يا ولدي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

الحمد لله هاد العباد الرقيب على خلقه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور أحمده حمد عبد خافه ورجاه وأشكره شكر معترف بالنعم لخالقه ومولاه والصلاة والسلام على خير عباد الله... أما بعد فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل... أيها المسلمون يقول الرب سبحانه وبحمده ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ إنها الذرية الطيبةُ. وكفى بها زينةً وشرفاً. إنها نعمةُ الولدُ الصالح.

كتبتُ إليكَ يا ولدي *** على قلبي على كَبِدِي 
فأنتَ عصارةُ العُمرِ  *** ونُعمى الواحدِ الأحدِ 

كتبتُ إليك يا ظِلّي  ***  أيا بعضي.. أيا كُلّي 
ففتّشْ في هوى قلبي  *** فلن تلقى هوىً مثلي 

كتبتُ بدمعِ أشواقي ***  وروحي فوقَ أوراقي 
لِأَسـقيكَ .. وتسـقيني *** فأنتَ الظّامئُ الساقي

كتبتُ إليكَ لا أدري  *** فَوِزري..آهِ من وزري
وأنتَ براءةُ الطُّهرِ ***  فنوِّرْ بالدُّعا قبري

يا ولدي. وأنتَ تستَمعُ هذه الكلمات. اِعلمْ. مهما شرحتُ لكَ مشاعِري، فلن تَتَمكَّنَ من إدراكِها. حتى تصيرَ أبًا مثلي، أنتَ لستَ مُجرَّدَ شابٍ بدأَ يَكبرُ حتى صَلُبَ عُودُه. وحَسُنَ قِوامُه، وبدأت معالِمُ الرجولةِ تكتملُ في صورتِه. كنتَ تكبرُ فتكبرُ معكَ همومي، وتطولُ بقدرِ طُولِك مخاوِفِي،  بل أنتَ تاريخٌ من الذِّكريات والآمال. وكتابٌ كنتُ أتصفحهُ بلا سآمةٍ أو ضجر. أُسَرُّ للِقائك. وأشتاقُ لرؤيتك. وأفرحُ لفرحِك. وأحزنُ لمرضِك. وأفتخرُ لنجاحِك وتفوُّقِك.

يا ولدي. في قلبي مشاعرُ مُزدحمة. من الفَرحةِ والحُزن. والخوفِ والأمل، حينما عَلِمتُ أنكَ ستصلُ في عُمُرِكَ الثامنةَ عشر، طافت بي ذكرياتٌ كثيرة. وأحزانٌ وأشجان، فمعَ قُربي مِنك. ومُتابعتي لَك. أشعرُ أن قاربَكَ الصغيرُ الذي طالما كان يقفُ على شُطآنِ قلبي. ولا يَغيبُ عن ناضري. بدأَ يُصارعُ أمواجاً هائجة. وتياراتٍ عاتية. وعواصفَ مُربكة.

يا ولدي. منذ أن عَلِمَتْ أُمُّكَ أنها تحملك بين ضُلُوعِها، تباشرنا بهديةٍ إلَهِيَّة. وأخذت التبريكاتُ تنهالُ كهطولِ المطر. بَدَأَتْ معها حكايتُنا معك.  كلَّ يومٍ قِصةٌ جديدةٌ. ورِوايَةٌ مُثيرة، وانتظارٌ مُمِل. وبِمَقْدَمِك. خُضتُ مع أُمِّكَ طريقاً طويلةً فيها مُنعطفاتٌ وآلام، وسَهَرٌ وأحزان. يُنسينا ذلك كُلِّه. لِبسُكَ الجديد. وركضكُ السعيد. وضحكاتُكَ البريئة.

يا ولدي. حين حَمَلْتَ حقيبتكَ لأوَّلِ مرةٍ على ظهرِك. لا أنسى دموعَ أُمِّكَ وهي تُودِّعكَ لأوَّلِ يومٍ دِراسي، ومَرَّتِ الأيام، ومَشْهَدُ الدموعِ يتكررُ معَ بدايةِ كلِّ عامٍ دراسي ، قِصتُنا معكَ. أكبرُ من أن تَضُمَّ أحداثُها هذهِ الكلمات.

يا ولدي. ها نحنُ اليومُ نعيشُ لحظاتٍ عصيبةٍ كئيبة. نرى فيها جُهوداً مُضنية. ومحاولاتٍ متكرِّرة. وتخيطاتٍ مُنظَّمَة. وأحداثٍ مُفجعةٍ. يُرادُ بانتزاعِ قِطعةٍ من رُوحِنا ورَحِيلِها عنَّا، ماذا أقول لك يا ولدي. تُنتَزُعُ خِلالِ ما يُرادُ بكَ بالخنا والرذيلةِ. والفسُوقِ والعصيانِ. وإغضابِ الملكِ الدَّيَّان. وتَرحلُ بنَبذِ عاداتٍ طيبةٍ غرسناها فيك. وآدابٍ توارثناها من دينكَ الحنيف. وربما تقول في نفسكَ إنها مواعظُ معروفة، ونصائحُ مُكرَّرة، كلا يا ولدي. واللهِ لو طِفْتَ هذا العالمَ لنْ تجدَ قلبًا. يُحبكَ  كقلبي وقلبِ أُمِّك، أُنادِيك فاستمع إليَّ، فربما يُدهِشُكَ أن أقولَ. لقد تمنيتُ أنَّكَ مازلتَ صغيراً، تنامُ بِجواري، وأضُمُك إلى صَدري، وأُغلِقُ عليكَ بابي، وأحمِلك على كَتِفِي. استمع إليَّ يا ولدي. فطُوفانُ المخاوفِ يُزلزِلُ قلبي عليك، كيفَ لا أخافُ عليكَ وأنا أسمعَ عن شبابٍ سَحَقَتهُم المُخدرات، وضَيَّعتُهم المُسكرات، كيف لا أخافُ يا ولدي، وأنا أرى شبابًا أحرقوا أوراقَ حياتِهم بالضَّياعِ والانحراف، كيف يا ولدي وصورُ الشَّبابِ المُنحرفِ تَطيِّرُ النومَ من عَيْنَي، كيف يمكن لي أن أراكَ يا حبيبي مِثلَهم. احفظ الله يحفظك. أحسنُ كلمةٍ أُهديها لكَ اليوم، أرجوكَ اكتُبهَا في قلبِك، وانقُشهَا في رُوحِك، تمتم بها في خلواتِك، وردِّدها معك في طريقك احفظ الله يحفظك، احفظ الله يحفظك يا ولدي. فأبواكَ ضعيفانِ عاجزانِ لا يعرفانِ ماذا ستفعلُ حينَ تبتعدُ عن منزلهما وعن فِنَاء بيتهِمَا، أو تُغلِقُ عليكَ باباً لا يَراك حسبَ عِلمِكَ أحداً. لا أستطيعُ يا ولدي. أن أحرسَكَ وودِدِّتُ أن أستطيعَ ذلك، لا أدري يا ولدي. هل سَتنزجرُ أم لا، ولا أستطيع أن أدري ولكنَّ اللهَ يدري. فاحفظ الله يحفظك، احفظ الله الذي يراكَ في سيارتِك، وفي غرفتكَ، وفي طرِيقك، ومَعَ زميلِك. اسمع لنصيحةِ والدٍ مُشفقٍ مِثلي، وهو يقولُ لِولده ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ اتَّقِ اللهَ يا ولدي حيثما كنت. فإذا فعلتَ ذلكَ فلنْ تحتاجَ إلىّ أبداً، فاللهُ سيكونُ مَعَك، سَيُفَرِّجُ كُربتَك إنْ حلتْ بِكَ الكُربات، وسَيُزِيحُ هَمَّكَ إنْ طافتْ بك الهمومُ والمُلمَّات، يا ولدي الحياةُ مليئةٌ بالمتاعب، وأنتَ ستكونُ بحاجةٍ إلى ربِّكَ حتماً، فَكُنْ مَعَ اللهِ يكنِ اللهُ معك.

سأخبرك يا ولدي. باباً عَرفتُهُ وخبُرتُه. وكنتُ كلما أَصابتني حاجةٌ أوشِدةٌ. فَزَعت إلى قَرعِه، لا تتردَّدْ. اقرعْهُ في أيِّ وقت، في ليلٍ أو نهار، إنَّهُ بابُ السماءِ يا ولدي، إذا أصابَكَ خوفٌ أو هَمٌّ أو عَدوٌّ أو أَلَمٌ. فأنتَ تعرفُ الطريقَ إلى السماء، ارفعْ يديكَ إلى الرحمنِ مولاكَ. واسْأَلهُ أيَّ شيءٍ تريده، فواللهِ لن يُخَيِّبَكَ. نادِ ربَّكَ يَسمعُك، واستجرْ به يُجِيرُك، واستخِرهُ يُخِيرُك. الصلاةَ الصلاةَ، أسأَلُكَ باللهِ لا تتهاونُ بها أو تتكاسلُ عنها. وإيَّاك إيَّاك أن تتركها قط، صلاةُ الفجرِ هي المستقبلُ والأمنُ والراحةُ والسعادة، لا تُصلِّها في البيت، كن مَعَ المشَّائينَ في الظُلَم إلى المساجد، إني أتخيلك في الظلامِ تَسيرُ إلى بيتِ الله مُصَلياً، فَيقفزُ فؤادي من الفرح، نوَّر الله قلبك. وأصلح شأنك. ورفع ذكرك. ونفع بك. أقول ما تسمعون...

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. 

كلُّ العَالَمِ يا بني مجُمعونَ على أنَّ الصديقَ يُؤثَّرُ في صديقه. صاحبِ الأخيارَ تكن مِثلَهم، ارتفعْ مع الطيبينَ يَرفَعُوك، تَوَحَّشْ من العُصاةِ والمُنحرفين، كن حازماً ولا تُجامِلْهم، قوياً لا تَضعفْ أمامَهم، إنه يا ولدي.

لا بُدَّ من قراراتٍ صعبةٍ لنعيشَ حياةً سوية، كُلُّ قِصَّةِ شابٍ جامحٍ في السُّجونِ خَلفَها صَديق، كُلُّ جريمةٍ قادتْ إلى القتلِ تحتها صاحبٌ ساحب. وهذا في الأعمِ الغالبِ.

واعلم يا بني أن مَنْ خانَ اللهَ يخونُ عباده، ومن عَقَّ والديهِ فلا خيرَ فيه، والأخيارُ يُعينونكَ على الخيرات، ويُشجعونكَ في الطيبات، إن هذا التحذيرَ. قد قالَهُ كثيرون واستمع كثيرٌ. فنجوا، ولم يستجبْ لهُ بَعضُهم فهلكوا. فلا تكن يا قرةَ العينِ من الهالكين. أنت يا ولدي. أُجِدتَ في الدنيا لِمهمة. والرِّجالَ يعيشون لِمُهماتِهم، أنت لم تُخلَقَ لِتلعبَ وتَسْهرَ وتتمشى وتتنزهَ فقط، أنت هنا لِواجبِ الرِّجال، ومسؤولياتِ الأبطال، أنتَ سفيرٌ فوقَ العادةِ لأبٍ وأمٍّ. نعتزُّ بعزِّك. ونرتفعُ بعلمك. لو كنتَ تعلمُ أيُّ حالٍ تركَ الحافظُ لكتابِ اللهِ والديهِ، لهالك الأمر. وعَظُمَ في نفسك عظيمُ البر. لما هانتْ عليك دمُوعُهما، يُكسيانِ حلتين يوم القيامة لأخذِ ابنهما القرآن. ولَمَا سَهُلَ عليك سَهَرَهُمَا، يا ولدي. الابنُ الصالحُ لو كنتَ تقرأُ في صفحاتِ قلبي والديه. لقرأت قَصَصَاً من الأمل، ورواياتٍ من الفرحِ. قد رسَمُوها في مخيلاتهم وعادت صورةً حقيقيةً أمام ناظِرَيهما. لو كنت تعلم ذلك لأدمنت السهر في المذاكرة، وقطعت العمر في التعلم، ولهان عليك التخلي عن سهرات اللاهين، وتجمعات المتهاونين. يا ولدي هل ترى الناجحين العظماءَ اليوم. أنتَ مُؤَهَّلٌ لأن تُسَجِّلَ اسمكَ معهم، أيُّ  اتجاهٍ أو تخصصٍ ستذهب إليه يمكن أن تكون عظيمًا فيه، أما قائمةُ الفشلِ فسترى خَلفَهَا فقط. سهراتٍ على البَلوت، وذهابًا إلى المتنزهاتِ والبحارِ والمباريات، سلهم عن حالهِم. سيقولون لياليَ الضياعِ على الأفلامِ الوضيعة. والمباريات التافهة. والسَّهرَاتِ التائهة. سنواتٌ قضاها هؤلاء وهؤلاء. صنعتِ الفرقَ في العُمُرِ كُلِّه، الزمْ بيتك. ولا تخرج إلا لحاجةٍ ومهمة، فَقِصَصُ النجاحِ الكبرى حتى لأعظم عظماء التاريخ. صنعوها في بيوتهم. أمسك عليك لسانك وليسعك بيتُك وابكِ على خطيئتك. هذه رسالةٌ إليك. ربما تكونُ الأولى وفي ذاتِ الوقتِ الأخيرة، فلا أدري. قد تُسعفني الكلماتُ. ولا يُمهلني القدر، هل ستسمعُ كلماتي. أم تَصمُّ آذانَك وتُولِّي عنها مدبراً. اِعلم أني أصدحُ لك الآن. لِتفهمَ تجاربَ السنين، ولربما حينَ يتوسطُ بكَ العُمُرُ لا تجدني بجوارك، فإن استوحشتَ طُولَ الدَّربِ وقِلَّةَ السالكين فاذكرني، واعلم لعلَّ ذكرايَ معكَ تسعدُ بطيبِ فِعالكَ، وتَحزنُ لِسُوءِ مآلِك، أستودعك الله يا ولدي. الذي لا تضيع لديه الودائع.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply

التعليقات ( 1 )

مقال رائع جداً

-

عبدالله

14:35:04 2020-11-05

بارك الله فيكم