أحكام النُّذوُر
أرقام الموقع جديد - GIF - 11/5/2017
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. أحكام النُّذوُر
أحكام النُّذوُر

أحكام النُّذوُر

تاريخ النشر: 17 رمضان 1439 (2018-06-01)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

 

 

أحكام النُّذوُر

إن النذرَ له أحكامٌ تتعلقُ به، فأقول وبالله تعالى التوفيق:

 تعريف النذر :

أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر. (المفردات للراغب الأصبهاني صـ742)

 

مشروعية النذر :

النذر مشروع بالكتاب والسُّنَّة والإجماع .

أما الكتاب: فيقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (البقرة : 270)، ويقول سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾(الحج: 29)، ويقول جل شأنه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (الإنسان: 7) .

وأما السُّنَّة: فقد روى البخاريُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ. ( البخاري حديث 6696)

وروى الشيخانِ عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ لَا أَدْرِي ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ. (البخاري حديث 2651 / مسلم حديث 2535).

وأما الإجماع :

فقد أجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ولزوم الوفاء به  (المغني لابن قدامة جـ13 صـ621)

 

النذر في الأديان السابقة :

كان النذر مشروعًا في الأديان السابقة للإسلام، يقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ  مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(آل عمران: 35).

ويقول سبحانه عن مريم عليها السلام: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (مريم: 26) .

 

حُكْمُ النذر :

يختلف حكم النذر حسب أحواله ، فيباح النذر المطلق الذي يُرادُ به وجه الله تعالى كنذر صيام أو حج أو عمرة أو صلاة أو صدقة، ويكره النذر المقيد والمشروط كأن يقول المسلم: إن شفا الله مريضي صمت أسبوعًا أو تصدقت بكذا على الفقراء .

روى مسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنْ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ وَلَكِنْ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنْ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنْ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِج (مسلم حديث 1640).

ويحرمُ النذر إذا كان لغير وجه الله كالنذر لقبور أولياء الله الصالحين، كأن يقول المسلم: يا سيدي فلان إن شفا الله مريضي، ذبحت عند قبرك كذا، أو تصدقت بكذا، وهذا النذر فيه صرف للعبادة لغير الله تعالى، وهذا هو الشرك الذي حرَّمه الله بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾(النساء : 36)(منهاج المسلم لأبي بكر الجزائري صـ430).

 

شروط النذر :

إن للنذر شروطًا، لابد من توافرها، بعضها يتعلق بالناذر نفسه، وبعضها يتعلق بالمنذور به، وهو كالآتي:

أولاً: شروط الناذر :

يشترط في الناذر أن يكون مسلمًا ، بالغًا ، عاقلاً ، قاصدًا للنذر بإرادته ورغبته .

أما الإسلام، فلأنه أساس قبول الأعمال الصالحة عند الله، والكافر لا يصح منه النذر، ولو نذر ثم أسلم بعد ذلك، لا يلزمه الوفاء بنذره ، لعدم أهليته للتقرب إلى الله تعالى .

وأما البلوغ والعقل، فلأن التكليف مرفوع عن المجنون حتى يعقل، وعن الصبي حتى يحتلم. وهؤلاء غير مطالبين بشيء من الأحكام الشرعية .

روى أبو داود عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 3711)

وأما القصد والإرادة، فلأن النذر لا يصح من المُكْره، الذي لا نية له، ولذا لا يلزمه الوفاء بالنذر حال الإكراه .

روى البيهقيُّ عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث 7110)

ثانيًا: شروط المنذور به :

1-              أن يكون المنذور به متصور الوجود في نفسه :

فلا يصح النذر بما لا يُتصور وجوده شرعًا، كما قال: «لله عليَّ نذر أن أصوم ليلاً»، أو قالت امرأة: «لله عليَّ نذر أن أصوم أيام حيضتي»؛ لأن الليل ليس محل الصوم ، والحيض مناف له شرعًا ، إذ الطهارة شرط وجوب الصوم الشرعي .

2-              أن يكون المنذور به قربة إلى الله تعالى :

كصلاة وصيام وحج وعمرة، وصدقات للفقراء وما شابه ذلك، فلا يصح النذر بما ليس قربة، كالنذر بالمعاصي، كأن يقول المسلم: لله عليَّ نذر أن أشرب الخمر أو اقتل فلان، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه مسلم عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ. (مسلم جـ3 حديث 1641).

وروى البخاريُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ (البخاري حديث 6696).

3-              أن يكون المال المنذور به مملوكًا للناذر وقت النذر :

فإن نذر المسلم صدقة مال لا يملكه وقت النذر، فلا يصح .

روى مسلمٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ. (مسلم جـ3 حديث 1641).

4-              أن لا يكون المنذور به فرضًا أو واجبًا :

فلا يصح النذر بشيء من الفرائض، سواء كان فرض عين كالصلوات الخمس أو صوم رمضان أم فرض كفاية كالجهاد في سبيل الله أو صلاة الجنازة ، ولا بشيء من الواجبات كزكاة الفطر. (الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي جـ3 صـ470 : صـ474)

 

أنواع النذور وأحكامها :

أولاً: النذر المُعيَّن :

وهو نذر الطاعة، الخارج مخرج الخبر مثل قول المسلم :

 لله عليَّ حج بيته الحرام، أو صيام ثلاثة أيام، أو التصدق على خمسة فقراء، ويريد قائله بذلك التقرب إلى الله، وحكم هذا النذر وجوب الوفاء به، لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾(النحل: 91)، وقوله سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾(الإنسان: 7)، وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾(الحج: 29) ( المغني لابن قدامة جـ13 صـ622 )

ثانيًا: النذر المطلق :

وهو نذر الطاعة الذي لم يُحدد ولم يُسَمه صاحبه، كأن يقول: «لله عليَّ نذر». ثم يسكت دون أن يحدد أو يسمي نوع هذا النذر .وحُكْمُ هذا النذر، غير المعين، أنه يجب الوفاء به، ويكفي للوفاء به كفارة يمين. (المغني لابن قدامة جـ13 صـ624).

روى أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن عباس قال: النذر أربعة: من نذر نذرًا لم يُسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا فيما لا يطيق فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا فيما يطيق فليوف بنذره.(حسن) (مصنف ابن أبي شيبة جـ3 صـ472)

وروى ابنُ أبي شيبة عن ابن عباس قال: (النذر إذا لم يسمَّ أغلظ اليمين وعليه أغلظ الكفارة). (صحيح) (مصنف ابن أبي شيبة جـ3 صـ471)

وروى ابنُ أبي شيبة عن عبد الله بن عمر قال: إذا قال عليَّ نذر، فلم يسمه، فعليه كفارة يمين غليظة.(صحيح) (مصنف ابن أبي شيبة جـ3 صـ471)

ثالثًا: النذر المكروه :

وهو النذر المشروط، كأن يقول المسلم: إن شفاني اللهُ، فلله عليَّ صوم شهر أو لأتصدقن بكذا على الفقراء، وهذا النوع من النذر لا يكون خالصًا للتقرب لله تعالى، بل معلق بشرط حصول نفع للناذر، وهو مكروه لنهي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه، وذلك أن الناذر شرط ذلك بالمنفعة، فإذا لم يشفه الله، فلن يصوم ولن يتصدق على الفقراء .

روى مسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنْ الْقَدَرِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ. (مسلم حديث 1640)

روى مسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنْ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ وَلَكِنْ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنْ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنْ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ. (مسلم ـ  كتاب النذر حديث 7)

حُكم النذر المكروه :

هذا النذر، وإن كان مكروهًا إلا أنه يجب الوفاء به لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾(الحج: 29)،

وهذا أمر بالوفاء بالنذر ، وهو يقتضي الوجوب .

وروى البخاريُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِه (البخاري حديث 6696).

وهذا نذر طاعة, فوجب الوفاء به. (المغني لابن قدامة جـ13 صـ622)

رابعًا: نذر ما لا يملكه المسلم :

كأن يقول: «إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أعتق عبد فلان، أو أتصدق بثوبه أو بداره»، أو نحو ذلك، هذا النذر لا يجوز وقد نهى عنه النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

روى مسلمٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ (مسلم جـ3 حديث 1641).

روى الشيخانِ عن ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ. (البخاري حديث 6047 / مسلم حديث 110)

وهذا النوع من النذر فيه كفارة يمين .

خامسًا: نذر المعصية :

وهو أن ينذر فعلاً محرمًا، أو ترك واجب، كأن ينذر ضرب أحد الناس بغير حق أو أن يشرب الخمر، وهذا النوع من النذر يحرم الوفاء به لأنه معصية .

روى البخاريُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ (البخاري حديث 6696).

حكم نذر المعصية :

نذر المعصية، حرام ولا يجوز الوفاء به، ويجب على صاحبه كفارة يمين، لأن النذر كاليمين  (المغني لابن قدامة جـ13 صـ624 : صـ626).

روى أبو داودَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ  (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 2816)

روى النسائيُّ عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ النَّذْرُ نَذْرَانِ فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَذَلِكَ لِلَّهِ وَفِيهِ الْوَفَاءُ وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلَا وَفَاءَ فِيهِ وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ (حديث صحيح)  (صحيح النسائي للألباني حديث 3854).

سادسًا: نذر تحريم الحلال :

كأن ينذر تحريم طعام أو شراب مباحين أو ما أشبه ذلك، وحكم هذا النوع من النذر أنه لا يحرم شيئًا وعليه كفارة يمين .(فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ11 صـ583)

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (التحريم : 1 – 2) .

سابعاً: نَذْرُ الْمُسْتَحِيلِ  :

نَذْرُ الْمُسْتَحِيلِ، كَصَوْمِ أُمْسِ، فَهَذَا لَا يَنْعَقِدُ، وَلَا يُوجِبُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُهُ، وَلَا الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، فَالنَّذْرُ أَوْلَى (المغني لابن قدامة جـ13 صـ628)

ثامنًا: نذر اللجاج (الغضب):

المقصود بنذر اللجَاج هو حث الناذر نفسه على فعل شيء أو منعها، غير قاصد للنذر ولا القربة لله تعالى، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعليَّ الحج أو فمالي صدقة أو فعلي صيام، يريد بذلك يمنع نفسه عن الفعل أو أن يقول: إن لم أفعل كذا فعليَّ الحج أو نحو ذلك. وهذا النذر يخرج مخرج اليمين لأن الناذر هنا لم يرد التقرب إلى الله تعالى.(الفقه الإسلامي للزحيلي جـ3 صـ477 )(فتاوى ابن تيمية جـ35 صـ253 )(المغني لابن قدامة جـ13 صـ461)

حُكم نذر اللجاج :

إذا نذر المسلم نذر اللجَاج (الغضب) فهو بالخيار، إن شاء وفَّى بما نذره، وإن شاء حنث فيه (لم يوف به)، وعليه كفارة يمين.(فتاوى ابن تيمية جـ35 صـ253 : صـ258)(المغني لابن قدامة جـ13 صـ461 : صـ462)

 

حُكم من مات وعليه نذر :

من نذر حجًا أو عمرة أو صيامًا أو صدقة أو عتقًا أو اعتكافًا أو غير ذلك من الطاعات إلا الصلاة، ومات قبل الوفاء بنذره، فإن وليَّه يقضي عنه نذره، فإن كان النذر مالاً فإنه يُؤدى عن الميت من رأس ماله قبل ديون الناس (المغني لابن قدامة جـ13 صـ655 : صـ657).

روى الشيخانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى. (البخاري حديث 1953 / مسلم حديث 1148)

روى الشيخانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ. فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا. (البخاري حديث 2761 / مسلم حديث 1638)

 

العجز عن الوفاء بالنذر:

من نذر طاعة لله تعالى ثم عجز عن الوفاء به, وجبت عليه كفارة يمين. (المغني لابن قدامة جـ13 صـ632 : صـ633).

روى مسلمٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ.(مسلم جـ3 حديث 1645)

 

نذر الصلاة في المسجد الحرام:

إِذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لَمْ تُجْزِئْهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ وَخَيْرُهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَوَابًا لِلْمُصَلِّي فِيهَا. وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ أو المسجد النبوي؛ لأنهما أكثر ثوابًا للمصلي فيهما من المسجد الأقصى (المغني لابن قدامة جـ13 صـ640).

روى أبو داودَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ صَلِّ هَاهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ صَلِّ هَاهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ شَأْنُكَ إِذَنْ. (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 2827)

 

النذر المطلق في الصلاة والصيام :

من نذر صلاة مطلقة، ولم يحدد عددًا معينًا، فيجزئه صلاة ركعتين لأن أقل صلاة وجبت بالشرع ركعتان، فوجب حمل النذر عليه، وإذا نذر صيامًا مطلقًا، ولم يذكر عددًا معينًا، ولم ينوه، فيجزئه صيام يوم واحد. (المغني لابن قدامة جـ13 صـ634 : صـ635).

 

نذر الهَدْي المطلق للمسجد الحرام :

من نذر هديًا لم يُسمه ولم يحدده، لم يجزئه إلا ما يجزئ في الأضحية، وذلك لأن المطلق يُحمل على معهود الشرع (المغني لابن قدامة جـ13 صـ641). ويلزمه أيضًا إيصاله إلى مساكين الحرم لأن إطلاق الهدي يقتضي ذلك، قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾(المائدة : 95) .(المغني لابن قدامة جـ13 صـ642).

 

النذر للأموات:

قال الصنعاني: رحمه الله: النذر في هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات فلا كلام في تحريمها لأن الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر ويجلب الخير ويدفع الشر ويعافي الأليم ويشفي السقيم وهذا هو الذي كان يفعله عباد الأوثان بعينه فيحرم كما يحرم النذر على الوثن ويحرم قبضه لأنه تقرير على الشرك ويجب النهي عنه وإبانة أنه من أعظم المحرمات وأنه الذي كان يفعله عباد الأصنام لكن طال الأمد حتى صار منكراً والمنكر معروفا وصارت تعقد اللواءات لقباض النذور على الأموات ويجعل للقادمين إلى محل الميت الضيافات وينحر في بابه النحائر من الأنعام وهذا هو بعينه الذي كان عليه عباد الأصنام فإنا لله وإنا إليه راجعون .(سبل السلام للصنعاني جـ4 صـ558).

 

فوائد هامة خاصة بالنذر :

1- من نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ مِنْ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَجْزَأَهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ لِأَنَّهُ نَذَرَ صَوْمًا فِي وَقْتٍ ، وَقَدْ صَامَ فِيهِ (المغني لابن قدامة جـ13 صـ644)

2- من قال: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا, فَنَوَى صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، لِنَذْرِهِ وَرَمَضَانَ، لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ وَاجِبٌ بِفَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَذْرُهُ يَقْتَضِي إيجَابَ شَهْرٍ، فَيَجِبُ شَهْرَانِ بِسَبَبَيْنِ، وَلَا يُجْزِئُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمِ شَهْرَيْنِ، وَكَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ عَنْ نَذْرِهِ، وَعَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ (المغني لابن قدامة جـ13 صـ645)

3- مَنْ قال لله عليَّ صوم يوم العيد، حَرُمَ عليه ذلك، وعليه كفارة يمين ولا قضاء عليه. (المغني لابن قدامة جـ13 صـ 647).

4- إذا نذرت المرأة صوم أيام حيضها أو نفاسها، حَرُمَ عليها ذلك، وعليها الكفارة ولا قضاء عليها .(المغني لابن قدامة جـ13 صـ648).

5- مَنْ نذر أن يصوم يوم يقدم فلان، فقدم يوم عيد الفطر أو الأضحى أو أحد أيام التشريق الثلاثة، حرم الصوم، ووجب عليه صوم يوم مكانه، ولا كفارة عليه لأن الشرع قد منعه من الصوم في هذه الأيام، فهو كالمكره (المغني لابن قدامة جـ13 صـ646).

6- من قال عليَّ الحج في عامي هذا، فلم يحج لغير عذر، فعليه القضاء والكفارة، وإن كان لعذر فعليه القضاء ولا كفارة عليه. (المغني لابن قدامة جـ13 صـ654).

7- مَنْ نذر أن يصوم شهرًا مُعينًا، فأفطر يومًا لغير عذر، ابتدأ صوم شهرٍ جديدٍ وعليه كفارة يمين، وأما من أفطر لعذر، فإنه يبنى على ما مضى ويقضى ما فاته ولا كفارة عليه .(المغني لابن قدامة جـ13 صـ653 : صـ654).

8- من نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ الْحَجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْذُورِ فِي وَقْتِهِ (المغني لابن قدامة جـ13 صـ655).

أسألُ اللهَ تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعَ به طلابَ العِلْم.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات