معاملة الناس من منطلق البشرية المحضة
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. سلسلة مقالات
  4. حسن الخلق في ضوء الشريعة
  5. معاملة الناس من منطلق البشرية المحضة
معاملة الناس من منطلق البشرية المحضة

معاملة الناس من منطلق البشرية المحضة

التصنيف: الأخلاق
تاريخ النشر: 28 صفر 1439 (2017-11-18)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

 

معاملة الناس من منطلق البشرية المحضة:

ثانيا: من القواعد التعامل مع الناس على صفتهم البشرية، فالإنسان خلقه الله جسدا وروحا فلا يتعامل معه كما يتعامل مع الآلات، وإنما يتعامل معه إنسانا له روح وله مشاعر، ويرتب على هذه المشاعر قضايا كثيرة، ويرتب على هذه القضايا أحكاما شرعية، فالإنسان ليس آلة من الآلات، إنما هو إنسان بروحه وجسمه وعقله ومشاعره، وهو محتاج إلى تغذية هذه الأمور كلها، وبعض الناس يخطئون عندما يتعاملون مع الإنسان في الجانب الدعوي مثلا مع فكره فقط، دون أن يهتموا بمشاعره،

ومن أصول ذلك في شريعتنا أمر الله –سبحانه وتعالى– لنا أن نلتزم الحكمة في التعامل مع الناس، وهذا عين العقل؛ لأن مراعاة أحوالهم تطلب ذلك قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[سورة النحل: الآية 125]، وفي هذه الآية أمر عجيب، فإن الآية بينت مراعاة نفس المدعو، وفي نفس الوقت وضعت حاجزا أمام نفسية الداعي أن يتجاوز؛ لأنه يرى أن الذي أمامه لم يتغير في مسألة الهداية وعدمها: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾[سورة القصص: الآية 56]، وفي آخر هذه الآية: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[سورة القصص: الآية 56]، إنما عليك البلاغ.

وكذلك من أصول هذا المعنى وهذه القاعدة قول الله – عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾[سورة آل عمران: الآية 159]،

وكذلك قصة النبي –صلى الله عليه وسلم– حينما: «راعى نفسية ذلك الأعرابي الذي أتى، ولعدم علمه بال في مؤخرة المسجد، فكان تعامل النبي –صلى الله عليه وآله وسلم– معه تعاملا عظيما وعجيبا»(14)، وفيه من الفوائد الشيء الكثير. فهذه القضية في الحقيقة من القضايا التي ربما تكون أحيانا عسيرة على النفوس؛ لأن المتعامل له أيضا مشاعر، والمتعامل معه له مشاعر، وغالبا يظهر هذا التشابك عندما يتعامل الشخص مثلا بطريق حسن فيقابل بإساءة، وهذا المعنى لشدته وصعوبته بيَّن الله –عز وجل– أمره وبيَّن هذه الصعوبة فيه في قول الله – تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾[سورة فصلت: الآية 34]، فأن تقابل الإساءة بالحسنة، ليس أمرا سهلا ولذلك قال الله – عز وجل: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾[سورة فصلت: الآية 35]،

والله لو تعبدنا الله –عز وجل– بهذه الآية لقضينا على كثير من المشاكل، في علاقاتنا مع أقاربنا مع أرحامنا مع من حولنا، ومع موظفينا مع عمالنا مع جميع الناس مسلمهم وكافرهم، هذه الحقيقة تجعل هناك نوعا من العلاقة التي مبناها على ربط العاقبة بما في الآخرة عند الله، هذا الحظ العظيم: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [سورة فصلت: الآية 35]، تحتاج صبرا وكظما للغيظ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾[سورة آل عمران: الآية 134].

مشاعر تتصادم بين المتعامل والمتعامل معه، فهذه الحقيقة من أهم القواعد التي ينبغي مراعاتها، بل إن السلف –رحمهم الله– كانوا إذا وجدوا من أنفسهم ميلا إلى النقمة توقفوا عن الإنكار، وعن النصح حتى؛ لا يكون ما يفعلونه انتقاما لأنفسهم، لا تقربا إلى الله –عز وجل– وهذا غاية الفقه في مثل هذه الأمور.

 

تقدير الأحوال والفروق بين الناس:

ومن القواعد المهمة في التعامل، تقدير الأحوال والفروق، ففرق بين التعامل مع الأسوياء من الناس، والتعامل مع غيرهم؛ فالشواذ في السلوك يحتاجون إلى معاملة فردية خاصة، وهو فن له تخصصاته ويظهر ذلك جليا في جميع طبقات الناس، لكن لو ضربت مثالا مما هو بين الناس من ابتلوا بالإدمان مثلا، فهؤلاء ليس التعامل معهم كالتعامل مع غيرهم، فلا يفيد فيهم النصح عادة، وإنما يحتاجون إلى أن نساعدهم وإلى أن نعينهم، ولهذا السبب وجدت هناك المستشفيات المتخصصة لهم؛ لأن هذا يحتاج إلى أن نعينه بأشياء تتعلق بالجلسات الخاصة وبالعلاجات التي تساعده ماديا، حتى على التوازن الجسدي لديه، حتى يتقبل التخلص من هذه الأشياء التي أدمن عليها.

كذلك لا يعامل اللئيم معاملة الكريم وقديما قيل:

إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكْتَهُوَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ الَّلئِيمَ تَمَرَّدَا

ومن هنا أتت الأحكام الشرعية التي فيها شدة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾[سورة التوبة: الآية 73] وغير ذلك من النصوص التي تشير إلى هذا المعنى أيضا في إطار ضوابطه الشرعية.

 

مراعاة اختلاف العلا قات بين المتعامل والمتعامل معهم من الناس:

كذلك تختلف طريقة التعامل تبعا لاختلاف العلاقة؛ كالوالد مع ولده والزوج مع زوجته، والرئيس مع مرؤوسه إلى آخره، كذلك التعامل يتغير باختلاف الأفهام والعقول؛ فالرجل الذكي الفاهم الواعي، تختلف طريقة تعامله عن الشخص الآخر المحدود العقل أو الثقافة، كذلك يختلف أسلوب التعامل باختلاف الشخصية؛ فطريقة التعامل مع شخص كثير الشكوك والحساسية، تختلف عن التعامل مع شخص دون ذلك، وهذه أمور ينبغي أن تراعى دائما، وأن تدرس حالة الشخص الذي يُراد التعامل معه، قبل أن يصطدم الإنسان بأشياء قد تعقد نوعية هذا التعامل.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات