أرقام الموقع جديد - GIF - 11/5/2017
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. المحيط الاجتماعي.. وإعادة تكوين الفكر والأخلاق
المحيط الاجتماعي.. وإعادة تكوين الفكر والأخلاق

المحيط الاجتماعي.. وإعادة تكوين الفكر والأخلاق

تاريخ النشر: 1 محرم 1439 (2017-09-22)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

 

منذ ما يزيد على ألف سنة، تم اختطاف عالم عربي على يد محاربي الشمال المتوحشين (الفايكنغ) حيث أخذوه معهم كرقيق إلى بلادهم البعيدة، وعاش معهم فترة ليست بالقصيرة. رحلة بدأت بالخوف والشك، ثم تحولت إلى احترام متبادل، حيث عاش بينهم يأكل مما يأكلون ويشرب مما يشربون، وينام مثلهم ويحارب كأنه واحد منهم، وكان هو المثقف والعالم الوحيد بين مجتمع وحشي خرافي، ولأنه كان الوحيد الذي يستطيع أن يقرأ ويكتب؛ فقد سجل كل لحظة عاشها معهم وكتبها بدقة متناهية وبأمانة تامة.

ذلك هو السفير المسلم أحمد بن فضلان الذي أرسله الخليفة العباسي (المقتدر) سنة 921م إلى بلاد البلغار للدعوة إلى الإسلام وتعليم أهل تلك البلاد أمور الدين، لكنه لم يستطع أن يكمل طريقه لأن عصابة من الاسكندينافيين اعترضوه وأسروه، ثم حملوه معهم إلى بلادهم.

قصة أحمد بن فضلان طويلة وشيقة ومخيفة وخاصة مع (أكلة لحوم البشر)، لكن ما يهم هو ما له صلة بأصل الموضوع وهو: "دور الوسط الاجتماعي" في تكون رؤى جديدة وأخلاق مُولدة، ينفعل فيها الإنسان مع وسطه الجديد رغماً عنه، انفعالاً إيجابيًا أو سلبيًا.

لقد عاش أحمد بن فضلان فترة ليست بالهينة مع هؤلاء الوثنيين والهمجيين، وهو العالم والمثقف المسلم، فهل كان لهذا الوسط البدائي والمتخلف أي تأثير عليه؟

لقد سجل الرحالة العربي "ابن فضلان" في مذكراته المهمة؛ ملاحظاته وأحاسيسه بكل دقة، ووصف لحظات فرحه، أوقات جزعه وخوفه وحزنه، ووصف الحياة الاجتماعية التي عاشها وعاينها وخبرها، وبحكم أنه فردٌ عاش في مجتمع مختلف، أي "وسط اجتماعي مختلف"، فقد ظل فترة زمنية ينفعل كإنسان بوسطه الاجتماعي إلى درجة أنه -وهو المثقف الواعي- بدأ يتسرب إلى عقله تصديق بعض الخرافات الساذجة مما كان يسمعه مراراً وتكراراً من (الفايكنغ)، مثل خرافة (نساء الغابات) التي كان يسمعها كثيراً من رفيق دربه الاسكندينافي (هيرغر) عن وجود فتيات جميلات وفاتنات يظهرن للفرسان الشجعان في الغابات والأماكن الموحشة ببلاد الشمال، وأنهن يقمن بإغواء الرجال بجمالهن وكلماتهن الناعمة، ولكنه حينما يقترب منهن يجد أنهن جوفاوات من الخلف لأنهن مجرد أشباح، فيقع أسيراً في سحرهن!

لقد صدق المثقف ابن فضلان تلك الخرافة، وذلك أنه مر بفتاة جميلة وقد وقع أسيراً في جمالها، فتذكر قصة صديقه (هيرغر) فقام وتحسس بيده على ظهرها، فضحكت الفتاة الجميلة لأنها عرفت سبب لمسه لظهرها وهو ظنه أنها من فتيات الغابة!

يقول أحمد بن فضلان معلقاً على ضحك الفتاة منه: (أحسستُ بحماقتي، ووبختُ نفسي لتصديقي شعوذة وثني، واكتشفتُ أنه إذا كان المحيطون بك جميعاً يؤمنون بشيء معين، فستجد نفسك تحس بإغراء مشاركتهم في ذلك الاعتقاد، وكذلك كان الأمر معي).

ثم يُبيَّن قاعدة مهمة في الانفعال الذاتي بالوسط الاجتماعي، فيقول: (وهكذا فإن الأشياء الغريبة –المستنكرة- تصبح مألوفة بالتكرار).

بكل تأكيد، فما حصل للمثقف ابن فضلان يلخص بشكل رائع أثر الوسط الاجتماعي في الفرد، مهما كان ذلك المجتمع متخلفاً، ومهما كان ذلك الفرد عالماً مثقفاً. لقد انفعل أحمد بن فضلان مع وسطه الاجتماعي، وتأثر بما يدور حوله، حتى وقع فريسة الإيمان بالخرافات والأساطير الوثنية، ولم يفق إلا وهو يحس بحماقته وغبائه حيث استطاع المجتمع أن يهيمن على عقله، ويمارس سيطرته من خلال اللاوعي، مما دفعه أن يتحسس بيده على جسم الفتاة ليتأكد من أنها بشرية وليست شبحاً!

إنها "فلسفة الوسط الاجتماعي" التي تدفعك دفعاً إلى مشاركة المحيطين بك في أفكارهم، وفي أخلاقهم، وفي طبائعهم، علواً أو تسفلاً، وقد لا تفيق من هذه السكرة الاجتماعية أو الاستلاب الاجتماعي إلا حينما تنعتق من ذلك الوسط، فتخرج منه نفسياً وجسدياً، فتراه من بعيد، من خارجه لا من داخله، ومن وراء زجاجٍ مصمتٍ، فتستطيع أن تقيمه بشكل واضح وصحيح.

كثيرًا ما أسمع من المثقفين والمبتعثين وغيرهم؛ قولهم: "نحن مجتمع متخلف"، ويبدون ضجرهم من ذلك، ثم حماسهم ورغبتهم بالتغيير، لكن سرعان ما يتلاشى ذلك بمجرد العودة إلى المجتمع، والحياة الاجتماعية، ويتحولون إلى مجرد أرقام في عددٍ كبير.

دعونا هنا نأخذ جولة في زوايا مختلفة من "الوسط الاجتماعي" وأثره على أخلاق الفرد، وعقلانيته، لنحاول الإجابة عن هذا السؤال: هل الخلل من الأفراد؟ أم من المجتمع؟

 

أولاً: أخلاق الطريق.

مرة حدثني صديق فاضل، عاش في أمريكا الشمالية ما يُقارب العشرين سنة، كان مثال الانضباط والالتزام بأخلاق المجتمع المدني لما كان في أمريكا، يقول صديقي: كنتُ استمتع بالنظام المروري هناك، وألتزم به وأتلذذ بذلك، كانت الشوارع والطرقات جيدة، والعلامات المرورية واضحة في كل مكان، والنظام لا لبس فيه، والناس كل الناس ملتزمة به، وبعد ما يقارب العقدين رجعتُ إلى مدينة الرياض، فلاحظتُ لأول وهلة الفرق الشاسع بين قيادة أهلها ومدى التزامهم بالأنظمة وبين البلد الغربي الذي كنتُ أدرس وأعيش فيه، كان قائد السيارة في مدينة الرياض يقذف بها نحوي ليتجاوزني، ويضغط على المنبه بشكل مزعج خلفي، حتى لا يكاد يفصل بين صدام سيارته وسيارتي إلا سنتيمترات فقط، ولا يوجد في قاموسهم أفضلية للمرور في الدوارات.

ويواصل صديقي كلامه فيقول: لكني آمنتُ بالنظام والالتزام وقررتُ أن لا انفعل ذاتيًا بهذا الوسط الاجتماعي، لكنه لم تمض مدة كبيرة حتى وجدتُ نفسي تنفعل سريعًا بوسطي الجديد، وفجأة قذفتُ بسيارتي نحو سيارة أخرى حاولت أن تتجاوزني، وأصبحتُ أقود سيارتي مثل البقية، ولم تنفعني العشرين سنة التي قضيتها في بلاد النظام!

هذا ما أخبرني به صاحبي، والحقيقة لم تكن مفاجأة لي، فآلاف المبتعثين السعوديين منذ أن تطأ أقدامهم أرض البلدان الغربية إذا بأغلبهم يتحولون إلى أشخاص مختلفين كليًا، وتجد ذلك من أول لحظة حينما يضعون حزام الأمان منذ خروجهم من المطارات الغربية، لكنَّ هؤلاء الآلاف حين رجوعهم إلى وطنهم يخلع معظمهم ذلك الالتزام الذي عاشوه سنوات، كما خلعوا حزام الأمان في أول لحظة وصلوا فيها أرض الوطن.

فلماذا يلتزم معظم هؤلاء الأفراد بالنظام في البلدان الغربية، ويتخلون عنه إذا رجعوا إلى بلدانهم؟

 

ثانياً: أخلاق القرية.

وإذا ما تجاوزنا المقارنة بين الداخل والخارج، فإننا نجد أيضًا مفارقة عجيبة بين أخلاق القرية وأخلاق المدينة، وأثر ذلك في الأفراد، فإنك تجد العالم والمثقف والمتحرر مهما علا منصبه أو أرتفع شأنه، إذا ما رجع إلى قريته أو بلدته الصغيرة إذا به يصبح واحدًا منهم بعقله ونفسيته وتصرفاته، منخرطًا في أحاديثهم ومجالسهم القائمة في كثيرٍ من الأحيان على المكائد والأكاذيب والحسد والنفاق، والتنازع القبلي أو الأسري، ويتناسى ما تعلمه أو ما درسه، ويصبح المجتمع القروي هو الذي يُملي عليه الأخلاق وليس العكس، فالقيادة للمجتمع وليست للأفراد المثقفين.

 

ثالثاً: أخلاق العمل.

وإذا تركنا المقارنة بين مدينة وقرية، وانتقلنا إلى المقارنة بين سكان المدينة الواحدة، نجد فرقًا شاسعًا بين مكانين في مدينة واحدة، فتجد، مثلاً، أنَّ الموظفين في شركة "أرامكو" يختلفون كليةً عن أي موظف حكومي أو موظف في مكان آخر، مع أنهم قد يكونوا أخوة أو جيرانًا أو أقاربًا. فموظف شركة "أرامكو" مثال الانضباط والعمل والجدية، والموظف الآخر مثال التسيب والكسل والاهمال.

فما هو السر وراء هذا الاختلاف المتباين والغريب بين فردين يعيشان في مدينة واحدة وتحت سقف واحد؟ إنه "الوسط الاجتماعي" المحفز والجاد الذي خلقته شركة "أرامكو" لموظفيها، فتحول الفرد الذي يُظن أنَّ البلاء منه إلى فرد جاد لا يختلف عن أي فردٍ في البلدان المتقدمة.

وإذا ما انتقلنا من المقارنة بين شركتين مختلفتين، إلى المقارنة داخل شركة واحدة أو مقر حكومي واحد، فإننا نجد فروقًا كبيرة بين قسمين داخل مقرٍ واحد، قسم مُفعم بالنشاط والحيوية، وقسم مليء بالكسل والغش والكذب، القسم الأول: يُوجد فيه رئيس جاد ونشيط ومثال للمدير الأمين والمشارك، الذي يسير بقسمه بروح الفريق، ويتلمس حاجة كل موظف لديه، مما يدفع بقية الموظفين إلى العطاء والتفاني، وينسب الفضل والانجاز للموظف الذي قام بالعمل ولا ينسبه لنفسه. أما القسم الثاني: فالمدير أناني وكسول وفاقد الإبداع، ويعيش على التصريحات الإعلامية الصاخبة، ويتحالف مع بعض الصحفيين لتلميعه أمام العامة، ويعيش على اختلاسات المال العام، وينسب إنجازات الموظفين الجادين إلى نفسه، ويعيش على سرقة منجزات غيره، مما خلق روح الكراهية داخل القسم، والتنافس غير الشريف والرشوة والكذب والكيد والحسد. إنه لا يفصل بين القسمين إلا حاجز بسيط، لكن العالمين مختلفان كليًا، الوسط الأول خلق الإبداع وروح الفريق الواحد، والوسط الثاني خلق الفشل والارتباك والحسد وعالم مليء بالذئاب والخداع والغش.

الوسط الاجتماعي بأخلاق الطريق وأخلاق القرية وأخلاق العمل، هي التي تصنع وتصوغ أخلاق الفرد، وحينما تتغلب أخلاق المجتمع، كوسط اجتماعي مستمد من أخلاق العامة، على أخلاق المصلحين والمثقفين الذين يُفترض فيهم قيادة المجتمع، يكون حينها المجتمع متخلفًا لأنه يُصاغ من قبل الطبقة العامة أو الطبقة الأسوأ، هذا المجتمع الذي صاغته تلك الطبقة سيكون هو الميزان في التربية والتنشئة، وسيكون هو الحاكم على العقل والأخلاق، وسيعيش المثقف (غربة) في مجتمعه، يحس أنه على خطأ لكثرة ما يرى من مخالفة الحق والصواب، ويُعتبر التيار العام هو معيار الحق والصواب، وهو الذي يُقرر "العيب" و "القبيح" و "الحسن"، ويتحول مفهوم "الضبط الاجتماعي" إلى مفهومٍ عكسي، تمنح فيه السلبية مفهوم الإيجابية، والإيجابية مفهوم السلبية.

إنَّ ما يمكن أن نستخلصه من الأمثلة السابقة، هو: أنَّ العيب لا يُحمل بالدرجة الأولى الأفراد، بل المجتمع، فليس الفرد عندنا مخلوقًا غير قابل للصلاح والتحضر، بل هو قابل لذلك وأهله له متى ما وجد الوسط الذي يؤهله لذلك.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات