب أو ركن، وإذا تخفَّفنا نقول أنه مستحب. ما مدلول الآية القرآنية على حكم السعي بين الصفا والمروة؟ ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾؛ قد يتوهَّم الإنسان أنه مباح، بل قد يتوهَّم أن تركه أولى؛ لأنه يقول: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ﴾ كأنه يقول: المفترض ألَّا تسعى بين الصفا والمروة ولكن إن عزمت على السَّعي بين الصفا والمروة فلا جناح عليك. ممكن أن يتوَّهم إنسان هذا التوهم.

فعروة بن الزبير توهَّم هذا التوهم –رضي الله عنه وأرضاه-، قال: "ما أظن بمن ترك السعي بين الصفا والمروة بأسًا"، ولاحظوا أنه لم يبتدِر مواجهة الناس والفُتيا به، بل واضح أنه كان يستشكل هذا المعنى، فبسبب سطوة المنهج الفقهي الموجود لم يستطع أن يستخرج هذه القضية فأفضى بهذا الاستشكال إلى عائشة -رضي الله عنها-، قالت العالمة الصِّديقة بنت الصّديق: "بئسما قلت يا ابن أخي"؛ فالاستشكال وجيه لكن الاستنباط غير وجيه.

تحكي عائشة قصة نزول هذه الآية أن الأنصار في جاهليتهم كانوا يعظّمون صنمين: إيساف ونائلة، إيساف موجود على الصفا ونائلة موجود على المروة، فكان سعيهم بين الصفا والمروة في حقيقة الأمر تعظيمًا لإيساف ونائلة، فدخلوا في الإسلام، وحجُّوا مع النبي ﷺ فوقع في نفوسهم حرج كيف نفعل ما كنا نفعله في جاهليتنا؟

فأخبرهم الله -عز وجل-: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ وليس من شعائر إيساف ونائلة، ﴿ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ﴾ فلا ينبغي أن يقع في نفسه حرج من السَّعي بينهما لأنه يسعى بين شعائر الله -عز وجل-.

لاحظ أن سياق سبب النزول يكشف للإنسان مراد الله -عز وجل- ويحل الإشكال.

موطن الشاهد أن هذه الممارسة -ممارسة السؤال والاستشكال- هي ممارسة سلفية، بل ممارسة أرَّها بها النبي ﷺ كما في الحديث المشهور عن حفصة -رضي الله عنها وأرضاها- أن النبي ﷺ لما قال: "والله لا يلِجُ النار أحد بايع تحت الشجرة"، قالت -رضي الله عنها وأرضاها- : "أليس الله -عز وجل- يقول: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾؟"، فقال ﷺ :"إنما ذلك المرور على الصراط"؛ فالآية لها صلة بالمرور على الصراط ولا صلة لها بقضية دخول النار ضرورة.

عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- لما سمعت قول النبي ﷺ : "من نُوقش الحساب عُذِّب"، فقالت عائشة -رضي الله عنها وأرضاها-: "أما يقول الله -تبارك وتعالى- : ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾؟" فكيف الحساب اليسير وكل من نوقش الحساب عُذِّب؟ فقال: "إنما ذلك العرض"؛ فالمحاسبة المقصودة في الآية هي مجرد عرض صحائف الأعمال، فإذا عُرضت على العبد فقط وغفر الله -عز وجل- للعبد وتجاوز عنه وغفر له وستر عليه في الآخرة كما ستر عليه في الدنيا ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾.

يقول النبي ﷺ : "من نوقش الحساب" يعني بدأت المجادلة والمسجالة والأخذ والرد، فمصيره أنه سوف يُعذَّب.

الشاهد أنه فعل يُفرض أن يكون طبيعيًا، ولا يستصحب الإنسان نوعًا من أنواع التَّخوُّف فضلًا عن التثاقل من ممارسة هذه العبودية؛ التساؤل طلبًا لمعرفة عظمة كلام الله -تبارك وتعالى-.

والآيات بالمناسبة متعدّدة وكثيرة جدًا، فقط أذكر نماذج دون تقديم الجوابات التفصيلية عليها:

يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾، استيأس الرسل من ماذا؟ وهذا يجعل هناك نوعًا من الإشكال كيف ييأس الأنبياء والرسل من روح الله؟ هذا جزء من الإشكال.

لكن الإشكال الأكبر لاحظ في قوله -تبارك وتعالى-: ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ﴾، ما معنى أنهم (قد كُذِبُوا)؟ لو أنه قال: (كُذِّبوا) لفهمنا أن قومهم كذَّبوهم، ولكن ما الفرق بين القضيتين؟ هناك فرق بين الكذب والتكذيب.

﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ﴾: مشتقّ من (الكذب)، طيب من الذي كذب عليهم؟ المفروض من فهم اللغة العربية أن يصل الإنسان إلى إشكال؛ هل يمكن أن يصل الأنبياء والرسل إلى حالة يتوهَّمون فيها أن الله -عز وجل- قد كذب عليهم؟! فهذا إشكال.

ولذا من الاشياء الطريفة، وهذه في كتب التفسير هناك جدال طويل حولها، أن عبد الله بن مسعود جاءه رجل يسأله عن هذه الآية فقال -والله أعلم بما كان يريده ابن مسعود-، قال: "هي التي تكره"، لكن الأظهر والله أعلم ذُكرت عدة أشياء، عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- لما عرضت عليها تأولتها بمعنى القراءة الأخرى: (وظنوا أنهم قد كُذِّبوا)، كجزء مما يتعلق بالحال.

وبعضهم قال أنه انتقال من الخطاب، أنَّ الذين ظنوا هم أتباع الرسل أنهم قد كُذبوا من قبل الرسل، فيدل على هذا المعنى، والشاهد هناك نقاش، وهذا موطن القضية، وليس الغرض الآن تفصيل الكلام حول كل آية، إنما مثال: كيف يستطيع الإنسان أن يدرك معاني كلام -عز وجل- وأن ينقل القرآن إلى لب ما يتعلق بمجال تأسيس وتأصيل الفكر العقدي؟

بالخطوة الأولى: بأن يتفهَّم كتاب الله -تبارك وتعالى-، والذي يُفضي بالعبد إلى ممارسة هذه القضية ممارسة السُّؤالات أثناء تلاوته له.

أذكر أننا كنا مجموعة من الزملاء كنا نتدارس في حلقة، وكان جزء من الحلقة تفسير، وأحد الزملاء -جزاه الله خيرًا- كان يقدّم لنا تفسيرًا ملخصًا، سبحان الله أثناء تلاوتنا للقرآن مررنا بسورة الجن، واحد من الإخوة رفع يده سائلًا -جزاه الله خيرًا- وفعلًا كلنا خطر ببالنا ذات الإشكال، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾، فالذي حصل أن الأخ رفع يده وطرح السؤال الآتي: هل يناسب أن تكون نعمة السُّقيا موضع ابتلاء وفتنة؟

يعني الله -عز وجل- يقول: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ﴾ ما معناها؟ دعنا نفسرها على المعنى الدَّارج؛ أي استقام الكفار على طريقة أهل الحق لأنعم الله -عز وجل- عليهم وكافأهم بسُقيا غدقًا. فهل يناسب بعدها أن يقول الله -عز وجل- : ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾؟ أي نجعل سقيا الماء -التي يُفترض أن تكون نعمة على اهتدائهم- فتنة وابتلاء، فإن هم أطاعوا بحمد الله -عز وجل-، وإلا ﴿ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ﴾؟

الآن تخيل لو قيل لك أن الله -عز وجل- سينعم عليك بنعمة مكافئة على إيمانك، فإن قصَّرت بواجب شكره فسوف يعذبك، فممكن أن يختار العبد فيقول: لا داعي للنعمة، نتجاوزها أفضل، كان المظنون أن الله -سبحانه وتعالى- لما أراد أن يرغّب عباده بالإيمان به قال: ﴿ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ لكن لما يقول بعدها: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ﴾ الآن هذه ليست نعمة هي فتنة ابتلاء واختبار، قد يؤمن وقد لا يؤمن.

ولذلك لما يرجع الإنسان إلى كتب التفسير سيجد نقاشًا طويلًا، بل بعض العلماء قال: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ﴾ ليس طريقة أهل الحق بل طريقة ما هم عليه من الباطل، ﴿ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ فيكون المعنى مستقيمًا بخلاف التصوُّر الأوَّلي الذي قد يُتوَّهم.

ولاحظ كيف استطاع الإنسان أن يدخل إلى مثل هذه القضية؟ من خلال إعمال هذه الطريقة.

والتطبيقات والتمثيلات كثيرة، ليست قليلة، ولا أريد الاستطالة بذكرها..

 

¬ الخطوة الثالثة: الإفضاء إلى عوالم العلوم القرآنية:

بعد أن استطاع الإنسان أن ينفذ إلى بعض معاني كتاب ربه -تبارك وتعالى- عبر تفعيل أداة التساؤل بمعرفة معاني كلمات القرآن الكريم والجمل القرآنية، الآن يستطيع الإنسان أن يفضي بسؤالاته للتعرف على البلاغة في النص القرآني، ويفضي إلى معرفة جوابات سؤالاته الفكرية وغير ذلك.

لنأخذ بعض النماذج المتعلقة بفضاء العظمة القرآنية، بلاغة النص القرآني وغيرها من الفضاءات، ثم نفضي سريعًا إلى بعض ما يتعلَّق بتفعيل النص القرآني في مجال السِّجال الفكري المعاصر.

نأخذ المثال: عندما يقرأ العبد قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾، أنا أزعم أننا لو عمِلنا أشبه باستفتاء عام: أكمل الآية القرآنية التالية: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ .. ﴾؟ أجزم أن 99% من المسلمين يكتبون فورًا كما هو متوقَّع: (الغفور الرحيم).

فحين قال: ﴿ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ يُفترض أن يتفجَّر في نفسك السؤال: لماذا قال العزيز الحكيم؟ ترجع إلى كتب التفسير فلا تجد جوابًا أو جوابين بل تجد جوابات ونقاشات ويتعمق معك في كتاب الله -عز وجل-.

أذكر مرة كنت في السوق متجوِّلًا مع الأهل، وبالنسبة إليَّ أعتبر أن من بلايا العصر والزمان الذهاب إلى السوق!، أنا يصيبني الملل الشديد جدًا جدًا من هذه القضية. وطبعًا من نعمة الله -عز وجل- علينا في هذا الزمان أن عندنا جوالات، ومعها اختراع جميل آخر يسمونه: (head phones) السماعات، فأضع السماعات وأجلس أستمع، فهناك انتفاع بحمد الله واستفادة من الوقت، وطبعًا يحصل إزعاج للأهل لأنهم يسألونني عن رأيي في شيء معين، فأقول انتظروا قليلًا، ثم نقوم بإغلاق الصوت، ثم أطلب منهم أن يُعيدوا السؤال وهكذا J

الشاهد، كنت مرة مع الأهل في السوق وأستمع لقراءة عذبة جميلة، بالنسبة لي من أجمل تلاوات الشيخ سعد الغامدي لسورة الزمر، وهي تلاوة قديمة وأظنها أوَّل تلاوة سجلت للشيخ، تلاوة حقيقة مؤثرة وجميلة جدًا[9]، في أثناء تلاوته لتلك السورة مرَّ على قوله -تبارك وتعالى- وتأملوا في الآية: ﴿ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، لا أخفيكم أنَّه لما قرأ هذه الآية أقفلت الجهاز مباشرة وبدأت بترداد هذه الآية، كنت أكررها متسائلًا؛ أن المعهود فطرة وبشريَّة أن الإنسان يتَّقي العذاب بيده، فالمعهود أن الإنسان يقي وجهه إذا قصد العذاب وجهه بيده، فيكون مستعدًا إذا جاء شخص ليضربه مثلًا أن يضحي بأي عضو من أعضائه في سبيل حفظ وجهه، يعني لو أُعطي إنسان على سبيل المثال سكينًا وقيل له اطعن يدك، فاستسهال طعن اليد أكثر بكثير مما لو قيل له: افقأ عينك، هناك فرق كبير جدًا.

الله -عز وجل- لم يقل: (أفمن يقي وجهه العذاب بيده) ولم يقل: (أفمن يتقي العذاب بيده) مثلًا، بل قال: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، فوقع في نفسي معنى لهذه الآية، ولكن أحببت أن أتوثق منه، وبحمد الله من نعم الله -عز وجل- أن كتب التفسير موفَّرة حتى داخل هذه الأجهزة، عندي (الموسوعة الشاملة الكتبية) ومن ضمنها تفسير (التحرير والتنوير) للطاهر بن عاشور[10]، وأظنه من التفاسير التي يتفاخر بها أهل القرن الحالي، ففتحت التفسير ووقفت على كلام عذب جميل للطاهر بن عاشور، ومؤثر إيمانيًا، خلاصته: أن هذا العبد الكافر في النار لو كان عنده وقاية من النار لاتَّقى العذاب بتلك الوقاية، فلما لم يجد تلك الوقاية اضطر أن يتَّقي العذاب بوجهه.

لما يستحضر الإنسان هذا المعنى سيدرك الآن أحد صور العذاب المرعبة الموجودة في النص القرآني والتي تحمل الإنسان على الانكفاء عن الذنوب والمعاصي استحضارًا لهذا المشهد الرهيب المهيب.

مثلًا حين يقول الله -عز وجل-: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ ﴾، أو مثلًا يقول: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، المفروض في لغتنا الدَّارجة أن يقول: (يشرب منها)، ويقول: (سأل سائل عن عذاب واقع)، فالتركيب غريب ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾، فبمجرَّد أن يصادف الإنسان مثل هذا التركيب الغريب المفروض أن يدور بنفسه: ما معنى هذا؟ لماذا اختار الله -عز وجل- أن يعبّر بهذا؟ هل هو تعبير كان يستخدم سابقًا؟ أم أن هناك أمرًا آخر؟

لما ترجع لكتب التفسير ستجد أن أحد الحقائق التي تحدَّث عنها علماء التفسير أن حروف الجر لما تتناوب يتم تضمين حرف الجر الـمُظهَر معنى كلامٍ مُضمَر؛ الله -عز وجل- ليس من غرضه أن يبيّن للعباد في الدنيا أن موضع إنعامه وإكرامه لأهل الجنة أن يجعلهم يشربون من عين، هذه القضية ليس فيها شيء كثير، لكن الله يريد أن يبيّن لعباده أنهم يشربون منها فيرتوون بها، فلما يقول الله -عز وجل-: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ ﴾ المقصود بهذا الكلام الكشف عن معنى الشرب والارتواء، يشربون منها فيروَوْن بها.

لما يقول الله -عز وجل-: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾، الآن من هو هذا السائل؟ من الذي طرح هذا السؤال؟ كفار قريش، طيب طرح كفار قريش هذا السؤال على النبي ﷺ هل سؤال الجاد المستفسر المستعلم الذي يريد لأن يعرف تفاصيل هذا العذاب الواقع؟ لا؛ سؤالهم كان على سبيل السخرية والاستهزاء والتكذيب، ولذا الله -عز وجل- يريد تبيين هذا المعنى، كأنه يقول: (سأل سائل مكذّبًا بعذاب واقع)، فلاحظوا كيف أن حرف الجر يبيّن جزءًا من عظمة النص القرآني.

وكل إنسان استحضر هذه الأداة يجد أن الميزة التي تتشكَّل مع الوقت أن يتعمّق تدقيقه فيما يتعلَّق بالنص القرآني، خذ مثالًا في قول الله -عز وجل- في حق الوالدين: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾، ما هو وجه الإشكال الذي يُفترض أن يسأل عنه المرء؟

المفترض أن الله -عز وجل- حين ينهى عباده عن قولهم: (أف) للوالدين، فنحن نفهم أن ما هو أسوأ منها لا يصح بحق الوالدين، يعني لو قال الله -عز وجل- مثلًا: (فلا تقل لهما أف ولا تضربهما) تحس فعلًا أن هناك إشكال، في حين لو قال قائل: (لا تضرب والديك ولا تنهرهما ولا تقل لهما أف) هذا التسلسل يُعتبر تسلسلًا منطقيًا، فالمفترض حين يقرأ الإنسان: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ أن يقول العبد: يا رب إذا حرّمت علينا (أف) فنعرف أنه يحرُم علينا النَّهْر، فلماذا عقَّبت بهذا التعقيب؟

فلو ترجع لكتب التفسير تجد أقوالًا متعددة، وإحدى اللفتات الجميلة التي ذكرها صاحب (تسهيل علوم التنزيل)، قال: "لا تقل لهما أف لمصلحتك ولا تنهرهما لمصلحتهما"، يكون مثلًا الوالد أو الوالدة كبيرًا في السنة، تحتاج أن تذهب بهما للمستشفى أو لمصلحتهما وليس لمصلحتك، ومع ذلك يتضجَّر الوالدان ولا يريدان الذهاب للمستشفى، فُيذكّرك الله أنك حتى في هذه الحال، وحتى لو كان الأمر في مصلحة الوالدين لا تنهرهما، لا تتجاوز حدودك في الأمور اللفظية.

لاحظ الآن أنَّ الإنسان حين أدرك الإشكال وفتَّش في الكتب، تنبَّه إلى معنى من معاني بر الوالدين ما كان يستحضره فيما سبق.

 

  • مداخلة أحد الإخوة (الصوت غير واضح)..

الشيخ: كما ذكرت وحاولت أن أؤكّد حتى يُزال هذا الإشكال؛ نحن لما نريد تفعيل هذه الأداة ليس القصد من هذه الأداة طرح الاعتراض على النص القرآني، يعني يُفترض أن الروح المضمنة داخل الإطار نفسه إشعار الطرف المقابل أنك بضوء عُجمة لسانك في هذا الزمان عاجز عن الإطلالة على عَظَمة النص القرآني، ويُفترض أن عندك نوعًا من أنواع التأسيس العقدي المسبَّق، يُفترض أن هذا الإنسان المقابل عنده خلفية عالية بدلائل نبوة النبي ﷺ، بمعجزة هذا النص القرآني، بالإيمان الوثيق بالله -تبارك وتعالى-، يجعلك حين تطرح التساؤل تكون مستحضرًا أنك تريد الإفضاء إلى عظيم النص القرآني في حالة من حالاته.

فهذه الروح المقصودة، وليس القصد من مجرد طرح التساؤل الطرح الحيادي أو الطرح التَّشكيكي، ولاحظوا معي أنه بحمد الله -تبارك وتعالى- لا يوجد سؤال يمكن أن يُستشكَل على النص القرآني إلا ويُفضي بك إلى إدراك عظمة النص القرآني!، لاحظوا من التجربة الآن ذكرتُ لكم بعض الأمثلة كتطبيقات وتلاحظون فعلًا أنه يتعمَّق نظر الإنسان فيما يتعلق بالنص القرآني، وأفضى إلى عالم عظيم مما يتعلق بهذا النص.

فبمجرد أن تثير سؤالًا، وما أكثر السؤالات، ستجد بحمد الله -تبارك وتعالى- حزمة من الجوابات الجيدة والمميزة والعظيمة من العلماء، لما يخطر في بالك وما لا يخطر في بالك، لأنهم مشتغلون بهذا الجانب وبشيء أبلغ.

وأنا أعتبر أن من عبقرية علماء المسلمين أنَّ عندهم قدرة مذهلة في توليد السؤالات وتوليد الاعتراضات، فيما قيل وفيما لم يقل.

من الأمثلة اللطيفة، من أعظم القصص القرآنية قصة يوسف -عليه السلام-، في ثناياها يقول الله -عز وجل- حكاية على لسان إخوة يوسف: ﴿ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ﴾، لماذا اختار الله -عز وجل- هذه اللفظة؟

الآن الذئب حيوان مفترس، وعلاقة هذا الحيوان بالفريسة أن يقال: (فافترسه الذئب)، لكن لماذا قال الله -عز وجل-: ﴿ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ﴾؟ وإخوة يوسف قد اختاروا هذه الكلمة مع سَبْق إصرار وترصُّد -كما يقال- لغرض؛ الآن لو قالوا: (افترسه) سيقول يعقوب -عليه السلام-: هاتوا ابني أدفنه، لكن هم أحبوا أن يُخفوا الجريمة بالكلية فقالوا: "الله المستعان أكله الذئب"!، أي أكله جميعه، لإخفاء الجريمة.

والمدلولات كثيرة، ومن الآيات المذهلة الموجودة في القرآن الكريم، والتي فعلًا تُفضي إلى إدراك عمق عبودية الدعاء لله -تبارك وتعالى-، قول الله -تبارك وتعالى- في هذه الآية الجليلة العظيمة: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾، لنعقد مقارنة بين هذا السؤال القرآني والجواب الرباني، وبين جملة طويلة من السؤالات القرآنية وجواباتها، يقول الله -عز وجل- مثلًا:

  1.  ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾.
  2.  ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ .. ﴾ الآية.
  3.  ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾.
  4.  ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾.
  5.  ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ﴾.
  6.  ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ﴾.
  7.  ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾.
  8.  ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾.
  9.  ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾.
  10.  ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ﴾.

لاحظوا أن ظاهرة السؤال وتقديم الجواب ظاهرة قرآنية موجودة.

الآية الوحيدة التي تختلف عن هذا النَّسَق بذكر السؤال وتقديم الجواب هي هذه الآية القرآنية العجيبة؛ يقول الله -عز وجل-: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾، ما مظهر الاختلاف ومدلولات الاختلاف الموجودة؟

أول ملاحظة: أن الله -عز وجل- ما قال : (فقل) يا محمد، بل تولَّى الله -عز وجل- تقديم الجواب بشكل مباشر: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾.

الملحظ الثاني: أن السؤال لم يُطرح أساسًا؛ فالعباد لم يسألوا محمدًا ﷺ: هل ربنا قريب أم بعيد؟ وإنما الله -عز وجل- من محبته -تبارك وتعالى- لافتقار عبده إليه ودعائه له أنه أثار السؤال في النفس: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ﴾، لم يقل : فأخبرهم يا محمد، بل قال: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ﴾، حتى الجواب يتَّسم بالتعبير عن قرب الله من عباده.

لاحظوا الآن موقف الإنسان في إدراكه لمحبة الله -تبارك وتعالى- للدعاء، وإدراك العبد أن هذه المحبة تستوجب منه الإفضاء إليه بالدعاء، يجعل موقف الإنسان من ممارسة العبودية مختلفًا جدًا.

التمثيلات كثيرة، وليس الغرض الاسترسال بالحديث عنها، والقضية وما فيها أن الإنسان إذا مرَّ على قول الله

-عز وجل- : ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾، المفروض أن يتساءل: لماذا هذا التكرار؟ ولماذا حصل تكرار وتطابق في آيتين ثم اختلاف وتباين في آية دون أخرى؟

إذا أفضى الإنسان إلى كلام ابن القيم في (بدائع الفوائد) على سبيل المثال، سيجد تعليلًا حسنًا جميلًا بما يتعلق بمثل هذه الآية القرآنية.

أذكر أني لما كنت أقرأ مثلًا في سورة القيامة، تأملوا في قول الله -عز وجل-: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾، لاحظوا أن الحديث كله عن يوم القيامة، ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾، كل الحديث المسترسِل يتعلَّق بحقيقة يوم القيامة.

ثم فجأة يتوقف النص القرآني ويقول: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾، فأسلوب إقحام هذه الآيات القرآنية غريب.

والأعجب من ذلك أن الله -عز وجل- بعد ذلك يقول: ﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾؛ بقية الآيات تتحدث عن يوم القيامة، فهذه الجملة المعترِضة ما هو موضوعها؟

عندما يرجع الإنسان إلى كتب التفسير سيُفضي إلى فهم تنزُّل مثل هذه الآيات القرآنية بحديث ابن عباس

-رضي الله عنه وأرضاه- أن النبي ﷺ حين كان يتلقَّى القرآن من جبريل -عليه السلام-، كان يخشى من تفلُّت القرآن، واستكشاف هذا يدل على قرب الله -تبارك وتعالى- من عبده، وقرب الوحي من عبده ونبيه ﷺ، وكأن الآيات تتنزل من الله -عز وجل- مباشرة على نبيه[11].

المشهد الذي كان يجري بكل بساطة أن جبريل -عليه السلام- كان يقول:﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ فالنبي ﷺ يقول: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾، ﴿  وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾، ﴿ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾، وهكذا يقرأ النبي ﷺ، فلما استرسل النبي ﷺ بهذا الفعل خشية أن يتفلَّت القرآن، جاءت الآيات منبِّهة له. تمامًا كما يجري بين شخصين -كما يقال-، تخيل أني جالس أخاطب إنسانًا معينًا ثم سرح هذا الإنسان في خياله بعيدًا، ماذا أقول له؟ أقول: (يا أخي انتبه لي)، فهذه جملة معترضة، لا علاقة لها بالسياق السابق ولا بالضرورة في السياق اللاحق.

فالآن المدلول ليس كأنما جبريل هو الذي يخاطب النبي ﷺ وإنما هو مجرَّد وسيط عن الله -تبارك وتعالى-، الله يخاطب عبده محمدًا مباشرة، كأن الآيات نزلت مباشرة والنبي ﷺ يمارس هذا الفعل، فيقول الله -عز وجل- له: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾، اطمئن سيُجمع هذا القرآن، وإذا قرأناه سيُجمع في صدرك فاطمئن لهذه القضية، الآن فترة الاستماع والإنصات لما يُلقى إليك.

ثم يتابع: ﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ ﴾، كأن النبي ﷺ انسحب عن ممارسة هذا الفعل.

فضروري أن يدرك الإنسان هذه الحقيقة؛ أن أداة التساؤل -كما أعتقد- هي أداة إذا أحسن الإنسان توظيفها واستخدامها، تفتح له باب خير عظيم..

أنا لا أخفيكم أن العملية ليست بصعبة، كما ذكرت في بداية الموضوع أن أول محاولة لختمة تدبر كتاب الله

-عز وجل- استرسلت في التلاوة، الآن لما آتي وأقول: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، أنا أسمع على المنابر: "باسم الناس، باسمي وباسمكم"، لكن لا أعرف معنى كلمة (باسم)، لما يرجع الإنسان إلى كتب التفسير يدرك أن الباء من معناها الاستعانة، وتبدأ تتفكَّر: لماذا قال: بسم الله، وما قال: بالله، فتدرك معنى معينًا.

وقال: (الرحمن الرحيم)، الرحمن تدل على صفة الرحمة، والرحيم تدل على صفة الرحمة، فما هو الفارق الموضوعي بين اللفظين؟[12]

ولاحظوا الفضاءات التي تتفتَّح للعبد بمجرد أنه أراد أن يتعلَّم حقيقة تفسير كتاب الله -عز وجل- ويمارس عبودية التدبر حقيقة.

 

دعونا نسلّط ذات الأداة ونطبقها فيما يتعلق بقضايانا الفكرية المعاصرة، ونختم الموضوع بما يتعلق بهذه الجزئية..

الشيخ إبراهيم السكران -كما ذكرت لكم في البداية- هو أحد الشخصيات المهتمَّة بالتَّنظير لأهمية هذه القضية، وعلى المستوى الشخصي أنا لي تواصل والتقاء مع الشيخ، فهذه القضية كما هي حاضرة في كتاباته حاضرة في سمته وهديه وحديثه لأقرانه وأحبابه.

خذوا ما هو أعجب من هذا، ولا أدري إن كان مناسبًا أن أفضي لكم بهذه القصة الطريفة، وفيها بعض الاستطراد؛ أول تعرفي على الشيخ إبراهيم السكران كان عبر ورقة قُدّمت عندنا في المشهد المحلي السعودي، كان عنوان هذه الورقة: (نقد مناهج التعليم في السعودية)، وكانت مخصصة لنقد نقد مناهج التعليم الديني والمقررات الشرعية، وكانت واقعة في إشاكاليات حقيقية فيما يتعلق بموضوع الولاء والبراء، وما يتعلق بملف موقع الحضارة المدنية، وغيرها من الموضوعات. وكانت الورقة بالمشاركة ما بين الشيخ إبراهيم السكران من جهة وبين شخصية محسوبة على الحالة التنويرية: عبد العزيز القاسم، قاضٍ سابق ومحامٍ حاليًا.

وتم اعتماد هذه الورقة كورقة رسمية في مؤتمر الحوار الوطني الثاني عندنا في المملكة، كتعبير عن رؤية مشتملة على وضع مقرَّرات الدراسة والمناهج.

الذي حصل طبعًا في ظل هذه الورقة المنتقِدة السلبية الخارجة عن الإطار الفكري الذي أنطوي تحته تشكَّلت صورة نمطية سلبية عن هذا الرجل في ذهني، وأنه محسوب على تيار آخر.

الذي حصل بعدها سبحان الله، أنها خرجت رسالة مطبوعة للشيخ إبراهيم السكران وكانت باسم (أحكام الأسهم المختلطة)؛ من الظواهر التي تشكَّلت عندنا في السعودية ظاهرة الأسهم والتفريق بين أنواع الشركات؛ هذه شركة نقية، وهذه شركة محرمة، وهذه شركة مختلطة، وعندهم ضوابط، وكثُرت الفتاوى المتعلقة بهذا الإطار فترة من الفترات.

قرأت الرسالة، وأذكر أنني سُئلت عنها في مناسبة من المناسبات، فكان جوابي كالآتي لبعض الزملاء في مجلس من المجالس: "بصراحة الرسالة لا تخلو من الفوائد، وفيها تنبيهات دقيقة وجميلة، ولا بد من استحضارها والتنبه لها خصوصًا ممن هو مشتغل في مثل هذا الباب ويفتي في مثل هذه المسائل، وفيها استدراكات بما يتعلق بالجانب الشرعي..

ولكن سبحان الله الروح التي كُتبت فيها روح غير مريحة، على خلاف نَفَس الفقهاء، روح.. "، ويبدأ الإنسان يتلعثم ويسكت، كأن لسان حاله يقول: الكلمات لا تُواتي الإنسان للتعبير بدقة عن موطن الجرح والإشكال الوارد في مثل هذا الكتاب.

مضت الأيام، خرجت ورقة علمية للشيخ إبراهيم السكران، كان عنوان هذه الورقة: (مآلات الخطاب المدني)، أول انطباع تخلَّق في نفسي لما صادفت هذا العنوان، قلت: ما هو البلاء الجديد الذي أحضره لنا إبراهيم السكران هذا!

فتحت الرابط وتصفَّحت فهرس الكتاب، الزر الأيمن و(save as)، وحفظت الملف عندي في الجهاز، وما أنهيت تلك الليلة -بحمد الله عز وجل- إلا وقد قرأت الكتاب كاملًا.

لما قرأت الكتاب كاملًا وفي ظل سطوة الصورة النَّمطية السلبية، قلت: من الواضح تمامًا أني لم أحسن فهم البلاوي الموجودة في هذه الورقة!، وينبغي أن أقرأها مرة أخرى، واضح أن هناك مشكلة لم أصل إليها..!

فقرأت القراءة الثانية خلال الأسبوع التالي، فاتَّضح لي تمامًا أن الشيخ إبراهيم السكران رؤيته في هذه الملفات والقضايا أفضل وأوضح من رؤية كثير من الأبحاث السلفية المعاصرة. طبعًا لم يحتج الإنسان لفترة زمنية طويلة ليدرك أن ورقة: (مآلات الخطاب المدني) تمثل تراجعًا من خط فكري إلى خط فكري آخر.

والعجيب والطَّريف في الموضوع، أنني سُئلت مرة تالية عن ورقة (أحكام الأسهم المختلطة) بل لما طُرح عليَّ السؤال في مجلس عُدت بالذاكرة إلى تلك اللحظة لما أجبت تلك الإجابة، والمفترض أنّي سأكون نموذج جواب إذا سُئلت عنه أستحضره، فصمت وابتسمت لأني تذكرت الجواب، وبسبب تغير الصورة النمطية قلت: "بصراحة، لم يؤلَّف في باب المعاملات المالية المعاصرة مثلها"!، فضحك الموجودون وأخبرتهم بالقصة وملابستها، وكيف سطوة تأثير العواطف أحيانًا علينا، وأن الإنسان قد يتوهَّم بنفسه أنه اتخذ قرارًا موضوعيًا في قضية ما، وقد لا يكون في تمام موضوعيَّته.

موطن الشاهد في القصة أن ورقة: (مآلات الخطاب المدني) للشيخ إبراهيم السكران حين قرأتها –بالمناسبة قد قرأتها خمسة مرات حتى الآن، ثلاثة مرات إلكترونيًا ومرتان بنسختها المطبوعة-، وأنا على المستوى الشخصي أعتقد أن أعظم منتج فكري قدَّمته الحالة السلفية للمشهد الفكري السعودي هو هذا المنتج؛ (مآلات الخطاب المدني) للشيخ إبراهيم السكران[13].

وعامة مؤلفات الشيخ مذهلة، له كتاب مذهل اسمه: (التأويل الحداثي للتراث)، هذا الكتاب لما قرأته أرسلت للشيخ مداعبًا له: (How can you do that?!) يعني (كيف تستطيع أن تفعل هذا؟!)، وأنا كلما أذكر أبا عمر يصيبني الإحباط الشديد من التأليف والكتاب، فما شاء الله كتابات موفَّقة ومميزة وروح إيمانية عالية ومعتزَّة بالروح الشرعية.

 

(مآلات الخطاب المدني)؛ هذا الكتاب حين قرأته كانت السِّمة المميِّزة التي ما كانت تخطئها عيني وأنا أقرأ هذا الكتاب أنه مؤسَّس على المشروع القرآني، يعني أكبر فائدة وجدتها من خلال قراءة هذا الكتاب أن الميزة الأساسية الموجودة عند هذا الرجل، عند هذا الباحث، على خلافي أنا وجمهور لا بأس به من طلبة العلم، أنه جعل من النص القرآني نصًا يمثّل مرجعية حقيقية في بناء هذا البحث.

أنا على المستوى الشخصي قبل تلك اللحظة لما كنت أستدل بالقرآن الكريم في أي قضية ما عقدية أو فكرية أو في بحث ما، كنت أُفضي إلى النص القرآني بواسطة؛ بمعنى آخر أنه إذا استدلَّ ابن تيمية -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- بهذه الآية القرآنية على ذلك المعنى، ستجد صدى ذلك التوظيف في الإطار البحثي، استدل بها المشايخ المعاصرون في المسألة، وهكذا.

أما أني أجعل القرآن الكريم مرجعًا حقيقيًا بحيث أني أخصص ختمة لكتاب الله -عز وجل- أفتش فيها عن جوابات سؤالي البحثية، قبل تلك اللحظة، فلم أكن أمارس ذلك الدور بجديَّة!

لما قرأت (مآلات الخطاب المدني) كان متَّضحًا لي بشكل كبير أن صلة الرجل بالنَّص القرآنية صلة مباشرة، صلة عظيمة، وكنت أتلمَّس هذه الفكرة استنباطًا.

الشيخ إبراهيم السكران كتب ورقة كان من المفترض أن تُطبع كمقدمة لهذا الكتاب في نسخته الورقية، لكن يبدو أن هناك ملابسات -أنا لا أعلم تفاصيلها- استدعت الشيخ لكتابة هذه الورقة، كان عنوان هذه الورقة: (قصة الكتاب والكاتب)، فكانت رؤية الشيخ أن للقارئ الحق أن يُدرك الملابسات والظروف التي ولَّدت هذه الورقة، لما انتقلت من العالم الافتراضي (الإنترنت) العالم الإلكتروني إلى العالم الورقي، فكتب قصة لطيفة عنوانها: (قصة الكتاب والكاتب) وهي عبارة أشبه بالسيرة الفكرية الذاتية للشيخ وتحوّلاته، وأنه ابن المحضر الإسلامي -كما يقال- ثم تحول إلى الحالة التنويرية، ثم عاد بعد ذلك، وهناك تفاصيل ذكرها في الكتاب.

من اللفتات الجميلة التي ذُكرت في آخر تلك الورقة أنه ذكر المعنى الآتي، وهي غير منشورة وأسرّب لكم مقطعًا منها:

يقول الشيخ -حفظه الله-: "في مطلع ربيع الأول- 1428هـ، مارس- 2007م، كانت الطائرة قد حطَّت بي وبزوجتي في نيوزيلاندا لأتم دورة في اللغة الإنجليزية ..."،

هذا قبل أن يُبتعث الشيخ إلى بريطانيا لإتمام درجة الماجستير في القانون التجاري، فالشاهد أنها سبقت بتعلم اللغة الإنجليزية، يقول: "وكانت مدتها خمسة أشهر على حسابي الخاص، وحين بدأت الدراسة في المعهد وجدت نفسي بعيدًا عن معمعة المجاذبات الفكرية المحلية في المشهد الفكري المحلي السعودي في قرية صامتة خارج الوطن، لا تسمع فيها كل سادسة مساء إلا حفيف الأشجار، وكانت أدغال مهجورة، وكانت فرصة حقًا للتأمل المنظَّم، وخصوصًا أنني حين أعود من المركز وأنهي التكليفات المدرسية فإنه يتبقَّى لدي وقت طويل، فصمَّمت على أن أُعيد دراسة كل الملفات الفكرية التي عشت أسئلتها على ضوء القرآن .."، يعني المعنى الذي كنت أستنبطه استنباطًا من ورقة المآلات وكنت أبث هذه الورقة بين بعض الشباب والأحباب، الآن أجد مصداقه صريحًا في كلام الشيخ.

يقول: "فابتدأتُ بالمصحف من الفاتحة إلى الناس، أقف عند كل مقطع وأتأمَّل ما فيه من الشواهد والإجابات على الأسئلة الفكرية التي أُثيرت في مرحلة سابقة"، ولاحظوا سطوة وقوة أداة السؤال، الرجل يصرح ويقول: أنا الآن أطرح سؤالاتي على القرآن لأتطلَّب جواباتها.

ثم يقول: "ثم أسجل الآية مع الإشارة إلى وجه الاستشهاد بها في ملف خاص، وبعد شهرين وصلت إلى خواتيم جزء (عم) وأنهيت المهمة"، أخذت ختمة التدبر هذه لاستلهام الجوابات الفكرية القرآنية على استشكالاته وسؤالاته شهرين، ولاحظوا أنه لا ينطلق من حالة متمحّضة سلفية -كما يقال- تستكشف، هو الرجل الآن كأنما يريد أن ينفذ إلى مراد الله -تبارك وتعالى- في ظل مدلهمَّات واستشكالات حقيقية واقعة عنده.

يقول: "فبدأت بتحرير خلاصة النتائج، واستغرق التحرير زهاء أسبوعين"؛ لاحظوا أخذ شهرين في أجل توفير المادة القرآنية، ثم تحرير هذه المادة العلمية المذهلة في أسبوعين، وأنا أنصح كل شاب لم يقرأ (مآلات الخطاب المدني) بضرورة قراءته.

يقول: "وانتهيت من آخر حرف خططته فيها في: 10/ ذي الحجة/ 1428 - الموافق لـيوليو/2007م.

ولكن بقيت محتارًا ماذا أسمي هذه الورقة؟ ولما كانت ملاحظة ظاهرة التدهور السلوكي هي أكثر أمر شدَّني في هذه التجليات، وهي (...) في الورقة، فإني آثرت تسميتها (مآلات الخطاب المدني)؛ أعني المواقع الجديدة التي آل إليها الخطاب المتفاوت، ابتدأ بنقد الصحوة السلفية على أساس مقولات الحضارة المدنية، ثم انتهى كثير من أفرادها نهايات موحشة..".

فالشاهد؛ لماذا ذكرت القصة؟ لأن هذه الأداة (أداة التساؤل) يستطيع الإنسان أن يوظفها في كثير من الجدليات الفكرية المعاصرة..

 

يعني لما يتأمل الإنسان في واقع السجال الفكري المعاصر سيدرك -وهذه قضية أساسية- أن حزمة لا بأس بها من منطقة الصراع والسجال عائدة إلى منهجيات الفهم للنص الشرعي، الإشكاليات الواردة على هذه القضية.

من رحمة الله -تبارك وتعالى- من أحسن توظيف هذه الأداة أنه يستطيع أن يستكشف من النص القرآني أدوات فهم النص القرآني؛ بعض الناس يتوهَّم أن منهج أهل السنة في الاستدلال والتفقُّه والتفهُّم للنص القرآني عائد إلى معطيات تاريخية، وأن هناك ممارسات داخل الحالة السلفية للسلف الصالح في التعامل مع النص القرآني، ونحن نمارس تلك الممارسات السلفية في ظل قواعد معينة نستلهمها من تجربتهم لنوظفها في صالح فهمنا للنص القرآني الكريم.

هل تعلمون أن القرآن الكريم مليء بذاته بأدوات فهمه؟؛ يعني على سبيل المثال: اعتبار العربية أساسًا لفهم النص القرآني هو قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا ﴾؛ فالتنبيه لعربية القرآن هو إشارة إلى ضرورة فهمه بلغة العرب.

لما يقول الله -عز وجل- مثلًا: ﴿ فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾؛ هذا ينبّه إلى ضرورة استحضار فهم الصحابة كعامل محدِّد وبوصلة لفهم النص القرآني.

ابن تيمية له عبارة يقول: إذا أراد الإنسان أن يحرّر ما هو الأساس المركزي الذي تأسَّس عليه فهم النص القرآني هو عائد إلى: استيعاب معطيات اللغة العربية، واستيعاب أقوال السلف الصالح، هذا الثنائي نص عليه ابن تيمية -تبارك وتعالى- في غير ما موضع.

مثلًا من أهم القواعد الضابطة لفهم النص القرآني قاعدة المحكم والمتشابه؛ ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾.

فما المانع على الواحد منا أن يخصّص ختمة لتدبر كتاب الله -عز وجل- يفرض فيها سؤالات المنهج على النص القرآني مستلهمًا هداية القرآن، بما يتعلق بهذا السؤال على سبيل المثال، وقس على ذلك نماذج متعددة وكثيرة جدًا.

 

هناك دعوة لا يتنبَّه لها كثير من القرَّاء، وأرى أنها مهمة جدًا، وأرى أن القرآن الكريم ليس أجنبيًا عن مثل هذه الممارسة، سأوضحها في سياق ثم أوضحها في سياق النص القرآني؛ نضرب مثالًا يعبر عن الفكرة، أحيانًا لما نقرأ كتبًا معينة أحيانًا تكون بوصلة البحث مسلَّطة على البُعد المعلوماتي والبعد المعرفي من هذا الكتاب، حتى لو قرأ الإنسان مثلًا كتاب (ذكريات) للشيخ علي الطنطاوي على سبيل المثال يكون همُّه منصرفًا إلى الأحدث وتفاصيل القصص والأخبار التي يسوقها الشيخ علي الطنطاوي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، من غير أن يلاحظ أن هذا الرجل أديب، وأنك تستطيع في ظل قراءتك لهذا الكتاب أن تستثمر قراءتك له على المستوى المعرفي المعلوماتي التأريخي، وكذلك على مستوى تطوير كفاءتك الأدبية، سواء على مستوى تذوق النص الأدبي ومستوى تطوير أدواتك التعبيرية لتستطيع الإبانة عن المعاني بشكل جميل.

الوعي بهذه القضية يجعل الإنسان يتفاعل مع النص تفاعلًا مختلفًا، القرآن الكريم كذلك ينبغي أن يراعي الإنسان أنه نعم في أحكام وتفاصيل، لكن فيه قضايا معينة يستطيع الإنسان أن يستلهمها من القرآن الكريم؛ يعني مثلًا ما هي المنهجية القرآنية في تأسيس الأفكار؟ كيف يبني القرآن الكريم العقل المسلم؟ ما هي الأدوات الموجودة في النص القرآن؟

التصورات الفكرية في حقيقة الأمر لا تكاد تخرج عن قضيتين أساسيتين، عندنا مفصَّل القضايا الفكرية؛ يعني القضية الفلانية والقضية الفلانية وما موقفنا منها، وعندنا المنهج الذي يقف خلف مفصَّل القضايا الفكرية، والقرآن الكريم يخدمك بهذا المعطى وبذاك المعطى، وعندي تمثيلات وتطبيقات متعددة وكثيرة لكن أريد أن أفتح المجال للإخوة ليتحدثوا..

 

مثلًا من الإلماحات المتعلقة بالتذكيرات بالخلفية الإيمانية العقدية المتعلقة بالنص القرآنية، وهي آية بالنسبة لي بما يتعلق بالبعد العقدي والبعد الفكري آية مرعبة، ودائمًا أتوقف عندها لما أتلو كتاب الله -عز وجل-، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ أتوقف كثيرًا جدًا عند هذ الآية، أن الله -سبحانه وتعالى- يتحدث عن حقيقة معينة، وهذه الآية هي التي خلقت عندي نوعًا من الاطمئنان لما طرحه الشيخ إبراهيم السكران في مقالته (تطويل الطريق)، ففي النهاية المعالجة بحديث البشر والناس بالنسبة إليَّ ليس هو الطريق، الله
-عز وجل- يقول: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾، إذا لم يستطِع الإنسان أن يلتزم بالهداية من خلال النص القرآني فهو واقع بمشكلة حقيقية، والبلاء ليس من النص القرآني، البلاء من تلك النفس المقبلة على النص القرآني، ابن تيمية -عليه رحمة الله تعالى يقول-: "من تدبَّر القرآن الكريم طالبًا للهدى منه تبيَّن له طريق الحق"؛ أي إنسان يُقبل صادقًا على النص القرآني مسلِّمًا لهدايته فالله -عز وجل- يهديه.

 

طيب هذا المحل غير القابل للنص القرآني ما أزمته؟

من أزمته قسوة القلب على سبيل المثال، ولقسوة القلب أثر عظيم جدًا جدًا في مسألة الانحراف عمومًا بل وتحريف المدلولات القرآنية؛ تأملوا قول الله -عز وجل-: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ لاحظ ارتباط البعد الإيماني في حالة إقبال النفس على النص القرآني، يعني إذا كان الإنسان المقبل على القرآن قاسي القلب مليئًا بالهوى فيه مشكلة لا تتحقَّق له الهداية المطلوبة من القرآن الكريم، بل القرآن يحادثنا ويكاشفنا: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾، كأن هذه مقدمة وسبب للنتيجة التي تترتب عليه.

فما هو العلاج؟ تأملوا في المقابل يقول الله -عز وجل-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾، ويقول: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾، فقسوة القلب ومراجعة الحالة الإيمانية قضية أساسية ومهمة جدًا.

ميزة النص القرآني فيما يتعلق بالسجال الفكري المعاصر؛ أنا أعتقد أن أحد ميزات السجال الفكري المعاصر أنه مادة علمية شديدة الجفاف بعيدة عن المجالات الروحانية، ميزة الطريقة القرآنية وسطوة القرآن أنه يتميز بمعالجة الجانب المعرفي في نفس النص المؤمن وتخليق حالات الامتياز الإيماني، فهو خطاب مُشبع بالقيم الإيمانية والقيم العاطفية. هذه سطوة النص القرآني، يقول الله -عز وجل-: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾، ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾.

هذه إجمالًا الأفكار الأساسية التي كنت أرغب في طرحها..

ثمة بعض الأدوات الأخرى التي لا يستع الوقت لأن يطوّل الإنسان في ذكرها، لكن أداة التساؤل أداة لو أحسن الإنسان توظيفها ستفتح له أفقًا هائلًا بما يتعلق بالنص القرآني.

 

Ü أداة عقد المقارنات

ومن الأدوات التي يمكن أن تُطرح سريعًا في هذا الإطار: أداة عقد المقارنات في إطار النص القرآني، وأذكر مثالًا في المجال الفكري والمجال الإيماني والمجال التعبدي؛ واعقدوا مقارنة بين هذه الآية، وهو فرع عن عملية التساؤل؛ لما يقرأ الإنسان هذه الآية في منظور آية آخرة يتساءل لماذا فرَّق الله -عز وجل- بين هذه الآية وتلك، يقول الله -عز وجل-: ﴿ وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾، ويقول الله -عز وجل-: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾، ما وجه المقارنة بين القضيتين؟ وما أثرها في أحد السجالات الفكرية المعاصرة؟

ما وجه الارتباط بين الآيتين في ظل عقد المقارنة؟ وما أثرها على أحد السِّجالات الفكرية المعاصرة الكبيرة جدًا؟

لاحظوا أنه في الآية الأولى يقول الله -عز وجل-: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ وهو يخاطب قومًا مذنبين عصاة، وفي الآية الثانية يخاطب قومًا مذنبين عصاة وقال -عز وجل-: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾، واضح أن الله -عز وجل- لم يتعاطى مع هؤلاء تعاطيه مع الطائفة الأولى. فما هو الفرق بين الطائفتين؟

الاعتراف؛ في الآية الأولى يقول: ﴿ وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾، فهناك فرق هائل كما بين السماء والأرض -كما يقال- بين من يرتكب الذنب والمعصية معترفًا بالذنب والمعصية وافتقاره إلى ربه -تبارك وتعالى- ورجائه فيه -تبارك وتعالى-، ويخلط بين عمل صالح وآخر سيء، فانظر لرحمة الله -تبارك وتعالى- يقول: إذا تحقق منك فعل الذنب في حال اعترافك به فوضعك أفضل بكثير جدًا ممن يمارس الذنب والمعصية منظرًا لها مصرًا عليها، غير معترف بالذنب والمعصية.

لاحظ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ﴾؛ ما هي الإشكالية؟ ليست الإشكالية أنهم وقعوا في ذنب ومعصية معترفين بها، بل كأنهم يخادعون الله -عز وجل- ويحتالون عليه -تبارك وتعالى-.

لاحظوا أنه عندما يكون عندنا في المجال الفكري على سبيل المثال محاولات للَبْرَلَة الإسلام، محاولة قراءة النص القرآني قراءة تأويليَّة معيَّنة، هؤلاء وضعيَّتهم أخطر من وضعية عبد مسلم مؤمن يقارب الذنب والمعصية مستحضرًا أنها ذنب ومعصية.

لاحظوا هذا مثال والأمثلة كثيرة ومتعددة جدًا..

 

Ü أداة: تحزيم الأدلة

من التطبيقات والتمثيلات على سبيل المثال فكرة أسميها: تحزيم الأدلة، يعني إحدى الأدوات التي استعنت بها بما يتعلق بالنص القرآني بما يتعلق بالمجالات الفكرية المعاصرة.

مما يزيد من موثوقية الإنسان وقناعته وطمأنينته إلى كثير من الملفَّات الفكرية المعاصرة أن يتنبَّه أنَّ جوابات القرآن الكريم قد تكون أوسع دائرة من أدلة تفصيلية فرعية.

أحيانًا حتى يُفضي الإنسان للقضية الإيمانية في نفسه على النحو المطلوب يحتاج أن يحزّم الدلالة، بمعنى آخر قد تلاحظون آيات معيَّنة متقاربة الدلالة، فيضعها في إطار واحد، ثم آيات أخرى تعضّد القضية الأساسية لكن من جهة أخرى، بحيث أنه بعد فترة تتشكَّل القناعة في ضوء تقريرات مسبّبة للإيمان أوسع بكثير من مفردات الدلائل.

فميزة تحزيم الأدلة أن يكون عندنا نوع من أنواع الأدلة ينضوي تحت لوائه عدد من أفراد الأدلة، بحيث لما تبني القضية على أنواع الأدلة حتى لو أتاك التشكيك في أحد أفراد الأدلة تستطيع استبقاء النوع، وحتى لو قُدِّر للنوع أن يخرج ستبقى بقية الأنواع قائمة لتثبيت القضية.

فأحد الأشياء التي يمكن للإنسان أن يتعاطى مع النص القرآني في ضوئها مثل هذه القضية، وهناك بعض القضايا المتعلقة بهذه المسألة لكن أظن من المناسب أن نتوقَّف هنا..

وأسأل الله -عز وجل- أن يكون فيما قيل نفع وفائدة.. والله يحفظكم ويرعاكم...

وإذا كان هناك أي تعقيب، فالقلب والصدر واسع لسماع ملاحظات الإخوة..

 

 الأسئلة:

- سؤال غير واضح..

إجابة الشيخ: نبهتني إلى قضية مهمة، أنا أعتقد أنا كتاب (النبأ العظيم) للشيخ محمد عبد الله دراز هو مشروع قرآني مذهل، وهذا المشروع لما اطَّلعت عليه وقرأته، وهو من أكثر الكتب تألـمًا على تأخر قراءتي له، فكان من النَّدامات أني ما قرأته مبكرًا، كتاب عظيم، لما قرأته ثبَّت عندي قناعة على خلاف التَّعبيرات الدارجة: (كم ترك الأول للآخر؟!)، وهذا السؤال له صفتان في التعبير عنه؛ إذا قال إنسان: (كم ترك الأول للآخر؟) كأنه يقول ما ترك شيئًا، وإذا قيل: (كم ترك الأول للآخر!) فهناك كم.

والكتاب من ميزته الروح السامية، وهناك لمسات ممكن للإنسان أن يدرسها موضوعيًا: لماذا لم تؤلف الأمة المسلمة كتابًا من جنس هذا الكتاب؟ و(النبأ العظيم) لا نظير له في تقيمي طيلة التاريخ الإسلامي، كتاب عظيم وجليل.

ومثلما ذكر الشيخ أنا أعتقد أن هذا الكتاب الجليل الذي أُوصي وأنصح بقراءته، وأعتبره أحد المؤسسات التي ترفع الإشكال التي طرحها الأخ، وهي قضية: ألا يُشكّل التساؤل احتمالية أن يفتح للإنسان إشكاليات معينة؟

قراءة كتاب (النبأ العظيم) ترسّخ حالة القناعة بأن هذا الكتاب هو كلام الله -عز وجل-، يرسّخ هذه القضية بالنسبة إليّ بشكل مذهل، وهو أفضل منتج موجود في هذا الإطار[14].

وعندنا في (صناعة المحاور) المستوى الأول، المادة الثالثة من البرنامج ما يتعلق بربانية النص القرآني، وأن الله -عز وجل- هو منزل القرآن، بل الكتاب المعتمد في هذه المادة هو كتاب (النبأ العظيم) للشيخ محمد دراز، ما وجدنا شيئًا أفضل منه.

لكن هل يُعتبر مثل هذا الكتاب نهاية المشوار؟

وعلى غرار العبارة فقد قدَّم محمد دراز بعد هذه القرون المتطاولة من حياة الأمة كتابًا ملأ فراغًا لأمر سابق، فيحتمل أن يكون هناك في الحالة الإسلامية اليوم، (فكم ترك الأول للآخر) فيستكمل لإكمال المشوار، وأنا أعضّد على كلام الأخ وضرورة تأليف ما يتعلق بالانتصار للقرآن الكريم، وغير ذلك.

 

- سؤال غير واضح..

إجابة الشيخ: الحقيقة باختصار؛ أن الذي يحصل داخل الخطاب الشرعي أحيانًا هناك نوع من الشحن النفسي بأهمية ممارسة فعل تعبُّدي معيَّن، المشكلة إذا لم يوفَّق الإنسان لكيفية ممارسة هذا الفعل التعبدي، فأحيانا لا يستطيع أن يفعله؛ يعني أنت بحاجة إلى معالجة مسألتين، مثلًا من جنس العبوديات؛ الله -عز وجل- لا يتقبل عملًا صالحًا ما لم يكن متوافرًا فيه الإخلاص والمتابعة.

فأنت تستطيع تنوي الإخلاص بما يتعلق بهذه القضية، تستطيع أن تخلق الحافزيَّة بما يتعلق بفعل التدبر، لكنك لم توفّر لي الأداة التي أستطيع من خلالها أن أتدبر، ما المأزق الذي حصل؟ أقول لك على المستوى النفسي أني بدأت أقرأ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، ولم أجد كبير فرق بين ختمة التدبر التي أبتغيها وبين التلاوة العادية للقرآن الكريم.

الفارق الذي حصل لما تنبَّهت أن أحد أدوات التدبر (السؤال)، صار الإنسان يتعامل مع النص القرآني بطريقة مختلفة، وذكرت لكم مثالًا، أن الإنسان ابتدأ من أول وهلة: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ تعاطيه مع هذه الجملة بطريقة مختلفة.

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ لماذا قال (الحمد)؟ ما معنى (الحمد) أصلًا؟ هل الحمد معناه الشكر؟ هل معناه المدح؟ فترجع.

﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ لماذا اختار (الرحمن الرحيم)؟

فتبدأ تولّد السُّؤالات وترجع لإجابات أهل العلم.

العلماء يقولون مثلًا في: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، فالعلماء يتحدَّثون أنه ما قال: (نعبدك ونستعين بك) وقدَّم (إيَّاك) للدلالة على الاختصاص؛ أننا لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك.

فلاحظوا الآثار الإيمانية التي تتخلَّق من هذه القضية، أننا لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك؛ هذا مدلول إيماني تعبُّدي عميق جدًا.

﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ لماذا لم يقل: (غير اليهود والنصارى)؟ لماذا لم يقل: (غير الذين غضب الله عليهم)؟ لماذا قال: (المغضوب عليهم) ثم عبَّر بـ(الضَّالين)؟ المغضوب من جهة الله -عز وجل- والضالين ممارسة فعلية هم وقعوا فيها. فتلاحظ المسألة.

مثلًا: ما معنى (آمين)؟ ما علاقتها بـ(اللهم استجب)؟ ما هو الاقتران اللغوي بين الطرفين؟

تفتُّح هذه الآثار الذي خلقه بالنسبة إليّ هو السؤال، فبدأ الإنسان يقرأ القرآن قراءة مختلفة.

 

- سؤال غير واضح..

الشيخ: هناك كتب متعدّدة، المهتم بعلم مفردات القرآن الكريم هناك كتاب الراغب الأصفهاني، وهناك كتاب آخر اسمه: (السراج في غريب القرآن الكريم) للشيخ محمد الخضير، وبالجملة هو كتاب جيد. وبالجملة الكتب المؤلفة في غريب القرآن كثيرة جدًا ومفيدة.

 

- سؤال غير واضح..

الشيخ: تعليقك ما شاء الله موفَّق، والملحظ الذي أبديته في غاية النَّفاسة؛ قضية (القرآن الكريم) وجزء من كلمة الكرم هو كرم القرآن في إبداء معانيه، وعلماء السلف يعبّرون أن القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي فوائده..

 

- سؤال غير واضح..

الشيخ: جميل، طبعًا نحن في المقابل ليس عندنا دلالة أن النبي ﷺ كان يمارس هذه القضية على سبيل الدَّيمومة، وأنا أقول أنَّ من المحتمل أن النَّص القرآني كان محدودًا، وكان عند النبي ﷺ مادة الحفظ، فلما بدأ يتكاثر عليه هذا النص القرآني صار يتخوَّف من التَّفلُّت فيحرص على نوع من أنواع الحفظ الذي يمارسه ابتداءً..

فالشاهد الذي يحل الفكرة أنه لا يوجد دليل شرعي يبيّن أن النبي ﷺ لحظة تنزُّل ﴿ اقْرَأْ ﴾ كان يمارس هذا الفعل، وأن الذي عندنا أن هذا وقع في أثناء تلاوة جبريل له في سورة القيامة، فلعلَّ أن هناك أمرًا طرأ واستجد، أقول (لعل) لأنه ليس لدينا ما يحدّد الإجابة.

سيطرأ الإشكال لو قيل أن هذا الأمر كان يجري من النبي ﷺ، فيقال: فلماذا تأخر التنبيه على ذلك إلى سورة القيامة؟ فنحتاج أن نفتّش عن إجابة، لكن لا يوجد عندنا دليل، لا بالسَّلب ولا بالإيجاب، فليس عندنا دليل يقول أن النبي ﷺ لم يكن يفعله إلا في هذه السورة، ولا عندنا في المقابل دليل أن النبي ﷺ كان يفعله على الديمومة.

ففي هذه المسألة لا يستطيع الإنسان أن يفرض الاستشكال، لأنه ليس عندنا دليل أن النبي ﷺ كان يمارس الدور في كل تفاصيله..

 

  • سؤال غير واضح..

الشيخ: كما ذكرت في البداية أنَّ أحد الاتجاهين الفقهيين المعتبرين، والذين ليس بينهما تنافر حقيقي، أن القرآن الكريم من عظمته ومن عظمة الله -تبارك وتعالى- بمجرد تلاوته وجريانه على لسان العبد هو مما يصب في ميزان حسنات العبد، ولم أقصد التنقُّص من هذه القضية، أن النبي ﷺ ينبهنا : "من قرأ حرفًا من كتاب الله.." هذا يدل على شرف تلاوة النص القرآني، ولذا الأعاجم حين يجاهدون أنفسهم ويتلون كتاب الله -تبارك وتعالى- حتى لو لم يكونوا يدركون العربية يُرجى لهم ثواب الله -عز وجل- وأجره، هذا مقام تعبُّدي ليس القصد الانتقاص منه.

لكن كما ذكرته، وهذه المسألة موكولة لأهل العلم، ولكن أنا أعتقد في دائرة العيب –حتى نتحرَّر من الحرمة في إطلاق الأحكام التكليفية-؛ أنه مَعيب بالإنسان أن يتلقَّى كلامًا أو يجري على نفسه كلام وهو ابن العربية، ويصير كحال الأعاجم لا يعرف معناه، وهو عنده المقدرة أن يعرف ..

يعني أليس معيبًا أن الإنسان حين يقف في صلاته بين يدي ربه -تبارك وتعالى- في التشهد الأخير ويقول: (التحيات لله والصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورجمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد...)، ولا يفهم معناها، أو لما يستفتح ويقرأ: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك)، فتجد من يقول (جِدك) وهي (جَدك) لكنَّنا مُبتَلون بنوع من أنواع عُجمة اللسان..!

لكن الفكرة ليست واضحة عندي تمامًا بما يتعلَّق بتحرير دائرة الحكم، على الأقل أن في هذا المقام نقص كبير، مثلما عبَّر الشاعر:

ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا .. كنقص القادرين على التَّمامِ

والتمام في هذه المسألة يمكن بالقوة القريبة، يعني بمجرد فرض السؤال سيُفضي بك إلى المعنى، وتنتقل من دائرة الجهل إلى دائرة العلم بكتاب الله -عز وجل-.

 

  • سؤال غير واضح..

الشيخ: جميل، هو في النهاية أحد أدوات التعلم الأساسية الـمُدرَكة عند الناس هي (أداة التساؤل)، حتى من التعبيرات أنه: "لا يطلب العلم متكبّر ولا مستحٍ"، كِلا الرجلين عنده أزمة السؤال؛ المتكبّر لتكبُّره لا يرى أن يطرح السؤال على من دونه، والمستحي لحيائه لا يطرح السؤال.

أين منطقة الإشكال الموجودة عندنا؟ الذي أراه أن مشكلتنا في التعاطي مع النص القرآني هي أن نجعله في مكان معيّن ولا نطبق عليه جملة من تقنيات التعلُّم التي نطبقها في حياتنا المعاصرة..

فالتدبر ليس أداة أجنبية، لكن أين التنبيه؟

الآن كم من طلبة العلم والباحثين الذين يكتبون أبحاثهم؟ وأنا عبَّرت عن هذه الحقيقة، عندنا العشرات، والباحث مستعد لأن يرجع لمطوّلات الكتب، لكن لا يخطر في باله أن يأتي إلى آيات القرآن الكريم ويجعل القرآن الكريم مرجعًا حقيقيًا في عمليته البحثيَّة، أن يرجع للقرآن كما يرجع لأي كتاب..

يعني أليس من المعيب والغريب والعجيب أن يأتي عبد الله العجيري يريد أن يبحث في مسألة معينة ثم يفضي إلى (مجموع فتاوى ابن تيمية) وهو مستعد أن يقرأ الـ37 مجلدًا، ولا يخطر بباله أن يرجع للقرآن الكريم!، مع أن القرآن الكريم هو القضية المتماسَّة الرئيسية الأولى، والمرجع رقم واحد لتشكيل تصوُّرات الإنسان العقديَّة.

فهل هذه الأداة يمكن أن يوظفها الإنسان في التفسير؟ أقول يستطيع توظيفها فيما هو أعم من التفسير، في التفسير، في الفقه، في الحديث، في العلوم الإنسانية.

يعني أحد وجوه استيعاب النص الذي أمامك أن تفرض عليه سؤالات وتتطلَّب جوابات هذه السؤالات، من خلال المؤلَّف نفسه أو ما يمكن أن يطرح خارج هذا المؤلف.

 

 

  • سؤال غير واضح..

الشيخ: أنا أذكر أنني تعرفت في محاضرة على أحد الشباب المصريين كان يدير المسألة هذه، وطرح محاضرة في علاقة النص القرآني بما يتعلق بهذا الأمر على وجه الخصوص، وهل يمكن التأليف بهذه المسألة؟ أنا أعتقد نعم؛ أن أمهات أدلة وجود الله -سبحانه وتعالى- والجدل الفلسفي وحتى ما طرحته أنا في (شموع النهار) هو في مآله ومرجعه لا يختلف عن مدلولات الأدلة الموجودة في النص القرآني.

يعني مثلًا من الدلائل العقلية الأساسية الدالة على وجود الله -تبارك وتعالى- دليل الخلق والإجاد، ودليل الرعاية والعناية والإحكام، وكلا الدَّليلين موجود في النص القرآني، موجود بطريق سهل قريب فطري عقلي يستطيع الإنسان أن يتلقَّه بشكل مباشر، ونحن نستطيع أن نضع حواشٍ على دلالة النص القرآني.

دلالة الفطرة كذلك موجودة في النص القرآني، فهل يمكن الكتابة البحثية؟ أنا أظن أن هذه أحد المشاريع التي يمكن للإنسان أن يفضي ويُسهم بها في معالجة ملف الإلحاد ما يتعلَّق بهذه القضية. وعلى المستوى الشخصي ذكرت أن ميزة النص القرآني في معالجة هذه القضايا أنه لا يقدّمها في قوالب علمية معرفية جافة، وإنما في قالب يخاطب عاطفة الإنسان وإيمان الإنسان وعقل الإنسان وكينونته.

أنا أدخل في كثير من الجدالات مع الشباب والملاحدة وهكذا، ودائمًا لما أخرج هناك نوع من أنواع التوتر والقلق والاضطراب، ليس عائدًا للتوتر أمام الشبهات والإشكاليات، لكنه نوع من الضيق، وحتى أهلي يُدركون هذه المسألة من خُلقي -كما يقال-، يعرفون دائمًا أن هناك أمرًا، والذي يُعيد حالة التوازن لنفسي على المستوى الشخصي ويعيد حالة الطمأنينة هو أن أفضي إلى القرآن الكريم تاليًا منه بعض الآيات القرآنية، فوالله العظيم كأنما أنشط من عِقال..

وذكرت في آخر (ميليشيا الإلحاد) أهميَّة جعل القرآن الكريم مركزًا في التصورات العقدية، وأن معالجة هذه القضية ليست أجنبية، ذكرت بعض الآيات القرآنية المؤثرة على المستوى الشخصي بما يتعلَّق بملف الإلحاد.

فأنا أؤكّد على أهمية هذا المشروع، وأن عامة المشاريع الإسلامية يُفترض أن يكون مُنطلقها أصلًا من الهِداية القرآنية بما يتعلَّق بهذه القضية القرآنية.

 

  • سؤال غير واضح..

الشيخ: بالنسبة لما يتعلَّق بالآية القرآنية المقصودة، في بدايتها يقول الله -عز وجل-: ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ (السَّبب) معناه الحبل؛ أي يمد حبلًا ويشنق نفسه، معنى الآية: أن من كان متشكِّكًا بنصر الله -تبارك وتعالى- فلينتحر ويشنق نفسه، ويستطيع الإنسان أن يرجع لكتب التفسير.

بالنسبة للسؤال الأول ما يتعلق بقضية المجاز؛ أنا أول ما قلت: (المجاز)، قلت: هذا ملف طويل!، وفيه جدل طويل، ويفتح جدالًا واسعًا جدًا، وفي مؤلفات وكتب وجدل واسع.

فأنا النسبة إليّ المقاربة الحقيقية لهذه المسألة أنها رؤية اجتهادية مقبولة بجملة منها، الجزء الأكبر منها ما يتعلق بإشكالية لغوية معينة فيها رؤيتان بما يتعلق بهذه القضية؛ هناك رؤية ترى أن المجاز له حضور فيما يتعلق باللغة العربية، فبالتالي له حضور في النص القرآني، وله حضور في النصوص النبوية.

ورؤية ترى أن ثمة إشكال معرفي فيما يتعلق بالمجاز، وطبعًا أشهر الأعلام الذين تبنوا هذه الرؤية هو ابن تيمية..

وحتى يتَّضح الأمر؛ إحدى المغالطات المتوهَّمة أن المجاز مُقترن ضرورة بحالات التأويل الكلامي على سبيل المثال، في حين يقابله حالة متمنِّعة من المجاز، ويوجد من أبنائنا ومن علماء السلف من يتبنى رؤية كرؤية ابن تيمية في قضية الأسماء والصفات وهو يؤمن بقضية المجاز ودافع عنها مثل ابن قتيبة، ويوجد من المتكلمين من يتأول الآيات القرآنية مثل أبو إسحاق الإسفارييني ممن يُبطل المجاز.

فليس هناك ارتباط ضروري عقدي بين تبني المجاز ورفضه وأثره وانعكاسه على قضية التأويل.

ابن تيمية طبعًا هو المنظّر الأشهر لرفض المجاز، توسَّع ونقل عنه الإمام ابن القيم في (الصواعق المرسلة) والذي حفظ كلامه في المجاز في (مختصر الصواعق)، أهم الإشكاليات الموجودة عند ابن تيمية، وهذه المسائل تحتاج إلى تحريك الذهن؛ أن التيار السائد عربية والتيار الأكثر حضورًا علميًا هو التيار المتبنّي للرؤية المجازية، والذي يعبّر عنه ابن تيمية هو الرؤية الأقل، وبالتالي أذكر الإشكال الـمُورَد على الكلام الأكثر: ابن تيمية وجهة نظره وإشكاليته تعود إلى عدة معاملات، من أهمها:

المعامل الأول: إشكالية في طبيعة الوضع اللغوي، فابن تيمية عنده إشكال في أصل وضع اللغة، وأنه لا يوجد دليل على فكرة الوضع الأول، فلما يأتي المجازيون ويقولون مثلًا: أن (الأسد) في أصل الوضع الأول على الحيوان الجارح، وهو مجاز في الرجل الشجاع. فابن تيمية يقول: من أين لكم الدراية والعلم بأن الوضع الأول كان كذلك؟ كأن الصورة أن العرب اجتمعوا فنظروا للحيوان هذا فقالوا سوف نسميه (أسدًا)، ثم لما لاحظوا الشجاعة عند الإنسان قالوا: نسميه أسدًا..

ابن تيمية يقول: ما المانع عقلًا أن تكون المسألة مقلوبة؟؛ أنه كان عندهم في أصل الوضع الأول أن الأسد معناه الشجاع، فلما رأوا أن هذا الحيوان شجاع سموه أسدًا، فعنده إشكالية في طبيعة الوضع الأول.

وأوضحها بشكل أوضح وهو موطن طرافة؛ عامة المجازيين يرون أن كلمة (الغائط) هي حقيقة في المكان المنخفض، وهي مجاز في الخارج المستخبث. طيب لماذا استخدم العرب هذا؟ لأنهم يريدون أن يكنُّوا عن الخارج المستخبث قالوا (غائط)، فكأنك حين تقول كلمة (غائط) العرب ينصرف ذهنها مباشرة إلى المكان المنخفض، وبعد ذلك بدل المقصود للتعبير عن الخارج المستخبث، ولاحظوا تأدب العرب الذي كان جاريًا.

المشكلة الآن في فكرة التواضع أن المعنى الذي يقفز للذهن عند قول (غائط) هو الخارج المستخبث، فانقلبت المسألة، وهذه إشكالية في تحرير وتحديد ما هو الوضع الأول.

خذوا ما هو أطرف؛ الإمام الطوفي -عليه رحمة الله- وهو يتبنَّى الرؤية المجازية في كتابه (شرح مختصر الروضة)، قال: الغائط في العربية في أصل الوضع الأول هو الخارج المستخبث، ولأنها يُقذف بها في المكان المنخفض سموه غائطًا مجازًا. فلاحظوا أنه يقع أحيانًا عندنا اضطراب في تحديد ما هو الوضع الأول؟

فهذه إحدى الإشكاليات الموجودة عند ابن تيمية.

 

الإشكالية الثانية الأكثر خطورة عند ابن تيمية، وهو يقدم نظرية بديلة وهي (نظرية السياق).

مشكلة ابن تيمية مع المجازيين أنهم يقولون: "الكلام إذا تجرَّد عن القرينة انصرف إلى الحقيقة، فإن وُجدت القرينة انصرف إلى المجاز".

ابن تيمية يقول: الكلام كله لا يخلو عن قرينة، لا حقيقة ولا مجازًا؛ فالحقيقة كل المجاز تستلزم القرينة، ويقول أن اللفظة المجردة لا تدل على معنى ما لم تُوضع في سياق.

يعني لو قلت لكم الآن: (عين)، ما الذي انقدح في ذهن الجميع مباشرة؟ العين الباصرة، طيب هل فيكم أحد يستطيع أن يقسم بالله العظيم أن المعنى الذي قصدته لما قلت: (عين) هو العين الباصرة؟ كيف تستطيع إدراك ما الذي قصدته من هذه الكلمة؟ من خلال وضعها في سياق.

فابن تيمية يرى أن (عين) ليس لها معنى، بمعنى أن معناها يتفاوت بحزمة من المعاني التي لا نستطيع تحديدها، لكن إذا وضعتها في سياق واستكشفت القرينة الدالة على معناها -سواء حقيقة أو مجاز- يتبيَّن لك.

وهناك إشكاليات طويلة عريضة لا أريد إشغال الأحبة بها..

  • كيف نبحث عن إجابات الأسئلة والإشكالات التي ترِد علينا؟ لأن بعض التفاسير قد لا تفصّل في الإشكال المطلوب؟

الشيخ: الفكرة باختصار شديد؛ أن كتب التفسير ككتب العلوم فيها المختصر وفيها المتوسط وفيها المطوَّل، ويجب أن ينتبه الإنسان إلى أن مناهج المفسرين متفاوتة بحسب طبيعة الانشغال، من أشهر التفاسير على سبيل المثال: (تفسير الحافظ ابن كثير) ما هي أهم ميزة في هذا التفسير؟ أن الحافظ ابن كثير منصرف إلى حشد أكبر قدر من الأحاديث النبوية المتعلقة بتفسير الآية، هذه الميزة المركزية في تفسير الحافظ ابن كثير.

ما هي الميزة الأساسية مثلًا لتفسير الإمام القرطبي؟ أنه (جامع لأحكام القرآن)، مهتم بالأحكام الفقهية.

ما هو التميز الأساسي لتفسير (الكشاف للزمخشري)؟ التفسير البلاغي للقرآن الكريم.

ما هو الامتياز الحقيقي الموجود في (زاد المسير للحافظ ابن الجوزي)؟ أنه جامع للأقوال، لا يكاد يشذ قول مذكور في كتب التفسير على جهة الاختصار..

(تفسير الإمام الطبري) فيه جوانب عبقرية في عملية الترجيح بين الخلافات، وعنده حشد مُسند للآثار.

(الدر المنثور للسيوطي) هو مستودع الآثار المنقولة عن السلف الصالح فيما يتعلَّق بتفسير الآيات القرآنية.

إذا أدرك الإنسان هذه المنهجيَّات يستطيع الإفضاء إلى الإشكاليات بحسب طبيعة الانشغال؛ فإذا وقف على إشكال يتصل بالإشكال الفقهي فمظنَّة الرجوع للبحث عن هذا الإشكال هو (الجامع لأحكام القرآن).

إذا عنده سؤال فيما يتعلق بالجانب البلاغي للقرآن الكريم عندك تفسير (الكشاف)، وعندك تفسير الطاهر بن عاشور عنده إبداعات بما يتعلق بهذا المجال، وهكذا..

فالشاهد أن الأخت لما تقول: (لأن بعض التفاسير قد لا تفصّل في الإشكال المطلوب) هذا عائد للرجوع إما للمختصر أو المتوسط أو إلى غير المشتغل بالباب، أما الإفضاء إلى المطوَّلات فأنا أزعم أني لم أقف على إشكالية إلا ووجدت جوابًا عنها في المطولات التفسيرية، وقد يوجد في مختصره أو متوسطه فلا يخلو، فيحتاج الإنسان إلى نوع من أنواع التوازن..

 

وهناك كتب متعدّدة عن مناهج المفسرين، ومن أشهر الكتب المعتمدة أكاديميًا (التفسير والمفسرون) للشيخ الذهبي -عليه رحمة الله-، كتاب مدرسي مشهور، (..)، والشيخ مساعد الطيار أذكر أنني حضرت له دورة علميَّة فيما يتعلق بمنهج المفسرين، ولكن لا أعلم هل فُرِّغت المادة أو ألَّف فيها كتابًا..

  • نصيحة بكتب وتفاسير اعتنت بجانب التدبر والفوائد القرآنية؟

(...)، (المعين على تدبر الكتاب المبين) لمجد بن أحمد مكي.

 

  • سؤال يقول: ما علاقة قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ ما علاقة اليتامى بالزواج في نفس الآية؟ أتوقف هنا كثيرًا ولا أعرف معناها..

الشيخ: يستطيع الإنسان أن يفضي إلى الجواب من خلال الرجوع إلى كتب التفسير، والمفسّرون عالجوا هذا الأمر معالجة مشهورة، من أحد الأقوال أن من تورُّع الصحابة بما يتعلَّق بأكل مال اليتيم، وأن أكل مال اليتيم من أكبر الإكبار، ومن يأكل مال اليتيم يأكل في بطنه من نار جهنم، كانت هناك حالة من التخوف والتورع من الزواج منهن خشية ظلمهن، فالله -عز وجل- يقول: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾، بعض المفسرّين يقول: فانكحوا ما طاب لكم من يتامى النساء، فهناك أقوال متعددة.

الشاهد محل هذه الإشكالية هو سبب النزول، فالرجوع إلى كتب التفسير يحل الإشكال..

فالدعوة إذا خطر الإشكال إلى أن لا يؤخّر الإنسان البحث عن إشكاله، تستطيع الرجوع لكتب التفسير وستفضي إلى معارف وعلوم كثيرة متنوعة..

 

  • كيف نفهم في القرآن في قصة عزير أن أوَّلها: ﴿ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ وفي نهاية الآية يقول: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾؟

الشيخ: واضح الجواب، والقصة أصلًا سيقت للتَّدليل والبرهنة على كمال عظمة الله -تبارك وتعالى-، الرجل طرح التساؤل: ﴿ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ فأماته الله مائة عام ثم بعثه؛ الطعام لم يتغير، الحمار تغير، انكشف له عظيم قدرة الله -تبارك وتعالى- الذي قدر على المحافظة عليه وعلى الطعام مائة عام، ثم ابتعثه وأحياه بعد مائة عام، قطعًا وجزمًا أنه قادر على إحياء الأرض الميتة بعد موتها، فقال: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.

 

.. هذا ما تيسَّر ذِكره ..

.. أسأل الله -عز وجل- لي ولكم التوفيق والسداد ..

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

 

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات