تجنب النصيحة في العلن والابتعاد عن كثرة اللوم
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. سلسلة مقالات
  4. حسن الخلق في ضوء الشريعة
  5. تجنب النصيحة في العلن والابتعاد عن كثرة اللوم
تجنب النصيحة في العلن والابتعاد عن كثرة اللوم

تجنب النصيحة في العلن والابتعاد عن كثرة اللوم

التصنيف: الأخلاق
تاريخ النشر: 28 صفر 1439 (2017-11-18)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

 

من قواعد التعامل تجنب النصيحة في العلن والابتعاد عن كثرة اللوم:

ومن القواعد في أساليب التعامل اجتناب النصيحة في العلن:

تَعَمَّدْنِي بِنُصْحِكَ فِي انْفِرَادِوَجَنِّبْنِي النَّصِيحَةَ فِي الْجَمَاعَةْ

فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعُمِنَ التَّوْبِيخِ لَا أَرْضَى اسْتِمَاعَهْ

أيضا البعد عن كثرة اللوم، إن لم يمكن البعد عنه بالكلية، فالناس يكرهون من يؤنب ويوبخ بغير محل التأنيب، ومن غير تأنٍ ومن دون سؤال واستفسار، أيضا يحذر الإنسان في أثناء مخاطبة وتعامل الناس من “الأنا” في الحوارات العامة والخاصة، فقد تجد الشخص يقول أنا، فيقابله الذي أمامه وأنا، وإذا قال له وأنت قال له وأنت، فهذه من الأشياء التي يُحَذِّرُ منها علماء النفس، وقد تكلم عنها أيضا علماؤنا، فلا ينبغي للإنسان أن يدخل في هذا المجال، وليكن هدفه هو الحق.

 

ترك التركيز على السلبيات:

أيضا البعد عن التركيز على السلبيات دون الحسنات، مثاله علاقة المرأة المسلمة بزوجها المسلم، والتي يمكن أن يعمم مغزاها في كل قضايا التعامل، يقول النبي – صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يفرك (17) مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها غيره»(18)، فما أحد يسلم من العيوب، ويقول سعيد بن المسيب: “ليس من شريف ولا عالم، ولا ذي فضل إلا فيه عيب”، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، والرسول –صلى الله عليه وسلم– أعطانا أمثلة في ذلك، كوصيته صلى الله عليه وسلم بالأنصار مثلا.

 

عدم مبادرة الآخر بذكر  عيبه:

كذلك من القواعد في هذا الجانب أن الناس يكرهون من لا ينسى الزلات، فلا ينبغي للإنسان إذا كان يعرف زلة عن أحد أن يبادر إلى ذكرها، وإذا وجد لها فرصة في انتقام النفس، فهذا من الأشياء التي تعتبر ممقوتة، وأيضا هي من الأشياء التي تحجب الحق عمن يتعامل معه وفي الحديث: «من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة»(19).

 

الحذر من النقد المباشر:

أيضا الحذر من النقد المباشر وفيه تفاصيل كثيرة، وللنبي –صلى الله عليه وسلم– في السيرة أمثلة كثيرة، كذلك أن يكون لفت النظر إلى الأخطاء بطريقة غير مباشرة، والناظر في أسلوب القرآن لا يكاد يجد فيه أسماء المنافقين مثلا مع كثرتهم في المدينة، وأيضا له علاقة بجانب الولاء والبراء، نجد أن المنافق الذي نزل الوحي بأنه منافق نفاقا عقديا وليس فقط نفاق عملي، والقاعدة الشرعية في التعامل معه كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: لما قيل يا رسول الله دعني أضرب عنقه يعني عنق المنافق الذي اشتهر بنفاقه قال: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»(20)، ولذلك كانت السنة في المنافقين ألا يقتلوا ما دام منافقا ولم يظهر ردة علنية يحاكم عليها، وهذا من أهم القواعد في التعامل التي تحفظ استقرار المجتمعات، وألحق العلماء بعض أهل الطوائف أيضا بهذا الجانب، ممن لا يظهرون شيئا يتناقض مع الدين مناقضة صريحة كذلك، بل أحيلت كل هذه الأمور إلى أولي الأمر؛ لأنهم الذين يستطيعون أن يحكموا هذا الأمر ويضبطوا قواعده في المجتمع، فليس هذا لكل أحد.

وحتى في النصح كان النبي –صلى الله عليه وسلم– يراعي ذلك، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل»(21)، ففيه لفتة عجيبة جدا، ثناء عليه وأيضا لفت انتباه إلى قضية تتناسب مع تعبده – رضي الله تعالى عنه.

 

البعد عن التعالي في معاملة الناس والجدال في الحديث معهم:

كذلك البعد عن الاستعلاء في التعامل مع الناس؛ لأن الناس يكرهون مَنْ يتعامل معهم باحتقار، وأيضا تجنب الجدل قال صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض(22) الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا»(23).

 

أهمية خدمة الناس ومعرفة أسمائهم وأنسابهم؛ لتحقيق الاجتماعية:

أيضا ينبغي أن يكون المرء في حاجة الناس قبل أن يقول لهم افعلوا أو لا تفعلوا؛ لأن الناس إذا وجدوا الشخص في حاجتهم عرفوا صدقه، وتحملوا أخطاءه التي ربما تقع منه، كذلك مناداة الناس بأسمائهم والتعرف على أنسابهم، وسؤالهم عن أحوالهم، وتقديم الشكر للناس والدعاء لهم قال صلى الله عليه: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله»(24)، وقال: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فأكرم الأنصار والمهاجرة»(25)، وقال صلى الله عليه وسلم: «من صنع إليكم معروفا فكافئوه»(26)، كذلك تقديم الهدية لهم: «تهادوا تحابوا»(27).

ففي قول النبي –صلى الله عليه وآله وسلم– عدد من الأشياء التي ينبغي للإنسان أن يقرأ عنها ويبحث فيها، ويحاول أن يثقف نفسه في هذا الجانب؛ حتى يستطيع أن يتعامل مع الآخرين، ولا بأس أن يقرأ حتى بعض الكتب التي كتبها

المتخصصون في التربية،  وفي قضية التعامل مع الناس؛ لأن هذه من الأشياء التي هي في الغالب نتاج تجارب، تتعامل مع الطبع البشري الذي خلق الله الإنسان عليه، ولا أحسن ولا أعظم ولا أرقى من أساليب التعامل الشرعية: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾(سورة الملك: الآية 14).

 

علاقة التعامل بين الناس بعقيدة الولاء والبراء:

قضية الولاء والبراء يمكن أن تلخص في هذا الجانب بحسب أنواع الناس الذين يتعامل معهم المسلم، فقد يكون التعامل من ناحية الديانة مع مسلم أو غير مسلم، والمسلم قد يكون من الصالحين ومن أهل المروءات، وقد يكون من عامة الناس، وهو أيضا قد يكون ممن اشتهروا بالفسق والفجور وقد لا يكون كذلك، والكافر قد يكون حربيا ليس بيننا وبينه عهد، وقد يكون معاهدا مستأمنا أو معاهدا ضمن صلح، وهذه الأحوال كلها مرتبطة بقضية الولاء والبراء، والأصل في العلاقة مع المسلمين كلهم هي موالاتهم ومحبتهم، وإنما يكون هناك نوع من البغض في الله في جانب التقصير، فيحب العبد بقدر ما فيه من صلاحه، ويبغض بقدر ما يظهر منه من معاصيه، ويبقى مسلما له جميع الحقوق.

وخاصة ممن صار أو انتشرت بينهم المعاصي معينة وصارت ظاهرة، فتحتاج إلى نوع من التعامل، وأيضا ينبغي أن يستحضر الإنسان عقيدة الولاء للمؤمنين، وهو يرى أخا له في الله مسلما أو مسلمة قد وقع منهم تقصير، ومن يعامل الناس ويتعامل معهم على اختلاف بلدانهم و ومجتمعاتهم، يجد أن هذه القضية من أهم القضايا، ولذلك ينبغي ملاحظة هذا الأمر، أمر أن كثيرا من الناس فعلا عنده جهل، فقد تجد امرأة متبرجة تظن أن الحجاب ليس واجبا، ووجدنا والله كثير من النساء عندهم هذا التصور، أنه من الأمور المندوبة ومن الأمور المباحة حتى قالت بعضهن: إن هذا من الأشياء التي تختص بها المتخصصات في العلوم الشرعية، يظنون هذا لجهلها.

فالشاهد أن التعامل مع المسلم ينبغي أن يراعى فيه أنه مسلم يجب له الولاء والمحبة والنصح، ويعني ينظر إليه برحمة، ويجب أن ننظر إلى غير المسلم برحمة فندعوه إلى الإسلام. فكيف بالمسلم الذي قد يكون له عند الله مكانة أعظم مما يظهر من مظهره، وهذا لا يعني التقليل من هذه المعاصي إذا كان الشخص على علم بها، لكن هناك توازن في عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الحب في الله والبغض في الله.

 

التعامل مع المعاهد والمحارب:

قضية التعامل مع المحارب تختلف عن قضية التعامل مع المعاهد والمُصالِح، فالمحارب حلال الدم والمال وفق قواعد تتعلق بأحكام الجهاد، أما المعاهد والمستأمن فله عهد وله ذمة ولا يجوز أن ينقض عهده، ولا يجوز أن تخفر وذمته، بل إن من أحكام الفقه الشرعي أن التعامل مع المستأمن يتطلب أن يدافع عنه بأرواح المسلمين، فإلى هذه الدرجة عَظَّمَ الإسلام شأن العهد والمعاهدة، والأمان الذي يعطى لغير المسلمين، ويجب أن يدفع من خزينة الدولة؛ لاسترداد الأسرى من أهل الذمة من رعايا الدولة الإسلامية، والفقه الإسلامي مليء بهذه الأشياء.

ولا يعكر على هذا ما قد نجده من كلام بعض الفقهاء –وهو كلام فقهي لا أصل له في الشرع كما بين المحققون من العلماء– في بعض الصفات التي تذكر عند أخذ الجزية، ويظنون أن معنى الصغار هو أن يهانوا وأن يؤذوا، وهذا ليس بصحيح قد بين هذا المحققون من العلماء كالإمام النووي وقبلهم الإمام الشافعي في الأم، وكرر هذا كثيرا وقال: “إن معنى الصغار هو خضوعهم لأحكام الإسلام”، بأن يكون راضيا بحكم الإسلام ويبقى على دينه، ويحفظ بالدولة الإسلامية. فالأشياء التي يذكرها بعض الفقهاء قد نبه على خطأها بعض المحققون من أهل العلم، احتراما لهذا العهد وهذه الذمة، ومَنْ يرجع إلى الكتب التي فصلت الحديث عن التعامل مع أهل الذمة، يجد هذه المعاني وابن القيم –رحمه الله– تكلم عنها كلاما جيدا جميلا، وبيَّن أن هذا مما يتوارثه بعض المقلدة من الفقهاء، ولا يعون أنه ليس له أصل في شريعة الله –عز وجل– فهذا الجانب من الجوانب الحقيقة المهمة.

 

نصائح وتوجيهات:

أن يكون دافع النصح الخوف من الله:

من هذه النصائح أولا أن يكون منطلق النصح أو التعامل دافعه الخوف من الله –سبحانه وتعالى– قال الله – عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[سورة فاطر: الآية 28]، وقال الله عز وجل: ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾[سورة التوبة: الآية 13]، فإذا كان المنطلق هو خوف الله –تبارك وتعالى– نفع الله –عز وجل– بالنصيحة والتوجيه للآخرين.

أن يكون القصد من النصح نفع الأمة:

ومن ذلك أن يكون المقصود نفع الأمة وبراءة الذمة، ولا يكون المقصود طلب الشهرة أو الانتقام أو نحو ذلك، كذلك التواضع وعدم الكبر؛ لأن الكبر يحول بين المرء وبين الإفادة منه، فإذا شعر الناس منه الكبرياء فإنهم لا يتقبلون منه، قال الله – عز وجل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾[سورة الفرقان: الآية 63]، وكذلك ليس المقصود كون الشخص يريد أن يُقْبَل كلامُه وكفى فهذا أمر في غاية الخطورة، لكن إذا كان قصد وجه الله –عز وجل– ونفع المسلمين، فإن الله –عز وجل– يسدده، وذلك يتضمن أمرين؛ الأمر الأول تهيئة النفس لقبول الحق ممن جاء به، الأمر الثاني التواضع فإن من تواضع لله رفعه، فمتى تواضع المرء للخلق نفع الله –تبارك وتعالى– به.

أهمية التحقق من المسائل التي يريد المتكلم الإشارة إليها:

ومن الوصايا أيضا أن يحقق المسائل التي يريد أن يتكلم ويوجه فيها ويعامل الناس بها، أن يحققها قولا وعملا واعتقادا، وكذلك أن يتثبت وأن يتبين مما يقول أو مما يقال، كذلك أن يراعي أحوال الناس وأن يبدأ بالأهم فالأهم، فيبدأ بالعقيدة وبالتوحيد وبترسيخه وبيانه للناس، ثم ينطلق إلى سائر الأحكام الشرعية، وألا يبدأ بالأمور التي قد لا يتقبلها الناس ابتداء، كأن يقول أحد الدعاة لناس أسلموا توا، يقول لهم: أولا اختتنوا فَسَبَّبَ ذلك أن تراجع بعض الناس وقال: دينكم أول ما يدعونا يأمرنا بقطع كذا وكذا  فيرتدون ولا يسلمون، فلا بد من البدء بما بدأ الله به: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾[سورة محمد: الآية 19]، وكذلك ينبغي أن ينظر إلى أحوال المخالف وإلى ظروفه، وإلى الأشياء التي تحيط به وإلى علمه وعدم علمه، وإلى الأشياء التي تحيط به. كذلك مما ينبغي التنبيه له، أن يبتعد المسلم عن التعنيف وعن التجريح، وعن تذكيره بماضيه أو بما حصل منه أو ما إلى ذلك، ويراعي مقتضيات الأحوال، ويراعى في هذا المصلحة والمفسدة كما أسلفنا في القواعد الأولى، كذلك التأني في الطرح، والعلم بواقع الحال واتهام الرأي، والجد والاجتهاد في العدل في الكلام وألا يكون همه التركيز على ذات الشخص، لاسيما إن كان في مجال تنبيه الناس، فإن في المعاريض مندوحة عن كثير من التصريح. كذلك ألا تأخذه المجاملة والمداراة في كتم الحق، بل عليه أن يكون شجاعا حتى مع من يحبهم، يقدم لهم النصح بالتي هي أحسن وبالطرق المشروعة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

 

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات